علينا ان لا نهدر طاقتنا في الحديث عن الازمة بل ان نتوجه للانتاج والتنافس!
عصام اليوسفي مدير المعهد العالي للفن المسرحي:علينا ان لا نهدر طاقتنا في الحديث عن الازمة بل ان نتوجه للانتاج والتنافس!باريس ـ القدس العربي : المدير الجديد للمعهد العالي للفن المسرحي بالمغرب، عصام اليوسفي، اكاديمي بروح ابداعية محلقة …دراماتورج حاصل علي دكتوراه المسرح بباريس سنة 1994، ترجم واقتبس لعديد من الكتاب كولتيس، شيزكَل، شديد ، شارك كعضو في لجان لمهرجانات مسرحية عديدة، له قيد الطبع كتاب المسرح والسينما كما خاض تجربة الاخراج المسرحي، في مسرحية طابا ـ طابا لبرنار ماري كلتيس هنا حوار معه: الأستاذ عصام اليوسفي أنت ابن الدار، كما يقال، فبدءا بأستاذ للدراماتورجيا، فمدير للدراسات، مرورا برئيس شعبة التشخيص الي مدير للمعهد العالي للفن المسرحي …بادئ ذي بدء، كيف يمكن أن ترصد لنا مسار المعهد علي امتداد هذه المهام والتي تناهز نصف عمر المعهد ـ حتي الآن ـ أي حوالي عشر سنوات ؟ طيب، في البداية أتوجه بالشكر الصادق لك عبد الجبار كصديق وكحليف وكمتابع للأسئلة التي تطرحها هذه المؤسسة ..بالنسبة لمسار المعهد، لم يكن هذا المسار مرسوما بشكل مدقق، فهو تأقلم مع معطيات متعددة سواء كانت مرتبطة بالمهام الرسمية داخل المؤسسة أو بالاختيار الأساسي المتمثل في اقتسام تجربة معينة علي المستوي التربوي، ومحاولة أيضا لإيصال، ولو بشكل متواضع، مجموعة من المعارف لجيل جديد يتطلع لرؤية المسرح بشكل آخر علي مستوي الأفكار وعلي مستوي الأساليب، التي يمكن اكتشافها داخل المحيط الثقافي والفني في المغرب .أعتقد أن هذا التراكم البسيط خوّلني أن أكون تصورا عن ماهية التكوين داخل مؤسسة المعهد وطبيعة الاهداف التربوية التي يجب رسمها وتحقيقها لأي طالب اختار هذا المسار، وايضا علي مستوي المضامين وأشكال تلقينها، وما يمكن أن أقف عنده هنا، هو كيف يمكن أن نمزج ما بين روح المسؤولية لدي الفريق التربوي من جهة والطلبة من جهة أخري، أي أن هذه المهنة مبنية علي علم وعلي معرفة، والمسرح ارث انساني يجب تلقينه بأساليب معقلنة وبمضامين مضبوطة وبأهداف واضحة، وهذا المعطي أساسي في البداية كقاعدة بالنسبة للجميع ..وشرط آخر أساسي يتمثل في خلق فضاء للحرية وللتجريب، لأن الفن ليس معقلنا بشكل يجعلنا نحجمه في صيغ متعددة، فكل انسان له تجربة خاصة ولكل محيط وظرف خصوصيته، ويجب الأخذ بعين الاعتبار هذه الخصوصية وهذه الايقاعات الفردية المختلفة، وان تكون هناك امكانية لنوع من ممارسة الحرية وتحقيق الذات ولنوع من التجريب ..