علي خطا جنغ خه الأميرال الصيني المسلم (1ـ 3)

حجم الخط
0

في رحلة من سور الصين إلي الجزيرة العربية علي خطي قائد الأرمادا الصينية في رحلاته السبع قبل 600 سنة غناء يومي للمتقاعدين… ومحلات تؤكد علي إسلاميتها وحلال طعامها.. وأكلات عربية قرب ساحة تيان ان مان

علي مصباح ـ بدأ الكاتب الروائي التونسي علي مصباح الفائز برحلة بحرية طويلة بدأت في مرحلتها الأولي من بكين حتي أندونيسيا، مروراً بالعديد من بلدان الهند الصينية، وسيتممها بالنزول من أندونيسيا حتي مضيق هرمز مروراً بسواحل إفريقيا. والرحلة التي استغرق الشوط الأول منها شهوراً، وسيستغرق الشوط الثاني منها بضعة شهور أخري هي بمثابة تعقب وتتبع لخطا ومراكب أميرال البحر الصيني المسلم جنغ خه الذي يحتفل العالم كله هذا العام مع الصين بمرور 600 سنة علي قيامه برحلاته السبع في العالم، وقيادته لأعظم أرمادا في التاريخ. وجنغ خه الذي وقع في الأسر صبياً خلال الحروب بين الأسر الصينية المالكة وجري إخصاؤه، سرعان ما تحول إلي واحد من كبار رجالات الدولة الصينية، قبل أن يتوج أميراً للبحر في الصين وسفيراً فوق العادة لملوكها، ومن ثم سيتحول إلي أسطورة تشبه أسطورة سور الصين في قوتها وتأثيرها في التاريخ الصيني إلي اليوم.

المحطة الأولي: بيجينغالوصول يوم 27 تشرين الأول (اكتوبر) ظهرا، قدوما من برلين عبر فرنكفورت والدوحة. 18 ساعة من الطيران منها 4 ساعات من التوقف في كل من فرنكفورت والدوحة. ابتداء من الدوحة بداية النكهة الشرقية، ازدحام، مقاعد قليلة للجلوس، المسافرون متهالكون علي الأرض والمدارج. الطوابير أمام الشبابيك في وضع من الفوضي والتداخل التي تجعل منها بالأحري ازدحاما فوضويا أكثر من طوابير. القاعة المخصصة للمدخنين عبارة عن عنبر سجن لا تتجاوز مساحته الـ10 متر مربع. عجاجة من الدخان تلف بفضاء الغرفة وتجعل الهواء خانقا. أكداس من أعقاب السجائر.. ـ زيارة ساحة تيان آن مان (أو ميدان السلام السماوي). جموع غفيرة من الزوار. صينيون قادمون من جميع أنحاء البلاد. شيء شبيه بطقس حج. مجموعات كثيرة من الزوار كل واحدة منها مصحوبة بدليل أو مرافق/مرافقة. لكل مجموعة لونها الخاص (قبعة موحدة اللون) كي لا تختلط المجموعات ويضيع أفراد كل مجموعة عن بعضهم. الدليل أو المرافقة يحمل في يده علما صغيرا بنفس لون قبعات المجموعة التي يرافقها. طابور طويل (حوالي 400 مترا) أمام ضريح ماوتسي تونغ. في الطرف المقابل من الساحة بوابة المدينة المحرمة، أو المدخل الرئيسي. صورة ماوتسي تونغ فوق البوابة تلوح للزائر من الطرف الآخر للساحة الفسيحة. ما يسمي بالمدينة المحرمة لم يعد فيها من شيء يمكن اعتباره محرما فقد تحولت أجنحة عديدة منها إلي سوق لبيع شتي أنواع المواد التذكارية بجميع أنواعها، من البطاقات البريدية إلي الكتب السياحية إلي قبعات ماو الخضراء وعليها النجمة الحمراء، فتحف من البللور والخزف وتي شيرت و…. القصر الامبراطوري ذو الأجنحة العديدة مدينة قائمة بذاتها، تبدو للناظر إليها من الربوة المقابلة مثل غابة من القرميد الأحمر. حول القصر يلف قنال مائي يجعل المدينة محاطة بنوع من الحاجز، مثل جزيرة منفصلة عما حولها.

ـ زيارة جدار الصين الشهير. جدار يمتد علي مسافة 6 آلاف كيلومترا، قد تم بناؤه أجزاء منفصلة وعلي مدي قرون عديدة من الزمن، ذلك أن الممالك الصينية غير الموحدة آنذاك كانت كل واحدة تبني لنفسها جدارها الواقي من الهجومات المتكررة لشعوب الشمال من مناطق منغوليا التي لم تعرف محاولاتها لاكتساح مملكة الوسط توقفا عبر التاريخ. في عهد امبراطورية سلالة المينغ سيقع الربط بين تلك الأجزاء المتفرقة من الجدار وتوحيد ها في جدار واحد يمتد مثل تنين هائل الجثة يتسلل عبر الجبال والأودية والوهاد. ـ الخوتونغ: ((Hutong وراء الشوارع الفسيحة والبنايات العالية الهائلة والأبراج تندس الأحياء الشعبية القديمة لمدينة بيجينغ. هنا تنبض المدينة بنبضها الحقيقي. بيوت ضئيلة الحجم متلاصقة بسقوفها القرميدية الرمادية المتداعية في أغلب الأحيان وأزقتها الضيقة التي لا يتجاوز عرضها مترا ونصفا، أو مترين. هنا تضطرب الحياة من وراء الواجهة العصرية الباردة، بنبض آخر، روائح أخري ونكهة شرقية أصيلة. شيء من الحوار الصاخب بين الواجهة العصرية المتبرّجة والوجه القديم الذي لا يستسلم لصيرورة التداعي التي تنخره وتهدده بالانقراض، بل يواصل حياته المضطربة بالحيوية والتلقائية. هنا تحدث اللقاءات مع البشر الحقيقيين، المحادثات، الممازحات، المغازلات، المداعبات، المشاكسات والمساومات. هنا يمكن للغريب أن يجد المنفذ المبجّل لولوج المدينة. الباعة والبائعات النشطات يدعونك دوما لشراء شيء ما، لكن بطريقة أكثر هدوءاً ورفقا مما عليه الأمر في الشوارع التجارية الكبري مثل شارع Wang Fu Jing الشهير والذي يقع غير بعيد من ساحة تيان آن مان. وهنا لا تصدّع رأسك الأصوات الآلية التي تصدح من كل المحلات التجارية وأصوات الفتيات اللاتي يقفن علي عتبات المطاعم بلباسهن التقليدي ذي الألوان البديعة مترنمات متغنيات وهن يسعين بكل ما أوتيت حناجرهن من قوة إلي استدراج الحرفاء. كل ذلك بحسب نسق سريع ومتتال يجعل المدينة من حولك مثل جلبة من نباح الجراء. ظاهرة غريبة لم أكن لأتوقعها، جزء هائل من مطاعم بيجينغ يعلق علي مداخله لافتات كبيرة مخطوط عليها بالخط العربي وباللون الأخضر: المطعم الإسلامي. محلات الأكلات الإسلامية السريعة تعبر عن هويتها بعبارة حلال المرسومة علي لافتاتها باللغة العربية وباللون الأخضر أيضا. أغلب أصحاب هذه المطاعم من المسلمين الصينيين المنحدرين من مناطق الشمال الغربي. ملامحهم تختلف قليلا عن ملامح الصينيين، وفي أغلب الأحيان يمكنك أن تميز بوضوح تام أصولهم المغولية. هؤلاء غالبا ما يبتهجون عندما يرونني آخذ صورا لمحلاتهم وأقبل عليهم مسلما بعبارة: السلام عليكم، وليس نادرا أن يقدم لي أحدهم أو إحداهن شيئا لأتذوقه كهدية وعلامة ترحاب. سأفاجأ أيضا أن مطعم فندق Red House الذي نزلت به يقدم هو أيضا بعض الأكلات العربية مثل الحمص وباباغنوج والتبولة! بالرغم أنه فندق من الطراز الغربي ويؤمه الكثير من السياح الأوروبيين وخاصة الشباب منهم. في ساحة تيان آن مان كما في العديد من أزقة الخوتونغ كثيرا ما يبادرني الناس بالتحية مبتسمين. بل غالبا ما يتقدم مني أحد المتنزهين في ميدان تيان آن مان عندما يلاحظ أنني غير مرفوق ويسألني إن كنت أرغب أن يأخذ لي صورة بالكاميرا التي في يدي وهو يفكر بأنني لا أستطيع أن أفعل ذلك بنفسي من دون رفيق.

