علي جعفر العلاق في «هكذا قلت للريح»… قصائد ضد الغزاة

لا شك في أن الشعر العراقي الذي كتب ونشر، بعد الاحتلال الأنكلو أمريكي (2003) للعراق يمثل ظاهرة تستحق المتابعة والدراسة، لما يتجلى فيه من أبعاد جديدة للشعر المقاوم. ففي دواوين حميد سعيد وسامي مهدي والراحل عبد الرزاق عبد الواحد وعلي جعفر العلاق، وغيرهم من الشعراء الكثير من النماذج التي تجمع بين الملامح المائزة للشعر المقاوم، والملامح التي تؤكد أن هذا الشعر لا ينهض بدوره ما لم يحتفظ بشعريته التي تجعل منه شعرا لا خطبا موزونة مقفاة. وهذا هو هاجسُ العلاق في ديوان «هكذا قلتُ للريح» الذي يضم ثلاثين قصيدة ليست فيها واحدة مما ينطبق عليها التعريف القديم الفجّ للشعر وهو «قول موزون مقفى يدل على معنى».
فمن يتوقف عند قصيدته «افتراض» يجد الشاعر وقد اخترع شخصا عراقيا يخاطب آخر. وهذا الآخر يمثل على المستوى الرمزي المحتل الأمريكي، لا بضباطه وعساكره وطائراته وأسلحته فحسب، بل يمثله بفكره الدعائي، وإعلامه السياسي. فهو- أي المحتل الذي لا يصرح الشاعر بأي إشارة مباشرة له – لطالما أراد أن يضفي لونا من التشويق الزائف على المشهد العراقي، في سعي منه ليجعل العراقيين، الذين وجدوا أنفسهم يفتقدون حريتهم، ويعانون ويلات الاحتلال، وما جلبه من تفتت، ومن تناحر طائفي ومذهبي ، وما صاحب هذا التناحر من تخريبٍ وإرهاب، ومن قتل وتدمير، يؤمنون بأنه احتل بلادهم ليحقق لهم ما يصبون إليه من تحرر في ما يزعمُ ويدعي. فهو يخاطب الاحتلال على لسان هذا المتكلم، مؤكدا أن كل ما يقوم به من تنميق، وتزيين للمشهد، إنما هو جهد عبثي غايته خداع الآخرين. فالسحابة والهودج والقيثارة والنوارس والوردة ذات النكهة المفتعلة والحجارة.. كل ذلك وغيره.. مما يتخذه المحتلون من وسائل التشويه، لا يستطيع أن يخدع العراقيين، فيظنوا الاحتلال تحريرا، والاستعمار استقلالا، والقتل على الهوية سلاما:
هب أنك استطعت أنْ
تضفي على الوردة نكهة
العذاب أو
توحش الحجارة
لكن أتستطيع
أن تتناسى ذلك الدخان
يصعد من روحك منذ
اغتصبت بابل
حتى الآن

الغربان لا تأتي العراقيين بالأغاني، ولا بالقصائد، والأغاريد، وإنما تأتيهم بالنعيق والنعيب، فحسب، وهما علامتان من علامات الموت والخراب والفراق.

فالغزاة يحاولون الادعاء بأنهم جاءوا محررين، لا محتلين مغتصبين، وأنهم جلبوا للعراقيين ما كانوا في حاجة إليه من حرية، ومن ديمقراطية، وهذا كله، في رأي المتكلم، شيء يمكن للاحتلال أن يدعيه، ولكن هذا المحتل في نهاية الأمر لا يستطيع أن ينكر حقيقة ما جاء به من إرهاب وتدمير وخراب، ومن تشاحن طائفيٍّ ومذهبيٍّ، أدخل البلاد في حروب محلية عبثية لا تتوقف. وما ذكر العلاق هنا لاغتصاب بابل، بما يوحي به هذا الاسم من تاريخ، إلا من باب المجاز، الذي يستخدم فيه الجزء للدلالة على الكل. وفي قصيدة له أخرى بعنوان «دم الشجرة» يرسم العلاق صورة للعراق الكئيب بعد قدوم الأمريكيين، فقد فرت الطيور، وتوارت الأغاني عن الأسماع، وتحوَّل الغيم إلى نثار من قطن قديم تعصف به الريح، والفراشاتُ تشْحُب، والنسور تقتتل على بقايا الشجرة، وجلُّ ما في المشهد إنما هو صورٌ يسترسل فيها المتكلم معبرا عن كآبة المشهد العراقي:
عنكبوت على وتر العود
والنحل يهرم في وحشةٍ
ثم يظلم في دمه الضوء
ثمة نسران ينتحران
لدمائهما الممطرة
ليس في الكون إلا الغرابان
منطفئين، وإلا
دم الشجرة
فأيُّ مشهد مأساوي هذا الذي يرسمه الشاعر العلاق، وأي إحباط يشعر به العراقي، وقد خابت آماله الكبيرة، وأحلامه العِذاب تحولت إلى كوابيس، فلم يتبق له في هذه الحال إلا الانتظار:
أيامنا تتكسر
سوداء كالفحم
اسأله: أحوار البداية يا صاحبي
أم تراه الحوار الأخير؟
كان يرفع عكازه
صوب غيم يمر كسيرا
ويسألني:
أيهذا الطري الكسير
هل تعبت من المشي مثلي
أم خُلَّبا كان حلمك
بالماء، أيهذا الكسير
وفي قصيدة «الغراب» يخاطبُ المتكلم – وهو هنا قناع الشاعر، بلا ريب – الغازي المنتصر، سائلا كيف جئت، من أي ليل، وما الذي جئت به، وهل جئت بغير الضغينة، والحقد، والهزء بالفراشات؟ ويلجأ الشاعر بعد هذه التساؤلات لتصوير المحتل تصويرا لا يخلو من غرابة، صورة القنفذ المتدثر بالليل، المتعقِّب لحشرجة الميتين. ولعل هذه القصيدة، في بنائها المتدرج، صورة تلو الأخرى، من أكثر قصائده استخفافا بالاحتلال، وكشفا لحقيقته، ولما يدعيه من أنه جاء بالحرية وبالديمقراطية والمساواة للعراقيِّين، وبما يدعيه من حرص على حقوق الإنسان، فهو، في حقيقة الأمر، لم يأتِ بغير الظلام، والدخان، والخراب:
مقفرا، دونما حكمةٍ
آيلا للغياب
جئت من أين؟
كيف وصلت إلى الماء تحملُ
راياتِ هذا الخراب
الظلامُ يسير إلى منتهاه
فمن أي هاويةٍ جئتنا
أيهذا الخراب؟
بهذه اللهجة الشعرية الأنيقة يخاطب العلاق الغزاة، مؤكدا أنَّ جل ما يقال من باب الدعاية السياسية، ما هو إلا تزييف للحقائق، فالغربان لا تأتي العراقيين بالأغاني، ولا بالقصائد، والأغاريد، وإنما تأتيهم بالنعيق والنعيب، فحسب، وهما علامتان من علامات الموت والخراب والفراق. وبهذا يجمع العلاق بين اللغة الشعرية التي تعتمد الإيحاءات، والظلال المعبرة، والمقاومة، التي تواجه المحتل الأمريكي، وتعريه من قشورة، وتنزع عن وجْههِ البَشع جلَّ الأقنعة.

٭ ناقد وأكاديمي من الأردن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية