أطلق متحلف اللوفر في باريس مشروعا عالميا سماه شاعر اللوفر، الذي لمْ يسبق له أن أطلق مثيله من قبل، أن يختارَ شعراءَ مختلفين من لغات مختلفة. مثلتْ قصيدةُ الشاعر علي العطّار اللغةَ العربية، ووقع اختيارُهم على العطّارَ (الكوفة – 1996) باقتراح من الشاعر أدونيس على لجنة متحف اللوفر لاختياره واحدا من بين مختلف الشعراء في مختلف اللغات.
وأعلن اللوفر عن نشرِ عملينِ – كتابين- خص في الأولى كتابا جديدا لأدونيس يُنشر مزدوجا باللغتين العربية والفرنسية «اللوفر فضاء للأبجدية الآتية» بينما عنى في الكتاب الثاني نشر قصائد شعرية كُتِبت حديثا، بمختلف اللغات، لمختلف الشعراء المشاركين، ضمن المشروع الذي أعلنه المتحف. وقد صدر الكتاب الثاني بنسخته الفرنسية في 7 مارس/آذار عام 2024 بالتعاون مع دار سيغر Seghers الباريسية، وسيصدر في العام ذاته من شهر نوفمبر/تشرين الثاني الكتاب بنسخته الإنكليزية. كما أن القصائدَ ستقرأُ مسجلة بأصواتِ أصحابها، في إحدى قاعات المتحف، وخُصِصت قاعة العصور الوسطى لتنطلق منها أصواتُ الشعراءِ المشاركين فيها، من أماكن وجودهم، وهم يقرأون قصائدهم بلغاتهم الأم.
وجاءتْ قصيدةُ صاحبِ «الماكنة» تحت عنوان «رحلة الإله السومري إلى متحف اللوفر» وهي رحلةٌ متخيّلةٌ لإلهٍ سومريٍّ إلى متحف اللوفر، وقد قُسِم النصُّ إلى ثلاثة ألواح، جاء على غرار الملاحم الشعريّة القديمة في بنيتهِ النصيّة، ومقاربتهِ الفنية، فهو يقتربُ من ملحمة ككامش، من حيث تقسيمه ألواحا، ومن حيث الأسطّرة، والاشتغال اللغوي، والسرد الحكائي. اعتمد الشاعر في اللوحين الأول والثاني لازمة لنصه «أنا الذي» ليقترب من الملحة الشعرية، وليكون قد اقترب من النصّ القديم. ساقَ الشاعرُ في قصيدته إيقاعات متنوعة، خدمة للقول والفعل الشعري الدرامّي الذي اشتغل عليه، لمْ يخلُ النص من مونولوج درامي رقيق، عالِ الاشتغال مكتوبا بعناية فائقة، ولغة تكاد تُسابق الإيقاعَ ليكونَ وقعُها على نفس المتلقي أكبر من وقع الإيقاع. في رحلة علي العطار، تتداخل الأزمنة والأمكنة، منذ آلهة سومر وحتى إله الشعر الفرنسي الحديث بودلير. يبدو الشاعرُ قد تخيّلَ نفسَه آتٍ من عصورٍ غابرةٍ إلى عصرنا ليكتب عن زمانه السومريّ.
يحدثُ ذلك عندما يتماهى الشاعرُ مع نصِّه، ويصبح جزء منه، وقد صار الشاعر ما سعى إليه، جزء من ألواحه. كان العطّار في اللوح الأول -عبر ذاتيته الخالصة – إلهاً سومريّا «رأى كلّ شيء» في اللوفر، أبصر آلهة مثله تَسَمَّروا في متحفٍ لا يتحدثُ -الإله- لغتَهم، لا يشتركُ معهم بصفاتٍ خاصة، ويشتركُ معهم في الملمح الإنساني، جاءوا بملامحهم السومريّة ليصطفوا إلى ملامح لا تشبههم، إلى ملامح بودلير، كان المشترك الوحيد بينهم، هو البعد الإنساني، والحكمة كانتْ عاملا مشتركا بينهم أيضا، فالشاعر الذي فرّغ ذاته من ذوات الآخرين المشتركة مع ذاته بفعل البيئة والاختلاط، بل بفعل الحياة والواقع، سمحَ لها أن تتماهى وتتوحد مع ذواتٍ مشرقية، بل سومريةٍ قد خلت من قبله، أي أنه منحَ الذاتَ الحاضرة للذات الأُخرى الماضية قبل آلاف السنين ليصير جزءا منها، ويصبح صاحب القصيدة جزءا منهم، بفعل الشعر وحده، يشترك الإنسان مع من لمْ يعرفهم، مع من لمْ يرَهم سوى في الكتب والمرويات والأثر المنقول أو المادي الآتي من ماضٍ بعيد.
ما تسعى إليه نفسُ الشاعرِ المتخيّلة ـ دائما- هي غير ما تسعى إليه نفسُ غيرِ الشاعر. بقدرة الشعر يصير الشاعر تراثا يمشي على قدمين حاضرا بيننا. في «رحلة الإله السومري إلى متحف اللوفر» كان الشاعرُ تراثا وأثرا ماضيا يمشي على قدمين، يدخل اللوفر، ليخاطب أثرا ماضيا صامتا جامدا ثابتا، يقف -أحيانا- على قدمين، لكنه لا يمشي مثله على قدمين.