الأمهات والآباء يفرحون ويغتبطون عندما أريد أن آخذ صورا لأطفالهم. يشجعونهم علي ذلك وبالنهاية يلحون عليهم أن يشكروني، وكم مرة تقرب أم طفلها مني كي يقبّلني بعد أن آخذ له صورة. ليس نادرا أيضا أن يعرض عليك الناس أن تتقدم وتشاركهم أكلهم، وهم غالبا ما يتناولون أكلهم مجموعات متحلقة حول بعض الأطباق المشتركة فوق الرصيف. ذات مرة لبيت الدعوة غير بعيد من المدينة المحرمة وكان علي بعدها أن ألغي بقية برنامج زيارات ذلك اليوم لأعود مباشرة إلي الفندق وأنام لكثرة ما سكبوا لي من البيرة في تلك الظهيرة الساخنة. أهل بيجينغ علي العموم لطيفون ومرحون ويميلون كثيرا إلي الممازحة والفكاهة. النساء نشطات ومرحات ذوات شخصية قوية واعتداد بالنفس دون ادعاء أو غرور. لكن يبدو لي أنهن أيضا مخاصمات بامتياز وشرسات عندما تقتضي الضرورة. الرجال، بالرغم من شيء من محاولات إظهار الرجولة يبدون لينين تجاه النساء. لعل هذا الأمر من بعض الفضائل القليلة للتجربة الاشتراكية التي منحت المرأة ثقة في النفس واستقلالية عن سلطة الرجل. المحطة الثانية: نانجينغ، بحثاً عن الأميرال المسلمنان جينغ وتعني لغة عاصمة الجنوب كمقابل لبي جينغ وتعني عاصمة الشمال. نانجينغ هي منطلق الرحلات السبع لجنغ خه وأسطول الكنز الشهير. مدينة مترامية الأطراف. بنايات عالية وأبراج وبللور ومرمر وأضواء وضجيج. زعيق أبواق السيارات لا يتوقف ليلا ونهارا. الهواء ملوث بطريقة خانقة بالمعني الحرفي للكلمة. أن تعثر علي أحد يتكلم أو يفهم اللغة الإنكليزية ضرب من المعجزة. بداية البحث عن آثار جنغ خه. أين هو مصنع السفن في لونجيانغ؟ لا أحد ممن سألت علي مدي يومين متتاليين يعرف من هو جنغ خه ولا سمع بوجود مصنع للسفن في نانجينغ أو قربها. الناس ينظرون إلي بدهشة، بل وبحيرة في أمر هذا الشخص الغريب الذي يسأل عن أشياء غريبة! لا أحد يفهم ـ في حالة ما وجدت أحدا يفهم لغتي ـ ما الذي أبحث عنه. ميناء؟ أي ميناء؟ Port Harbourg,Boats. الناس عندما لا يفهمون قصدك ينظرون إليك بمزيج من الدهشة والبلاهة، وأحيانا يبتسمون ويمرون. أخرج من جيبي كتيبا مصورا، عبارة عن قاموس مصور بعنوان Point it، قاموس بالإشارات. أشير بإصبعي إلي صورة سفينة وأنا أسأل سائق تاكسي مثلا. سائق التاكسي ينظر إلي الصورة، ثم إلي، فإلي الصورة مجددا وإلي ثانية، لا يفهم شيئا من أمر هذا الغريب الذي يريه صورة سفينة.