فالتعليم هو أيضا تجريب ومحاولة دائمة للبحث عن أساليب لتجاوز الأخطاء وهذه العملية تستمر طوال الحياة والا فالجمود، ومؤسسة كالمعهد العالي للفن المسرحي لا بد أن تكون خاضعة لضوابط معينة، أن يكون هناك تقييم مستمر، ونوع من الصرامة مع الذات علي مستوي قيمة التكوين ومدي جدوي هذا التكوين، وكيف يمكن المساهمة فعليا في الرفع من قيمة وجودة المنتوج المسرحي، لأن الغاية الأساسية هي محاولة تطعيم الساحة المسرحية بشباب لهم تكوين مهني ولهم تصور جديد أيضا للتعبير المسرحي، ولهم هموم وأسئلة فكرية مرتبطة بأسئلة المجتمع فأظن عندما تتوفر هذه الشروط يكون للسؤال الفني وللصيغ التي تأخـــذها هــذه العلاقات صدي أكبر داخل المجتمع. هل استطاع المعهد تكريس هذا الفكر .. أي أن يجعل المسرح علما يجب تدريسه ؟ وأن يثبت أن هناك ضرورة حقيقية لتواجده كمؤسسة للتكوين المسرحي؟ لن أكون جازما في الجواب، وأعتقد أن هذه المسألة داخل المحيط الثقافي والفكري المغربي لا زالت تحتاج الي (نضال)، لا زالت ورشة مفتوحة للنقاش، للاقناع وللتوضيح وهي عملية، أيضا، تربوية فيها نوع من didactique / الجدلية، لكي يتبين بالفعل أن مهنة المسرح مهنة معرفية وليست فقط مبنية علي الفطرة، أو علي العلاقات أو علي الموهبة وحدها، هذه المسائل قد تكون ايجابية، لكن لا يمكن أن نحترف المسرح دون ان يكون هناك وعي بشروط هذه المهنة سواء كممثل أو سينوغراف أو كمخرج أو كاتب، فالشرط المعرفي ضروري من أجل قيمة المنتوج الفنية، هذه قناعة راسخة، وأعتقد أيضا أن المعهد اكتسب مكانته من خلال منتوج معين، والذي يمكن تقييمه ايجابيا أو سلبيا، وهل هو في مستوي أفق الانتظار؟ علي أي، المعهد حاول أن يصاحب مجموعة من الشباب في تكوينهم، وهم الآن يشتغلون داخل مجموعة من المؤسسات والفرق، رسمية أو غير رسمية، يعيشون مجموعة من التجارب الفنية، لهم مساهمات داخل المنتوج التلفزي والسينمائي بالمغرب، اذن علي المستوي المهني هناك حضور وهناك اضافة ..في مستوي ثان يمكن أن نتكلم عن القيمة الفنية ..لأن هناك من يستغل ورقة أنه تكون في المعهد، وله تكوين أكاديمي ليكتسب مكانة ما، رغم أن ليس لديه أي ايمان في العمق بأن التكوين قد ساعده في أن يجد هو مكانته اللائقة به؛ اذن ورقة البعد الأكاديمي سيف ذو حدين، وأنا مع من يستعملها بشكل ايجابي، حينما يكون هناك ايمان صادق بأنه بالفعل كان هناك تكوين، وأن الخريجين امْتلكوا مجموعة من الأدوات المهنية، التي تساعد علي تطوير القيمة الفنية لهذه المهنة . سوف أعود الي مسألة الخريجين لكن قبل ذلك، وفي اطار مسار المعهد، أريد أن أعود بك الي الوراء قليلا وبالضبط الي سنة 1997 علي ما أعتقد، والي لحظة أحسبها مهمة، تلك التي توقفت فيها مباراة ولوج المعهد بقرار وزاري وأضرب الطلبة عن الدراسة احتجاجا، ليفتح نقاش واسع حول التكوين المسرحي وصورة المعهد وخريجيه داخل المشهد المسرحي المغربي ..هل فترة التوقف هذه أعيد فيها ترتيب أوراق ما ؟ فتحت أفقا ما ؟ العودة الي التاريخ تقتضي العودة أيضا الي بعض المعطيات، فالظرف الذي تم فيه اتخاذ القرار، كان هناك مشكل المناصب المالية، وكان الخطاب الرسمي ـ وأعتقد أن الوزير عبد الله أزمني كان وراء توقيف المباراة ـ يري أن خريجي المعهد كانوا منبع مشاكل بالنسبة لوزارة الثقافة التي تتكفل بايجاد مناصب مالية، فمن الأفضل اذن سد هذا المنبع، وفي رأيي هذا اختزال وتقزيم للمشكل، وكان رد فعل ايجابيا من طرف أطر المعهد وطلبة المعهد آنذاك، بحيث استغلت فترة التوقف هذه، للتأمل ولترتيب بعض الأوراق ومحاولة الاستفادة علي أساس أن يكون التكوين له قيمة أكبر، وخلق تصور جديد واعادة النظر في فعالية التكوين والتركيز علي معطيات أساسية، رغم أن هذه المسألة لم تتم بسهولة، حيث كانت مجموعة من العوائق، والتي تم تجاوزها بعد استئناف المباراة بتصور جديد، أعتبره ايجابيا، مع تجميد شعبة التنشيط الثقافي . كما أن فترة التوقف تلك ، كانت أيضا فرصة لخلق نقاش حول وظيفة المعهد : ولا يجب بالضرورة ربط الخريجين بمناصب مالية، أي بوظيفة، فهم أكبر من الوظيفة، و التكوين الذي يتلقونه ـ رغم بعض النواقص ـ هو مشروع أكبر من اختزاله في مكاتب أو ادارة .. رغم أن الوضع الثقافي والمسرحي بشكل خاص داخل المغرب لا يحمي الفنانين بشكل كبير، ولا يسمح بأن تكون لهم وضعية مريحة، من أجل خلق شرط للمعرفة وللابداع .. فهنا نوع من التناقض، علي أي، هذا وضع يجب تأمله، والتفكير في حلول للمشاكل التي لم تُتجاوز بعد. ذكرت تجميد شعبة التنشيط الثقافي ..المعهد حاليا يتوفر علي شعبتين : التشخيص والسينوغرافيا. هل شعبة التنشيط الثقافي كانت تثقل كاهل معهد الفن المسرحي ؟ أم أنها لم تثبت فعاليتها ؟ لا بد دائما من الرجوع الي سياق اتخاذ هذا القرار.. فبعد استئناف المباراة، بعد ما كان القرار من طرف وزير الثقافة الأشعري، كان التوجه هو اعادة النظر في التصور التربوي، أي أن المعهد أوكلت له مهمة التكوين في المهن المسرحية، أي أن هناك خصاصا علي مستوي الصوت، العرائس، الاخراج، الكتابة المسرحية .. الخ وبالتالي يجب الدفع باتجاه التفكير في هذه المهن، بالاضافة الي المهنة الأولي والأساس، وهي التشخيص والسينوغرافيا بتفرعاتها، الملابس، الانارة.. الخ وهذا كان مرتبطا بشروط مادية يجب توفيرها والا فاننا نحلم .. أظن أن الطموح كان كبيرا، وكان لا بد من الوقت لتصريفه، هذا جانب كان وراء تجميد شعبة التنشيط الثقافي، جانب آخر، هو أن هناك مجموعة من المؤسسات، توفر تكوينا في هذا المجال، ولا داعي لخلق مؤسسة أخري. هناك كلية ابن مسيك، المحمدية، أكادير …كما أنه في بعض الأحيان كان هناك انتقاد، أن ليست هناك كفاءة كبري بالنسبة لخريجي هذه الشعبة، ولو أن هذه المسألة نسبية، ولا يمكن الحسم فيها ..بالاضافة الي أنه كان هناك غموض في تحديد المفهوم، هل التنشيط معناه التدبير الثقافي أو البرمجة، أو المسؤولية علي دور الثقافة، أو تنشيط حوار ثقافي أو تلفزي ..