بدأ علي الزعتري، الأردني الجنسية، عمله في ميدان التنمية والشؤون الإنسانية عام 1980 مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. وقضى معظم سنوات خدمته في المنطقة العربية وخاصة في مناطق النزاع أو مرحلة إعادة البناء بعد نهاية النزاعات مثل الكويت والعراق والسودان وليبيا. عمل مديرا إداريا لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في سوريا بين عامي 2004 و2007. وعينه الأمين العام منسقا إنسانيا لسوريا منذ 13 تشرين الأول/اكتوبر 2016 خلفا ليعقوب الحلو وهو في هذا المنصب لغاية الآن.
يحمل الزعتري دبلوما عاليا في الاقتصاد البيئي من جامعة هارفرد، وماجستيرا في العلوم الإنسانية من جامعة سيراكيوز في نيويورك وبكالوريوس الآداب من كلية غربي ميرالاند.
«القدس العربي» التقته في مقر الأمم المتحدة، حيث قدم تقريرا للأمين العام حول الأوضاع الإنسانية في سوريا، وهنا نص الحوار:
■ هل لك أن تقارن بين عملك في سوريا بين 2004 و 2007 والمرحلة الحالية؟
■ عندما وصلت سوريا عام 2004 كانت البلاد كالطائرة الجميلة التي بها دفع محركات هائل وعلى وشك الإقلاع الآمن. في هذه المرة تصاب بالألم والمشاهد تنغص عليك عيشتك لما حدث في البلاد. لكن نظرتي لسوريا والسوريين تظل إيجابية ومتفائلة، لأن الشعب السوري بالإضافة إلى قدرته على الصبر، لديه ملكة الإبداع والتميز. من الألم سينبت تفاؤل ومن الجراح ستنبت العزيمة للبناء وإعادة البناء. لكن سوريا في حاجة إلى أن تسودها نظرية التسامح. لن ينسى أحد ماذا حدث فيها، لكن بالعمل الدؤوب لتخطي الآلام والجراح يمكن أن تصبح صفحات المعاناة ذكريات. التجربة التي عاشها الشعب السوري مقارنة مع ويلات وآلام الشعوب تقارن وللأسف بويلات الحرب العالمية الثانية.
ستة ملايين نازح داخليا وأكثر من خمسة ملايين لاجئ ونحو 12 مليون سوري بحاجة إلى مساعدات إنسانية
■ إلى هذا الحد؟
■ نعم. أنت تتكلم عن ستة ملايين من النازحين داخليا وأكثر من خمسة ملايين لاجئ ونحو 12 مليونا في حاجة إلى مساعدات إنسانية. بلد عظيم تولد فيه نعرات اثنية ودينية ودخلته قوى عسكرية وجماعات مسلحة على الأرض وفي السماء. نسيج اجتماعي ضرب في الصميم. لا تجد بيتا أو عائلة دون أن يكون لحق بها الأذى، إما قتل منها أشخاص أو هاجروا أو أصيب بعضهم بالإعاقة أو المرض. وضع مأساوي بكل معنى الكلمة.
■ هل نحن نشهد الفصل الأخير من المأساة السورية كما يقال؟ وهل توافق هذا الرأي؟
■ نسمع هذا الكلام كثيرا. لكن الشيطان في التفاصيل. ما زالت قضية إدلب غير محسومة وغير واضحة المعالم. وما زالت المنطقة الشرقية المجزأة بين سيطرة تركية وأمريكية غير واضحة المعالم. وما زالت المنطقة الشمالية الشرقية حيث سيطرة كردية وتواجد للحكومة السورية غير واضحة المعالم. وكذلك منطقة تنف في الجنوب تحت سيطرة التحالف ومخيم الركبان فيه على الأقل ست مجموعات مسلحة، جيش العشائر ومغاوير الثورة وما بينهما من مجموعات. أن نقول المشهد الأخير، يعتمد ذلك على طول هذا المشهد، وعلى حجم المعاناة في المشهد الأخير وإلى أين يقود.
■ كيف تصف المشهد في سوريا خاصة بعد زيارات لمعظم محافظاتها؟
النسيج الاجتماعي السوري ضرب في الصميم
■ زيارات المحافظات عادة تقع ضمن قضايا حل المشاكل الإنسانية العاجلة أو الاطلاع على ما يمكن أن يكون مشكلة. لذلك لم أزر المناطق التي تتمتع بشيء من الهدوء والاستقرار. دخلت الغوطة الشرقية ثلاث مرات من بينها مرتان كانت فيهما الأوضاع صعبة للغاية. ودخلت الجنوب بعد عودته للحكومة، ودخلت الميادين ونصيب وحلب ثلاث مرات منهما مرتان أثناء الهجوم. وزرت القامشلي والحسكة والمخيمات. لكن الزخم الأكبر في دمشق وضواحيها من ناحية سياسية واستراتيجية. الوضع يعود الآن إلى الهدوء حيث اختفى القتال. أي أن هناك منطقة خالية من أي عمليات عسكرية ثقيلة من الحدود الأردنية إلى حلب. وفي الجنوب فقط منطقة السويداء التي تشهد قتالا بين الجيش السوري وتنظيم “داعش”. على العموم الناس الآن تتنفس براحة أكبر. وترى على الوجوه مظاهر الراحة وإن كانت المشاعر ما زالت متضاربة بسبب التخوفات من المستقبل ولأن الأمور لم تستقر بعد وهذا أمر طبيعي.