شيء يدعو إلي اليأسأخير أعثر علي ميناء صغير يشار إليه في الرسم البياني للمدينة ويقع في مكان يبدو أنه غير بعيد عن الموضع الذي يذكر في كتاب عندما سادت الصين البحار من تأليف لويز ليفاثيس وترجمة الشاعر السوري علي كنعان. وجدت الميناء المذكور. مجرد مرفأ صغير مثل أي مرفأ علي ضفاف نهر الشبري ببرلين مثلا. هناك بعض سفن جاثية في الضباب وفوق المياه الصفراء لنهر اليانغتسي. أستبشر خيرا مع ذلك بوصولي إلي هذا النهر الشهير، لا بد أنني قد اقتربت من هدفي الآن. أدخل من باب خلفي متوار أعثر عليه بعد أن أحوم لمدة عشر دقائق حول المبني. تعترضني فتاة لتقول لي ما معناه إنه ليست هناك رحلات. أسألها: هل هذا هو الميناء، ميناء نانجينغ؟ لا تفهمني. أحول بالإشارات… آ! لا، ليس هناك ميناء. هناك حفل هذا المساء فوق هذه السفينة. طيب، لكن هل ترحل هذه السفن التي أراها هنا إلي مكان ما من حين لآخر؟ الفتاة لا تفهمني، لكنها تظل محافظة علي بشاشتها وشيء من الود ممتزجا بالحيرة في أمر هذا الرجل الغريب. لغتها الإنكليزية مجرد شتات من بضع كلمات تكاد تتلخص في: no! no!. أخيرا أستطيع أن أستدرّ شحّها لأعرف أن الطقس غير ملائم للخروج الآن، لكن من حين لآخر تخرج سفينة في نزهة عندما يكون هناك طلب وطقس ملائم. أفهم: مراكب للنزهة في الضواحي القريبة إذن، ليس أكثر. أعود خائبا منكسر الخاطر. أكاد أيأس من العثور علي أي شيء في هذه المدينة، بل أكاد أشك في وجود شيء اسمه جنغ خه أصلا، وأسطول الكنز، والرحلات البحرية الشهيرة. أشك في جدوي رحلتي كلها ويبدأ شعور بالعجز والقهر يتسرب إليّ. العثور علي أول الخيطاقتنيت رسما بيانيا ثالثا للمدينة، الشوارع فيه مشار إليها بالخط اللاتيني. لكنه صغير جدا والأحرف دقيقة تكاد لا تقرأ إلا بعدسة مكبرة. أبسطه فوق الفراش وأظل أحدق فيه متفليا لما يقارب ساعة من الزمن. فجأة: بقعة خضراء صغيرة فوق الرسم: Zheng He Park. خيط أمل جديد. أقفز من الفرحة. أذهب إلي ذلك المكان في صبيحة اليوم الموالي. أجد الحديقة الصغيرة المشار إليها فوق الرسم البياني. لاقتة صغيرة مخطوط عليها بالصينية واللاتينية:Zheng He كل آمالي تتكثف الآن في الصدر دقات عنيفة. ألج الحديقة، لكن بشيء من التردد، لاأدري لماذا؟ كما لو كنت أحاول إرجاء اللحظة التي ستخيب فيها آمالي. أفتعل التأني، وأتوقف هنا وهناك أمام مجموعات من العجائز والشيوخ موزعة في أرجاء الحديقة. البعض يؤدون تمارين رياضية علي أنغام موسيقي تنبعث من مصدر قريب. مجموعات صغيرة أخري تجلس داخل حجرات صغيرة مفتوحة الجنبات ومسقفة بقباب صغيرة. هناك واحد أو اثنان داخل كل مجموعة يعزفان علي آلة موسيقية بينما الآخرون يتناوبون علي الغناء… بعدها سأري المشهد نفسه في العديد من المدن الصينية الأخري، وأعرف أن الغناء من النشاطات اليومية التي يشغل بها المحالون علي المعاش أنفسهم إلي جانب التمارين الرياضية والرقص في الحدائق في أغلب الأحيان وأحيانا تحت الجسور كما سأري في مدينة كوانتجو (كانتون). ألمح النصب التذكاري في الطرف الآخر من الحديقة، الذي هو في الحقيقة المدخل الأمامي، بينما قد ولجتها من المدخل الخلفي. جنغ خه منتصب بقامته الفارهة، أقبل عليه من الخلف، تغدو خطاي ثقيلة، أمطط لحظات الاقتراب مثل طفل يلتذ بتمطيط امتصاص قطعة من الحلوي. ألف حوله وأحاول أخذ أكثر ما يمكن من الصور. الطقس غائم مع شيء من الضباب، والتصوير يبدو لي أمرا صعبا جدا تحت مثل هذه الإضاءة الشحيحة. أعيد نفس اللقطات مرات متتالية.