يجب تحديد ماهية المنشط، هل هو الوسيط ما بين الحدث الثقافي والجمهور، أو هو الذي يخلق هذا الحدث.. كانت هناك تصورات متعددة .. وبالنسبة لرأيي الشخصي، أظن أن التنشيط الثقافي له مكانته، ولا يمكن أن يلحق بالمسرح علي مستوي التكوين، يجب الفصل بينهما، لأنهما مهنتان مختلفتان، ربما كان هناك ظرف معين فرض دمجهما معا في معهد واحد لكن لا أظن أن الاحترافية، والمردودية والكفاءة تسمح بهدر الوقت بهذا الشكل، لا بد من السير باتجاه التخصصات، وتعميق التكوين أكثر، وفي هذا الباب يتضح اختيار تخصص المعهد في مهن الفن الدرامي .. والتي يجب أن توفر لها امكانيات وشروط معينة، قاعات، تجهيزات، مصاحبة الطلبة في انجاز عروض ذات تكلفة مالية معينة …الخ. اذا ما تحدثنا عن خريجي المعهد العالي للفن المسرحي، فنحن نتحدث عن جيل جديد.. هل استطاع هذا الجيل ـ من وجهة نظرك ـ أن يؤسس لمسرح بنفس جديد ورؤيا جديدة ..أم أن الوقت ما زال مبكرا لتقييم كهذا ؟ هذا السؤال معقد وتصعب الاجابة عنه، ولا يمكن أن نجزم، فهناك تجارب تؤكد وأخري تفند، وهنا لا يمكننا البحث عن المطلق، يمكننا البحث عن ماهية التوجه ؟ أظن أن هناك تجارب مشجعة، تحاول رسم طريق، وأن تختار أسلوبا معينا في العمل، تحاول أن تجتهد موسما بعد موسم، في خلق تراكم وخلق ولو جمهور مصغر، وأظن أن هذه التجارب مرتبطة بخريجي المعهد، لا داعي لذكر الأسماء، أظن أن هناك حضورا رغم أنه نسبيا لا يشكل الأغلبية، لحسن الحظ أن هناك مجموعات صغري تشتغل بهذا النفس وبهذه القناعة .. هل خلقت مدارس أو تيارات ؟ هذه مسألة كبيرة، وكما قلت من المبكر التكلم عن هذه التجارب بهذا الشكل، ويجب اعطاء الوقت لأخذ نفس ومجال لتتطور أكثر ولتجد لها صدي داخل المجتمع، ربما لها صدي لدينا نحن القريبين من المهنة. أما داخل المجتمع فلا بد من مزيد من الوقت، لأنه لا يمكن بمجرد الكتابة عن هذه التجربة او تلك في الجرائد، سنقول ان لها صدي، فهذه المسألة هي نوعا ما مغلوطة، لأنها اكبر وأعقد، ويجب النظر اليها علي مستوي اكتساب قناعة بفعالية المسرح داخل المجتمع، واكتساب جمهور مختلف بعيدا علي ذلك الجمهور المعتاد علي المتابعة، اما عن طريق العادة أو العلاقات أو اهتمام خاص الخ. لا يمكن للتجربة أن يكون لها عمق الا بدخولها في المجتمع . قلت ان هذا الحضور لا يشكل الأغلبية، هل هذا يعني ان هناك نسبة قليلة من الخريجين هي التي تشتغل أم تقصد مسألة الكيف وليس الكم ؟ الجميع يشتغل، لكن ما هي قيمة الأعمال التي يشاركون فيها ؟ هذا هو السؤال، أي سؤال الكيف ..