■ هناك حديث عن عودة اللاجئين من الأردن ولبنان وربما من تركيا. هل الوضع ملائم للعودة؟
■ الأمم المتحدة لا تشجع اللاجئ على أن يعود ولكن لا تمنعه من العودة. نحن نعتقد أن الظروف ما زالت غير مواتية لعودة الملايين من الناحية الاقتصادية والمعيشية. وهذا قرار يأخذه اللاجئ، فهو يعرف ما يجري حتى في حارته وبلده بسبب وسائل الاتصال الحديثة. فمنهم من يعرف أنه يستطيع أن يتكفل بشؤون معيشته لو عاد إلى بلده فيأخذ مثل هذا القرار ويعود. لكن نحن لم نسجل عودة كبيرة من الأردن أو تركيا ولكن هناك عودة من لبنان. سجّلنا عودة بحدود المليون من المشردين داخليا. فالنازح داخليا إذا استقرت الأمور في منطقته يعود إليها. وهذ قرار شخصي. أما العودة الجماعية لأعداد كبيرة فهذا يتطلب اتفاقا بين الحكومة السورية والمفوضية العليا لشؤون اللاجئين وهو موضوع قيد النقاش.
■ لكن اتصالاتك بالحكومة متواصلة حول الكثير من المسائل؟
الأمم المتحدة لا تشجع اللاجئ أن يعود ولكن لا تمنعه
■ نعم أنا وزملائي على تواصل مستمر. لقد تحسن الوضع كثيرا، فعندما وصلت كانت هناك أجواء من عدم الثقة وظروف قاسية خاصة علي شخصيا لأنني أعرف سوريا وأذكر كم كان التعاون سلسا ومثمرا. في المرة الثانية وجدت الأجواء قد تغيرت كثيرا. الآن الأمور أفضل، نتحاور ونقيم الاحتياجات أكثر. أحيانا لدينا أرقام تختلف عن أرقام الحكومة، ولكن في الأخير اتفقنا على اتاحة الوصول بشكل أسلس والقيام بالواجب. نحن نصل إلى نحو 50 في المئة من المناطق التي نريد أن نصلها. البقية إما لا نعطى إذنا بالوصول إليها أو نؤجل أو لا يكون هناك جواب. نطمح إلى أن نصل إلى نسبة 70 أو 80 في المئة قريبا، وهذا مهم بالنسبة للدول المانحة التي تنتظر تقييما دقيقا للاحتياجات.
■ على ذكر الدول المانحة، هل لك أن تعطينا تقييما لوضع الاستجابة الدولية للاحتياجات الإنسانية في سوريا؟ هل هناك تقصير؟
■ لا أعتقد أن هناك تقصيرا، لكن العملية النسبية للعهود والسداد متسقة مع التيار العام في المشهد الإنساني. طلبنا 3.4 مليار دولار وصل منها 1.5 دولار أي أقل قليلا من 45 في المئة وهذا هو الوضع الطبيعي في وفاء الدول المانحة بعهودها. أحيانا المشكلة تُسيـّس. فبعض المناطق عادت لسيطرة الحكومة. الدول المانحة لا تريد أن ترى المساعدات التي تجمعها من دافعي الضرائب في بلدانها تذهب للحكومة أو لمناطق مسؤولة عنها الحكومة. هدفنا أن نصل إلى المحتاجين. ونعمل على تثبيت المصداقية عند الدول المانحة. للأسف هناك تسييس للمسألة الإنسانية في سوريا، ونأمل أن تكون الأمور أوضح عام 2019.
■ نفترض أن الأمور هدأت في سوريا وعادت نسبة من اللاجئين. هل نتوقع أن تبدأ مرحلة إعادة الإعمار؟ كيف ستسير العملية وكم ستستغرق آخذين بعين الاعتبار حجم الدمار؟
الدول المانحة لا تريد أن ترى المساعدات تذهب للحكومة أو لمناطق مسؤولة عنها الحكومة
■ ليست هناك أرقام رسمية لكن التقديرات تتحدث عن مبلغ هائل يصل إلى ترليون دولار. أنت تتكلم عن بعض المدن التي تحتاج إعادة بناء في أجزاء منها مثل الغوطة الشرقية، وجنوب دمشق، ومخيم اليرموك، وأجزاء من حمص وحلب ودرعا وغيرها. الأمم المتحدة الآن ليست في وضع يسمح بالحديث عن إعادة الإعمار لأننا غير قادرين لا ماديا ولا مهنيا. لسنا في وضع يسمح لنا بالدخول في هذا الميدان الشائك. نحن معنيون بإعادة تأهيل الإنسان وتلبية الاحتياجات الإنسانية. إعادة الإعمار هذا شأن الدولة وتعتمد على علاقاتها مع نفسها أولا ومع المستثمرين والدول والقطاع الخاص، وسوريا لديها خطة للإعمار وهي الآن تسعى لتحقيق أهداف التنمية المستدامة 2030 ولدى الدولة تصور لما بعد الحرب لكنهم لم يعرضوه علينا كأمم متحدة. تركيزنا للسنتين القادمتين على القضايا الإنسانية وبعد ذلك على عملية الإنعاش وحسب الاحتياجات، وهذا يتطلب إقناع المانحين أن يستمروا في دعم البرامج الإنسانية والإنعاش لأنهم لا يقبلون دعم برامج إعادة الإعمار. الآن ما زلنا في مرحلة مساعدة المحتاجين، والمرحلة المقبلة مساعدة السوريين في الوقوف على أرجلهم كي يساعدوا أنفسهم، والسوريون قادرون على ذلك فهم شعب نشيط ومجتهد ومبدع ولا يحتاجنا أصلا في عملية إعادة الإعمار.