لقد تملكني في الأيام الأخيرة هوس بجنغ خه لم أكن لأتوقعه، وكلما ازدادت مساعيّ وبحوثي وازداد الرجل اقترابا مني. بل إن خيباتي في العثور علي أي أثر له هي التي قربته إلي أكثر، كما لو أنني كنت أستحضره وأدعوه من الغياب بالرغبة المتزايدة. هذه العلاقة التي أصبحت حميمية إلي حد ما ظلت مع ذلك شبه خفية أو مندسة في زاوية معتمة من وجداني إلي حد هذه اللحظة التي عثرت فيها علي الحديقة وتمثاله، وخاصة عندما عرفت أن هذه الحديقة هي موقع بيته سابقا. كنت مغتبطا فرحا فرحا طفوليا كما لو أنني عثرت عليه هو شخصيا، حيا لحما ودما. رحت ألتقط له الصور من كل الجهات وفي أوضاع مختلفة، مرة بالألوان ومرة بالأبيض والأسود ـ كما لو كنت أسلم عليه ومع كل لقطة كنت أضمه إليّ كما أضم صديقا عزيزا علي ألتقي به بعد غياب طويل. فعلا كنت أسلم عليه. أجلب انتباه المارة، كوكبة من فتيات تتحلق غير بعيد مني يراقبن الطقس الغريب الذي كنت بصدد تأديته. أدعوهن للوقوف بالقرب من الصخرة الكبيرة التي نقشت فوقها صورة جنغ خه واسمه باللغة الصينية واللاتينية. يتقدمن ضاحكات مبتهجات. فرحن بدعوتي إياهنّ وهن يرين في ذلك إكراما لهنّ، أو نزوة مصور أو سائح مولع بتجميع الصور. لكنني كنت في الحديقة أقدمهن هدية لجنغ خه، باقة من الفتيات اليانعات إكراما له واحتفاء به. بعدها أقضي ما يقارب ربع ساعة وأنا أجهد نفسي وأجهدهن معي محاولا أن أفسر لهن كيف يمسكن بالكاميرا ويضغطن علي الزر بالكيفية الصحيحة كيما تتمكن بالنهاية أكثرهن شطارة وأقلهن هرجا واضطرابا من أن تلتقط لي صورة بالقرب من الصخرة التذكارية المذكورة. بعدها ينصرفن مقرقرات صاخبات مثل سرب من العصافير المضطربة.

