بيروت ـ من جورج جحا: المجموعة الشعرية التي اصدرها الشاعر العراقي علي جعفر العلاق اخيرا تحت عنوان سيد الوحشتين تطالعنا من عنوانها بوجه من الكآبة وتحمل الي الذاكرة رهين المحبسين ابا العلاء المعري احد كبار امراء الحزن النبيل ذي الابعاد الفلسفية العميقة. الا ان احزان المجموعة ليست دائما من النوع الباكي علي الانسان والوجود اطلاقا لكنها بكاء عليهما من خلال بكاء علي الوطن والارض والجماعة. ويجد القاريء هذا معلنا او كامنا حتي عندما يتناول الشاعر موضوعا علي قدر كبير من الخصوصية. انها احزان جماعية في مرحلة مصيرية رهيبة لا يمكن الحالات الفردية ان تخفيها. اسلوب كتابة العلاق علي تنوعه و حداثة بعض سماته يحمل خصائص كلاسيكية وغنائية ونبرة خطابية في غالبه حتي اننا وسط بعض ما يبدو لنا تعدد اوزان وقواف نستطيع القيام باعادة صفّ لتظهر سطوره المقسمة ابياتا كلاسيكة من حيث العروض. الا ان هذا الشعر مع جولاته في عالم التاريح والاسطورة يبقي حافلا بالحاضر وماسيه التي تنزل في وطن الشاعر واهله. اشتملت المجموعة علي 72 قصيدة توزعت علي 49 صفحة متوسطة القطع وصدرت عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر. القصيدة الاولي عنوانها المجنون وهو هنا مجنون بني عامر وليلاه. يسأل الشاعر قائلا من تري/ اوصلك اليوم الي هذا المتاه/ لا خفاف الابل الحمقاء قادتك الي ليلي/ ولا هبت علي معولك النائح/ اقمار المياه…/ كيف اوغلت.. حفرت البئر حتي/ بكت الابرة واشتد عليك الليل/ حتي اختلط الحابل بالنابل والموحش/ بالاهل/ حتي بلغت حيرتك الكبري/ مداها فلماذا/ يأسك الوارف لم يبلغ مداه. . قصيدة اوهام قصيرة معبرة تنتهي في قسمها الاخير ببلاغة هي بلاغة الفاجعة. يقول لك ان تتوهم../ ان السراب نبيذ/ وان التماعاته مسكرة/ لك ان تتوهم…/ لكن../ اهذا الذي انت فيه/ خراب وتيه../ ام هو الوهم يا سيدي. . في قصيدة سيد الوحشتين التي حملت المجموعة اسمها يقول لمصباحي المكفهر/ الصغير/ وحشة ولهذي القصيدة/ هذي الشوارع/ هذا الفراش الوثير/ وحشة/ فانا الان/ يا صاحبي/ سيد الوحشتين/ اتدفأ بالحلم حينا/ وبالوهم حينا/ وارجع../ شيخ من البرد/ بين عظامي وشيخ/ من الوهم ملء اليدين.
في نهار من دم الغزلان عودة الي موضوع اثير لدي شعراء النكبات الوطنية من فلسطين الي العراق وهو قصة يوسف الذي تخلي عنه اخوته والقوا به في بئر واتهموا الذئب بافتراسه. نقرأ ذلك فنري ان الشاعر يحلّ بلدا مكان يوسف هو بلده المعذب وان الماساة تبدو اشبه بشراكة بين اخوته والذئب وان الدم تحول الي ماء. وتتحول الطائرات الحربية عند الشاعر الي غربان تمزق يوسف. يقول عمقوا البئر/ ونادوا الذئب/ من اقصي النوايا المظلمة/ حاصروا كل دروب الريح/ لا يدخل/ الي مكمنه المائي نجم/ او الي عزلته المزدحمة/ حجر الضوء../ تعبنا/ لتكن اخر بئر هذه البئر…/ ليل البئر غربان من الفولاذ تنقضّ علي يوسف.. هل يوسف/ طفل البئر ام حيرتنا الكبري/ تعبنا من جمال شرس فيه/ تعبنا من اغانيه/ المدماة ومن ايامه المحتدمة…/ توجوا اشجاره بالرعب والحمي/ وغنوا.. دمنا ماء/ وغنوا.. بابل تغتصب الان/ غنوا.. اينا يفتك بالاخر../ ضوء يغتلي في البئر رشّوا/ مطر اليتم علي اطفاله الغافين نادوا/ وحشة الليل وغربان النهايات/ ونادوا/ ذئبنا الهائج في ارواحنا المضطرمة…/ ساطع يوسف/ كفاه من نهار من دم الغزلان.. يعلو/ … وهم الغافون في الظلمة/ لا حلم سوي ان يعلفوا/ بالتمر والحنّاء خيل/ الغزو/ ماذا تحمل الريح الي بابل.. / غربان تغني/ جثث تهذي/ وخيل مظلمة.
في طيور المنافي تطل بلاد الرافدين الحزينة ببلاغة لكن دون افصاح. يقول اهدئي/ كالحصي يا طيور/ المنافي/ لوّحي لبلاد الاسي بالدموع/ لنهرين من صبوات/ وجوع.
في حبر الوحشة كلاسيكية جذابة وان تنكرت ابياتها في اسطر مقطعة. يقول كنا مضيئين/ بل كنا نفيض اسي/ وغبطة وتغني حولنا الريح/ نعاسنا ممطر عشبا/ ويقظتنا غمامتان/ وايدينا المصابيح.. . في قصيدة لي بلاد احبها وهي تنأي يقول واصفا بلاده التي يحبها رغم غوصها في الدم حجبتها الحروب/ ادنو/ فتمضي مثلما الغيم/ كم غسلت حصاها بالشذا/ والدموع/ كم تركتني لذئاب التاريخ/ تفتض/ روحي/ قسوة كم احبها/ وجمال يتحدي الخراب/ …./ تمضي/ لتأتي/ ليس الا الذئاب تسطع/ في الليل.. دماء/ علي الحصي/ وغناء علي النعوش/ بلاد/ تنتمي للظلام/ ام تتعالي/ صوب شمس الهلاك/ شيئا فشيئا../ لي بلاد احبها وهي تنأي…/ بابل انت/ ما لنا عنك منأي.
في قصيدة مالك بن الريب انطلاق واضح من الماضي الي الحاضر. يقول ايهاالرمح الذي/ يعول مثل الذئب لم يبق نديم/ غير هذا الموت/ بين الرمل والذكري../ دماء الخيل/ قدامي واشلاء/ المغنين ورائي.
في قصيدة طائر يقبل من مذبحة يقول العلاق نهار مهشم/ اي شمس ذبلت/ في الحقول اي غروب/ صنعته الغربان/ والغرب/ مرت طائرات التتار/ مر رعاة/ همجيون اي دليل قديم/ لف اوروك../ لا المعابد سكري/ لا ملوك/ ولا متاحـف/ غاصت في المياه/ ماذن هل توارت/ شمس اوروك. . (رويترز)