■ ماذا عن الوجود الفلسطيني في سوريا، فاليرموك لم يكن مخيما بل مدينة عامرة بالفلسطينيين والسوريين؟ هل الوجود الفلسطيني الذي هو جزء من المشهد السوري ضرب وإلى الأبد؟
■ ما نعرفه أن هناك نحو 150000 فلسطيني هاجروا من سوريا وبقي نحو 420000 موزعين في مناطق متفرقة. تم ضرب بعض المناطق التي كان يعيش فيها الفلسطينيون فانتشروا في أنحاء سوريا وبعضهم هاجروا. وللعلم فإن خدمات وكالة إغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا” من عيادات ومراكز تأهيل ومدارس ما زالت تقدم خدماتها لكتل اللاجئين بصعوبة بسبب المعاناة المالية للمؤسسة. المخيم الفلسطيني استهدف ضمن الاستهداف العام ليس لكونه مخيما. فحجم الدمار العام كان بسبب الاشتباكات في المخيم أو بسبب وجود جماعات مسلحة داخله والنتيجة دمار هائل كما حصل في مخيم اليرموك، حيث دمر نحو 80-90 في المئة منه. اليرموك دمر كمركز تجاري ونشاط فلسطيني وكذلك مخيم النيرب وغيرهما. لكن العلاقة الحميمية بين اللاجئ الفلسطيني وسوريا لا يمكن أن تنفصم. الضرر المتوقع للاجئين الفلسطينيين بسبب قدرات الأونروا الضعيفة بعد أزمتها المالية المعروفة وكذلك قلة مقدرات الدولة حاليا. فالصعوبة التي يواجهها الفلسطيني في سوريا تشبه إلى حد كبير الصعوبة التي يتعرض لها السوري.
اليرموك دمر كمركز تجاري ونشاط فلسطيني وكذلك مخيم النيرب
■ ما هو وضع الجيل الذي شردته الحرب وترك ملايين الطلاب المدارس؟
■ هذه مصيبة أخرى ولها تبعات كبيرة. وقد عملت الحكومة على استيعاب الألوف من التلاميذ خارج المدارس فعملت بنظام دمج سنتين دراسيتين في سنة واحدة واستحدثوا امتحانات خاصة للبكالوريا. لكن مشكلة الآلاف خارج المدارس أنهم ينخرطون في مهن لا تليق بهم وأحيانا يتم استدراجهم للانضمام إلى الجماعات المسلحة. وهذه مشكلة صعبة وعلاجها لا يتم إلا بعودة الاستقرار لسوريا رغم أن أعدادا منهم سيفقدون مهارات الاندماج والتفوق إلى الأبد.
■ ما مدى مصداقية استغلال المرأة وخاصة في الجنوب كما ذكر أحد تقارير الأمم المتحدة؟
■ الأمم المتحدة ليس لها دخل فيما روي حول استغلال المرأة لتلقي المساعدات الإنسانية. كان التوزيع يتم عن طريق منظمات غير حكومية. قيل إن حوادث استغلال جنسي حدثت والموضوع قيد التحقيق بطلب من الأمين العام. لكن المرأة السورية أثبتت قدرتها الهائلة في النهوض بمسؤولية العائلة بعد أن تسيدت العائلة نتيجة غياب الرجل الذي هاجر أو قتل أو تشرد أو فقد، فأصبحت المرأة هي المسؤولة والمنتجة. فرغم ما لحق بها من معاناة إلا أنها تحملت المسؤولية ونهضت بالعبء الثقيل ونجحت. المشكلة أن هناك استغلالا للمرأة في مناطق تسيطر عليها المجموعات المسلحة ذات التفكير الراديكالي، حيث تخضع لممارسة دونية متخلفة ويتم استغلالها تحت يافطة دينية وهناك آلاف النساء أنجبن أطفالا بسبب تلك الممارسات وستترك هذه الظاهرة أثرها على المجتمع في القادم من الأيام. لكن بشكل عام المرأة السورية موجودة بطاقة عالية في المجتمع والعمل.