فهناك مجموعة من الخريجين يشتغلون في المسرح والتلفزيون، وفي ورزازات هناك أفلام .. وهناك منتوجات ايجابية، وهناك بالمقابل، من لا يمكن أن نجد لهم مبررا ـ وحتي نكون صريحين ـ باشتغالهم في أعمال، لا يتساءلون عن مضمونها ولا عن خلفيتها من ناحية التصور ولا عن ظروف الاشتغال أو عن القيمة الفنية التي يمكن أن تضيف للشخص في حد ذاته، بحيث يصبح المنطق هو نتعرف شْوِيَّة أو ان هناك مردودا ماديا، أو اكتساب علاقات.. الخ، اذن يصبح السؤال الفني غير مطروح، وبدلا عنه نجد السؤال الاجتماعي والمادي أو الذاتي .. وهذه مسألة طبيعية ونجدها في جميع المعاهد، هناك بعض الخريجين الذين ليس لهم هم السؤال الفني بشكل عميق، بل همهم الأساسي هو كيف أندمج في السوق وبأية وسيلة، وأنا في هذا الباب لدي تصور ربما خاص أو متطرف، وهو أن خريجي المعهد أو حتي من هم في اطار التكوين، يجب أن لا يفرض عليهم السوق، بل هم من يجب خلق سوق خاص بهم، سواء علي المستوي الفني أو المادي، لا يكفي أن يكون حلم الخريج هو أن يشتغل مع هذا الاسم أو ذاك، أو أن يكتب عنه في الجرائد، ربما يكون حلمه أكبر عندما يدخل المؤسسة، فيتقزم ويختزل في الظهور علي شاشة التلفزة ..يجب الحفاظ علي الحلم في حجمه الأول لخلق شكل آخر للممارسة المسرحية، والتفكير في مواضيع أخري ترتبط بقضايا المجتمع، والتطرق اليها بأساليب أخري، والبحث عن فضاءات أخري للقاء مع الجمهور المغربي، وأظن أن هذا هو الرهان وحلم المؤسسة، وفقا لتقاليد مدارس المسرح التي تخلق لأننا في حاجة الي مسرح جديد، فمدرسة التكوين هي فضاء يستقبل رجال المستقبل للمهنة، فبعد عشرين عاما جل الوجوه الموجودة مثلا ستتقاعد، من سيخلفهم ؟ اذن الطلبة الذين يتكونون هم من ستكون لهم سلطة علي المستوي الفني، عندما تتوفر لهم هذه السلطة ماذا سيفعلون ؟ هذا ربما خطاب رومانسي بعيد عن الادارة أو أية مسؤولية رسمية، لكن طبيعة المهنة تحمل هذا البعد أيضا ويجب أن يكون حاضرا. في اطار الحديث عن الساحة المسرحية، وهذه المرة عن سياسة صندوق الدعم، التي انتهجتها وزارة الثقافة، ما تقييمك لهذا النهج خاصة وأنك شاركت كعضو في احدي لجانها ؟ هناك كلام كثير، وانتقادات عديدة، ومن الصعب الحديث عن هذه التجربة بعجالة ..وهي في مبدئها العام وفي تصورها إيجابية، أي أن الدولة ستتحمل مسؤوليتها وتساعد مجموعة من المشاريع في أن تنجز، وأن تجد طريقها الي الجمهور ..هذا هو المبدأ العام لفلسفة دعم المشاريع التي تقدم، بحيث تتم دراستها داخل لجنة معينة، فيها تمثيلية النقابة وتمثيلية الوزارة ..و لكن كيف تتم هذه المسألة بشكل مادي فهي تخلق مشاكل، وأنا كنت شاركت داخل اللجنة أكثر من سنتين واقترح علي تمديد العضوية في لجنة ثانية، أعتقد ان المسؤولية مشتركة ..فاذا ما كانت هناك سلبيات، فلا بد من ان تكون هناك معايير لتقييم النصوص المقدمة وكذا التجربة والتصور العام لها، وكذلك توفر الموضوعية، والجدية للتعامل في هذا الاطار، من حيث احترام الكلفة المالية للمشاريع واحترام الالتزامات، واشتغال أكبر علي القيمة الفنية للمنتوج، أظن ما زال هناك مجهود من أجل أن تعطي هذه التجربة أكلها ..