بالحفاظ علي قدرة الصمود لتطبيق أية تسوية سياسية لانهاء الازمة هناك
الحرب في العراق عادت لاثارة ذكريات من حرب فيتنام، التجربة السياسية الاكثر أهمية بالنسبة لجيل امريكي بأكمله. ما من شك أن التاريخ لا يكرر نفسه أبدا بنفس الصورة، ولكن هناك تشابه كبير بين الحربين: في فيتنام جاءت لحظة تحول فيها الجدل الداخلي في امريكا الي جدل مرير لدرجة أنه منع اجراء نقاش عقلاني منطقي حول البدائل والخيارات التي كانت متوفرة أمام القادة الامريكيين.
رؤساء من الحزبين اعتبروا بقاء جنوب فيتنام مصلحة قومية هامة بالنسبة لامريكا، وفي المقابل اصطفت حركة احتجاجية تبلورت من خلف الاعتقاد بأن الحرب تُعبر عن انعدام الاخلاق الذي يتوجب القضاء عليه وإزالته من خلال المواجهة المباشرة. هذا الطريق المسدود أسدل الستار علي الجهود الامريكية المبذولة علي الاراضي الفيتنامية، والان يتوجب منع تكرار ذلك في العراق.
القيام بذلك يحتاج الي تلخيص قصير للمأساة الفيتنامية واستعراض لأحداثها. اولا، يتوجب التخلص من خرافة تنازل ادارة نيكسون في عام 1972 عن شروط كانت متاحة في عام 1969 ـ أي إطالة الحرب من غير داعٍ. لم نعرف أبدا اذا كان الاتفاق الذي وقع رسميا في كانون الثاني (يناير) 1973 قادرا علي ابقاء جنوب فيتنام مستقلا ومنع المذبحة التي جرت بعد سقوط الهند الصينية. مع ذلك نحن نعرف بوضوح أن الخلاف الداخلي في الولايات المتحدة قد أحبط هذه النتيجة من اللحظة التي حظر فيها الكونغرس استخدام القوة العسكرية لتنفيذ الاتفاق وألغي المساعدة بعد مغادرة كل القوات العسكرية الامريكية (باستثناء بضع مئات من المستشارين) الجنوب الفيتنامي. فك الارتباط الامريكي تمخض عن اجتياح القوات الفيتنامية الشمالية لجنوب الدولة بصورة كثيفة خارقين الاتفاقات المعقودة بصورة فظة. هذا التجاوز الذي تجاهلته الدول التي تبنت الاتفاق في حينه.
حرب فيتنام تطرح مسألتين ذاتي صلة بما يحدث في العراق: هل كان الانسحاب أحادي الجانب خيارا متاحا عندما انتُخب ريتشارد نيكسون رئيسا؟ وهل استنفذ الوقت المطلوب لتطبيق خطة نيكسون قدرات الشعب الامريكي لتحمل الجهود المطلوبة لتحقيق النتيجة كائنة ما كانت ايجابياتها؟.
عندما دخل نيكسون الي منصبه كان في فيتنام أكثر من 500 ألف جندي وازداد عددهم بصورة تدريجية. الانسحاب أحادي الجانب لم يكن قابلا للتنفيذ. اعادة نشر نصف مليون جندي هي كابوس لوجستي حتي في الظروف السلمية، وفي فيتنام كان في ذلك الحين أكثر من 600 ألف جندي شيوعي مسلح. كما كان هناك أساس للافتراض بأن عددا كبيرا من جنود جنوب فيتنام سينضمون اليهم لكسب الشرعية لانفسهم في نظر الشيوعيين. في ظل هذا الوضع كانت القوات الامريكية ستتحول الي رهائن، وسكان فيتنام الي ضحايا.
لم يكن هناك أي بديل دبلوماسي. حكومة هانوي أصرت علي أن تصدر كل موافقة عنها لوقف اطلاق النار فقط بعد أن تقوم الولايات المتحدة بازاحة حكومة جنوب فيتنام وحل الشرطة والجيش هناك واستبدالهم بحكومة خاضعة للسيطرة الشيوعية؛ وأن تحدد جدولا زمنيا لسحب قواتها وأن تلتزم به من دون أي علاقة بالمفاوضات المستقبلية. نيكسون أجاد وصف الخيار الذي طرح عليه عندما رفض شروط 1969 هل سنغادر فيتنام هكذا طواعية ونقوم من خلال تحركاتنا ذاتها بتسليم البلاد، عن ادراك، للشيوعيين؟ أم سنغادر بطريقة تعطي جنوب فيتنام امكانية معقولة للبقاء كشعب حر؟.
الضغط من اجل الانسحاب أحادي الجانب من العراق الذي يمارس في هذه الايام علي ادارة بوش يطرح مشكلة مشابهة.
في فيتنام حدثت انطلاقة في عام 1972 عندما وجدت الادارة الامريكية ردا ملائما لهجمة الربيع التي شنها شمال فيتنام. عندما قامت الولايات المتحدة بزرع الألغام في موانيء شمال فيتنام وجدت هانوي نفسها معزولة لان بكين وموسكو وقفتا صامتتين ـ نتيجة لتغيير السياسة الامريكية تجاه الصين في 1971 ولقاء القمة مع السوفييت في 1972 . نتيجة لذلك تخلي ليدوك تو، رئيس طاقم المفاوضات الشمالي الفيتنامي، عن الشروط التي كانت قد طرحتها حكومته في عام 1969 . ليدوك تو وافق علي شروط نيكسون في عام 1972 . اتفاق السلام الموقع لاحقا في باريس تضمن بنودا حول وقف اطلاق النار من دون شروط واخلاء سبيل الأسري؛ واستمرار بقاء حكومة جنوب فيتنام ومواصلة المساعدات الاقتصادية والعسكرية الامريكية لها وايقاف تسلل قوات شمال فيتنام وانسحاب القوات الامريكية المتبقية، وأخيرا انسحاب قوات شمال فيتنام من لاوس وكمبوديا. لم يكن أي من هذه الشروط ذا صلة في عام 1969. ادارة نيكسون كانت علي قناعة بأنها قد نجحت في توفير فرصة عادلة لسكان جنوب فيتنام لتحديد مصيرهم بأنفسهم، وان هذه الحكومة ستتمكن مع الوقت من بناء مجتمع قوي. الخلافات الداخلية الامريكية كانت العامل المركزي في احباط هذه الآمال. قضية ووترغيت أضعفت ادارة نيكسون بصورة بالغة، والانتخابات البرلمانية في منتصف الفترة الرئاسية في عام 1974 نقلت السيطرة علي هذه الهيئة الي خصوم نيكسون اللدودين الذين أوقفوا الدعم لجنوب فيتنام بصورة منعت تطبيق الاتفاق كما كان مخططا. الجدل الداخلي الامريكي تغلب علي الاحتياجات الجيو ـ سياسية.
هناك عبرتان تظهران من هذا الوصف. أولا، ليس من الممكن تكريس خطة استراتيجية وتركيزها علي موعد نهائي محدد بصورة عشوائية. ثانيا، من المحظور أن تضع هذه الخطة قدرة الشعب الامريكي علي الصمود علي المحك حتي النقطة التي تفقد فيها الادارة القدرة علي الاستمرار وتحمل الجهود المطلوبة لتحقيق النتيجة.
الانسحاب السريع أحادي الجانب في العراق سيكون كارثيا. يتوجب استنفاد تسوية سياسية من خلال وجهات النظر التي تناقض بعضها البعض أو تتطابق مع بعضها البعض ـ سواء وجهة نظر الاحزاب العراقية المختلفة أو الدول المحاذية للعراق أو الدول الاخري ذات العلاقة بهذه القضية. من دون هذه التسوية سيفيض الطوفان العراقي علي الجانبين ويغرق كل الضالعين في الأمر.
الشرط المسبق والضروري هو قدرة الصمود علي المدي القريب. علي الرئيس بوش أن يتقدم قدر المستطاع نحو هذا الهدف، وهذا واجب الشخص الذي سيحل محله في البيت الابيض. من المحظور عليه أن ينقل المشكلة للرئيس الذي سيخلفه، وانما عليه تقليصها الي أحجام أكثر منطقية مما يوجد حاليا. ما نحتاجه الآن أكثر من أي شيء آخر هو اعادة بناء الشراكة الديمقراطية ـ الجمهورية في هذه الفترة الرئاسية وخلال الفترة الرئاسية القادمة.
هنري كيسنجروزير الخارجية الامريكية في عهد نيكسون(هآرتس) 20/9/2007