علي العطار
أما في اللوح الثاني، يقف الشاعر الذي تألّه بفعل الشعر، على باب المتحف، يفعل كما يفعل مسافرٌ جاء من الشرق إلى الغرب مُتعبا، يمسحُ العرقَ عن جبينه، الذي صورّه غيما مقدسا، في مونولوج يدور بينه وبين نفسه مستخدما الأنا وسيلة للتعبير عن ذاته، متخيلا الماء أبا يحمله على كتفيه وهو طفله – أي طفل الماء- ثم يصفه بالكتاب.
يبدو أن نسقا ثقافيا تسرب بوضح للنص، إذ إن ماء الفرات ونهر الكوفة صيّر صاحبنا طفلا للماء، وهنا قد يبدو الشاعر متماهيا تماما مع ثقافته وبيئته، لكنه لمْ ينكفئ عليها وعلى نفسه، وقوميته ولغته، بل أنكرها معلنا انتماءه ثقافيا وحياتيا لعوام الشرق القديم وسومر، الذي يأبى أن يكون تراثا أثريا فحسب عند العراقيين، إذ أنه لمّحَ في إشارات ذكية لها دلالات حقيقية: وإنْ قرأ الشعر العربي القديم متخذا من الشاعر طرفة بن العبد رمزا، وإن كتب بلغة العرب، فهو لا يؤمن حتى بأشهر وسيلة نقل عربية قديمة -الجمال- إنه يأتي من رمال العرب سعيا إلى مياه بابل، هنا عودة للماء، فالقصيدة المائية حية دائما. ويبدو أن الشاعر الإله المتخيل، قد يُخيفه حماة الأديان أو من يدَّعون النيابة عن الإله أو الدين، وهنا يتبين نسقٌ آخر في النص، فما يحدث من ارتباكات في البلدان العربية، وكلّ يدعي النيابة عن الله، أو دينه يمنح الآخرين خطرا أبديا، فلاماسو كانتْ حماية لإله، لذا كان الإله المتخيّل قد رأى وجهَ لاماسو هو وجهه مما جعلَ الطبيعة تتصرف بوجهه الآدمي.
أما اللوح الثالث، فقد تعثر الإله السومريّ بجسد خارج من مسلة الضجر، يبدو الضجر لدى صاحب الماكنة، أن يكون المرء في أتمِّ الرفاهية، فقد استدرك مشبها ذلك الجسد بالمحشو بالريش، وعادة يأتي الريشُ في موارد ما وسياقات معينة إشارة للنعومة والرقة وطيب العيش، يتضح هنا أن الموصوفَ عاش في أرض تختلفُ عن أرض الإله الآتي من سومر، يبدو الجسد الخارج من مسلة الضّجر كان يعيش في باريس، فهناك يضجر المرءُ لضراوة جمال الأشياء والطبيعة والنساء من حوله. اعتمد الشاعر السرد القصصي في مورد الحديث عن الجسد الذي عثر به أو تعثر به، كما تنبغي الإشارة إلى استخدام لطيف اصطف الشاعر إليه حين استخدم الفعل عثر -عادة ما يكون عثر على الشيء – في مورده العامّي، أي جاء بالمفردة الفصحى عامّية، كما لاكتها ألسنُ العامة في العراق، إذ يقول العراقيون: عثرت به، بمعنى اصطدمت به أو تعثرت به.
وعودا على السرد القصصي، فقد حرر صاحبُ القصيدةِ قصيدتَه في لوحه الأخير من شعر الشعر إلى شعر القص أو القص الشعري، عندما وصفَ الجسدَ بأدق الوصف كما لو أنه قاص، إذ يقول: (شاحبٌ تُلونه سترتُه السوداء، متجولا كالمجذوم بين الممرات). لينبثق المونولوج مرة أخرى بين الشاعر والقارئ هذه المرة، إذ يخبرنا: إن الجسد لعلّه كان يريد تحرير الألوان المحنطة، ثم يبث فيها الشر، ما كان الشر إلا شرا، لكن بودلير وحده من جعل الشر شعرا واضعا في الأزهار الرقيقة شرا أيضا، هنا كان الشر هو الشعر وكان الجسد هو جسد بودلير محنطا بالضّجر، صافحه العطّارُ وقد رآه يحمل أزهارا، يبدو أن الأزهار التي في يدي بودلير هي قصائده، قفزت من متن الكتاب إلى كفه. كان بودلير يحاول الإصغاء لصوت الرمل في يد العطّار، من المحتمل أن العطّارَ قد قصد فضولَ الشاعر تجاه المعرفة، ربّما أرد أن يصغي بودلير لقصائد العرب ولو عبر شاعر عربي واحد، أو أن الإصغاء كان من أجل فهم المقابل لأجل غزوه ثقافيا كما فعلت قصيدة بودلير في الشعر العربي، أصغى إلى الصحراء بيد العطّار فدخلها – بودلير- عبر لوح القصيدة الأخير الذي جاء خاليا من الإيقاع الخارجي لينزوي لصاحبة بودلير وأعني قصيدة النثر.
كاتب عراقي