ولأجل الانصاف نقول انه داخل اللجنة يتم نقاش النصوص، التصور الفني، والكلفة المالية ..لكن في بعض الأحيان يدعم مشروع يمكن ان يكون ناجحا علي الورق، لكن عندما ينجز علي الخشبة تكون المفاجأة سلبية، واللجنة المرتاحة أكثر هي التي تحضر لمشاهدة العروض المرشحة لدعم الترويج، داخل هذه اللجنة كنت مرتاحا أكثر بخلاف لجنة دعم المشاريع. وهذه المسألة واضحة حتي علي مستوي النقابة، يبقي أنه يجب تسهيل الدفعات للفرق ،و لا بد من متابعة فيها نوع من الصرامة حتي نعطي نموذجا ومثالا، دون تنازلات او مجاملات أو أي زبونية، فالفن لا مكان فيه لادخال هذا المنطق ..لأنه لا بد ان نعي جميعا ان تجربة الدعم اذا نجحت ستنجح للجميع واذا فشلت ستفشل للجميع، والجميع مسؤول عن انجاحها، وما اتمناه أكثر شخصيا هو توفير دعم اكبر للفرق الجهوية .. خاصة أن الفرق الجهوية تنتقد بأنها غير متواجدة بالشكل الذي يجب .. اذا كان يجب عليها أن تتواجد، فيجب علينا نحن أن ندعمها بشكل كبير ..ثم فلنحاسبها، نعطيها دفتر تحملات، ويتم تخطيط برنامج واضح بكلفة واضحة، أي خلق شروط العمل الايجابية وبعد فلتكن المحاسبة ..والفرق الجهوية لم تخلق لها شروط الاشتغال وظروف الاستمرارية ..وهذه الفرق تهمني علي المستوي الشخصي كمسؤول في المؤسسة حيث يمكن اعتبارها امتدادا لمؤسسة المعهد ..فلها ان تظهر قيمة التكوين، وهذه مسألة ذاتية أو انانية، ان أردت، وعلي هذه الفرق غرس جذورها في المنطقة أو الجهة المنتمية اليها وفي نفس الوقت أن تحافظ علي علاقات خارجية والعمل علي التنوع داخل الفرق (مسرح الطفل، مسرح بنصوص مغربية، عالمية، تجارب مرتبطة بتداخل الأجناس، المسرح والرقص، الموسيقي والغناء)، يجب البحث في هذه الاختلافات، وعلي الدولة ان تتبني المشروع وأن تنزل بثقلها المادي والمعنوي ..لأن هذا رهان يجب انجاحه حتي لا نحبط فيه جميعا .. علي ذكر الاحباط، صرح عبد الكريم برشيد مؤخرا بمناسبة اليوم الوطني للمسرح أننا نعيش أسوأ وضع عرفه المسرح المغربي ..هل فعلا يمكننا القول انه ليست هناك سياسة مسرحية بل هو تدبير للأزمة ؟ هذا سؤال نوعا ما صعب وملغوم (يضحك)، بالخصوص عندما تذكر الأسماء، علي أي حال، الأستاذ برشيد صديق وأكن احتراما وتقديرا لعمله وللتراكم علي مستوي الانتاج المسرحي، أعتقد أن له رأيا، وهذا رأي مبني علي مجموعة من المعطيات، فيها ما هو موضوعي وما هو ذاتي، فبالفعل هناك مشاكل داخل المهنة، الا أن التعامل مع هذه المشاكل يجب أن ينبني علي مرجعيات جماعية، وأن يجد الجميع الامكانيات للتعبير عن همومه داخل المهنة، أظن أنه من المحبذ أن نتجاوز ذلك التصور الرومانسي للماضي، أن لا نؤله الماضي ونجعله أسطورة .. وأن دائما ما فات هو الأجمل وكان فيه..وفيه.. هذه الرؤية لن تساعدنا بأن ننظر أبعد، فلنحاول بشكل جدي ومسؤول أن نرصد المشاكل وبموضوعية، وبنوع من الحدة والصرامة مع الذات ..و أن نشخص الأسباب لأجل ايجاد حلول عملية، وعلينا كما يقال ..أن لا نرجم المصابيح المضيئة، علينا أن ننسلخ عن الذات ..و الازمة، علينا أن نتعاون علي تجاوزها، وعن أي أزمة نتحدث ؟ هل هي أزمة نصوص أو أزمة اخراج أو تشخيص أو أزمة تدبير الشأن المسرحي أو الامكانيات المادية، أزمة تركيز المهنة في مدن معينة دون غيرها، أزمة اخلاقيات المهنيين، أزمة عدم تحمل الدولة لمسؤوليتها، أظن لا بد من أن نتحلي بالمسؤولية وأن نأخذ الظاهرة في تعقيداتها. بالنسبة الي اذا ما كانت أزمة، فلتكن الأزمة، ولتتوجه طاقاتنا وجهودنا الي التفكير في كيفية تجاوز الأزمة، وعندي ايمان أن كل من يمارس المسرح كاختيار ومهنة، لن تبعده الأزمة عن الاصرار علي ممارسة هذه المهنة، واذا ما كنا نريد ان نلقن الاجيال القادمة شيئا فلنقدم لهم فكرة واضحة عن خصوصية المهنة والمشاكل التي تعيشها، وفي نفس الوقت نذكرهم بوظيفة هذه المهنة، وهذا هو واجبنا نحوهم .. خاصة أننا نحتاج الي نماذج علي مستوي رجالات المسرح وعلي مستوي الاشتغال المسرحي أيضا، وعندما يشاهد الشباب المسرحي هذه النماذج سنحفزه علي الابداع والبحث عن نصوص فاذا ما تحدثنا عن أوروبا ـ رغم أنه يؤاخذ علينا أننا نعطي الأمثلة بأوروبا ـ علي أي، كل له مرجعيته، فالشاب في ايطاليا أو فرنسا أو اسبانيا، عندما يذهب لمشاهدة مخرج مثل شتريلر أو أريان منوشكين تتولد لديه رغبة في تشغيل المخيلة وتمنحه الوعي بكيفية الاشتغال والبحث عن نصوص واكتشاف أساليب اشتغال . بالنسبة لنا في المغرب كانت لدينا نماذج في فترة معينة، والآن أيضا، لكن بشكل أقل، أتمني أن تتوفر بشكل اكبر، حتي لا نهدر الطاقة في الانتقاد، ولتستثمر في الابداع والانتاج والتنافس، دون تغليب الذات ومفهوم الشهرة .. حتي نبحث عن الاضافات الفنية والفكرية الممكنة. أخبرتني أنك هنا في فرنسا من أجل البحث عن شراكات مع مؤسسات مسرحية كالمعهد الوطني الفرنسي بباريس وTNS المسرح الوطني بستراسبورغ، هل كانت زيارتك مثمرة ؟ وبالمناسبة، ما هي المشاريع المستقبلية للمعهد ؟ بالنسبة لحضوري لفرنسا، هو جزء صغير من العلاقات التي يمكن خلقها، فقناعتي أنه علينا خلق علاقات في محيطنا، وهذه المسألة ليست استراتيجيا فحسب، بل هي ايمان بضرورة وجود حلفاء، حتي نوسع دائرة الوعي بالظروف، وفي نفس الوقت هناك تقليد داخل المؤسسة متمثل في الانفتاح علي تجارب عالمية، والتي تدعم التكوين، وأنا مقتنع بجدوي هذا الدعم، ففي هذا الباب جاء السفر الي فرنسا لأجل الالتقاء بمسؤولين في مجال التكوين العالي للمسرح.سواء في باريس من خلال المعهد الوطني أو استراسبورغ، او من خلال مسارح أيضا كمسرح ليزامانديي هناك تشاور وتفكير في صيغ التعاون التي يجب أن تكون مبنية علي التوازن واحترام اختيارات المؤسسة، أي كيف ننفتح دون أن ننسلخ عن خصوصيتنا .. أما المشاريع المستقبلية للمعهد فهي لحد الساعة في اطار تصور، وكمشروع أول ودائم هو اعادة الترتيب والتنظيم علي مستوي التكوين داخل المؤسسة، فالهم التربوي هو الأساس، وأن يكون هناك تطور في مصاحبة الطالب علي مستوي التكوين ،و أن يكون تنسيق بين الشعبتين وما بين المواد، وأن تكون السنة الرابعة بالفعل سنة ما قبل احترافية من خـــلال ورشات مضــامينها واضحة، وأن نمزج ما بين البعد التربوي المتسلـــسل، أو المتدرج Pedagogie de proceus من خلال برنامج محدد، و بداغوجية الحدث Pedagogie d’‚v‚nement والتي يؤطرها فنان أو أستاذ، لخلق حدث من خلال اقتسام تجربة، عن طريق الدمج ما بين التكوين والحدث، كما نتمني السنة المقبلة أن نخرج بدليل تربوي يحتوي علي مضامين الدروس وتصور عام للتكوين .. حتي يكون للطالب أيضا تصور واضح، علي ضوئه تلقن المواد داخل المؤسسة ..وهناك مشروع أيضا خاص بخلق فضاء للتجريب المسرحي، علي أساس كل سنة يتم اختيار موضوع معين ويتم الاشتغال عليه داخل ورشات كبري وصغري، وتقدم نتائج هذه الورشات في أيام مفتوحة . كما أن هناك مشروع اصدار مجلة اكاديمية تختص في البحث المسرحي ..و كما نريد ايضا خلق شراكة مع الاذاعة في اطار المسرح الاذاعي، هناك اتصال مع التلفزة المغربية أيضا، هناك مشروع الاشتغال علي التراث الثقافي الغير المادي مع مؤسسة L’ONA، من خلال محاولة رصد وتوثيق الثقافة الشفاهية والحكايات الشعبية والرقص والغناء … الخ . نريد الاشتغال أيضا مع النقابة من خلال تنظيم ندوات ولقاءات مرتبطة بالمهنة، هناك فكرة خلق التكوين المستمر، أي بيع التكوين، من خلال تداريب باشراف اساتذة من المعهد، هناك مشاريع عديدة لاعطاء أمل وخلق جسور مع الساحة المسرحية. سؤال أخير، ربما كليشي ،هل من سؤال كنت تنتظر ان اسألك اياه ؟ هي أسئلة عديدة، أسئلة تخاطب الذات والأنا أكثر، السؤال الذي يمكن أن نجد فيه ذواتنا، هو السؤال/ الخيط الذي يربط هذه الأسئلة التي طرحتها، والتي كانت دقيقة وتحمل هم المؤسسة والتكوين والمهنة داخل المغرب، هو كيف لنا أن نأخذ المهنة بالجدية الضرورية ؟ وتحضرني هنا مقولة لكروتوفسكي والتي يقول فيها: أننا في حياتنا اليومية نضحك كثيرا فعلي الأقل في المسرح فلنكن جديين ، فهذا السؤال يجب أن يبقي حاضرا، لأن المسرح مسؤولية ومسؤولية كبيرة .. والجمهور سيعطيك مكانتك الخاصة بك، عندما تعطيه المكانة الخاصة به، وأظن أن هذا هو الرهان الأزلي. أشكرك علي وقتك وصراحتك وسعة صدرك.(*) مسرحي مغربي مقيم بباريسمشرف القسم المسرحي لمجلة الفوانيس التقاه : عبد الجبار خمران 0