معبد المدينةفي غمرة الحماس أمضي مشيا باتجاه باغودة معبد جيانجينغ الشهير التي يُزعم أن جنغ خه هو الذي بناه بالقرب من بحيرة نانجينغ بعد عودته المظفرة من رحلته الأولي. الرسوم البيانية تغالط الناظر إليها وتوهمه بقرب المسافات ليتضح له بعدها بالممارسة بأن ذينك السنتمترين الصغيرين هما في الحقيقة مسافة طويلة قد تبلغ الخمسة والسبعة كيلومترات. لم أتعلم من تجربة بيجينغ التي تركت آثارها واضحة ومؤلمة في أسفل قدميّ. أمضي إذن بحماستي المكتسبة من شعوري بالظفر كي أبلغ الباغودة بعد أكثر من ساعتين من المشي. مصدر آخر للفرحة في هذا اليوم، سأكافئ نفسي عليه بجولة هادئة ولذيذة حول البحيرة وبعصير بارد ولذيذ في انتظار الأمسية الجميلة التي كنت أعد نفسي بها في شارع هانجو راود وسط المدينة. لكن حماستي ستدفعني الآن إلي عمل طائش آخر وهو زيارة جسر اليانغتسي الشهير والذي يبلغ طوله سبعة كيلومترات سأقطع نصفها علي قدمي أيضا لأن سائق التاكسي الذي قبل أن يقودني إلي هناك رفض أن يتقدم بي أكثر من مدخل الجسر. جولة شبيهة برؤيا أو بحلم مفزع إلي حد ما. أصابني الخوف في لحظة ما وأنا أتوغل بعيدا فوق الجسر وأري إلي العلو الرهيب، أو علي الأصح إلي الهوة السحيقة لتي راحت تفصلني عن الشوارع من تحتي والأسواق الشعبية التي غدت تبدو لي متقزّمة، وكذلك من التدفق السريع والجحيمي للسيارات والشاحنات، نسق مذهل يجعل الجسر يرتعش تحت قدميّ. ثم ذلك الضباب الذي يلف بالمكان ورائحة الديزل والغبار، والجسر ممتد دوما أمامي إلي ما لا نهاية لينتهي في الضباب… جولة هاديسيّة حقا. البحث عن قبر جنغ خهلن أنفّذ وعدي بالأمسية الجميلة. صديقي باسكال ميشو الفرنسي البرليني الذي يعرف الصين جيدا ويتقن اللغة الصينية ما انفك يهاتفني في كل يوم متابعا مغامرة بحثي عن جنغ خه، محاولا مدي بأكثر ما يمكن من المعلومات للعثور علي الموضع الذي يوجد فيه قبره، لأن أغلب الوثائق التي بحوزتي، بما في ذلك الكتاب الإنكليزي سالف الذكر لا تقدم أية معلومة دقيقة عن الموضع. أخيرا قد توصل باسكال إلي تحديد الموضع والاسم: السفح الجنوبي لجبل شيتيو علي بعد حوالي ثلاثين كيلومترا من نانجينغ. أطلب من موظفة الاستقبال في الفندق أن تكتب لي الأسماء باللغة الصينية علي ورقة حتي أستطيع أن أوضح لسائق التاكسي الموضع الذي أريد الوصول إليه. مكان بعيد سيكلفك مبلغا كبيرا قالت لي الموظفة، لكنني الآن علي مقربة من هدفي ولم يعد يهمني أمر المبلغ الذي سيكلفني. أستأجر سيارة، لكن السائق بعد أن أكد لي أنه قد فهم قصدي، وأنه عرف المكان الذي أريد الوصول إليه، قد اتضح بعد ساعة ونصف من المسير بأنه لم يكن واثقا من أي شيء بينما عداد التاكسي قد بدأ يهدد ميزانيتي بالويل. أستوقفه. أحاول أن أوضح له الموضع مرة أخري لندرك بأننا قادمون علي الجبل من الجهة الخاطئة، أي بعد عملية لف غير ضرورية. نعيد الاتفاق حول السعر ومن دون عداد هذه المرة. يبدو راضيا عن الصفقة، بينما أنا مطمئن الآن من هول العداد. أخيرا نعثر علي المكان في منحدر بلغناه بعد انعراجات كثيرة وطريق ملتوية صعودا باتجاه قمة الجبل ثم انحدارا. لافتة معدنية ضخمة وفوقها صورة جنغ خه واقفا بكل قامته الهائلة. هناك أيضا متحف صغير لا شيء فيه تقريبا مما يجدر بتلك الرحلات الشهيرة وما كان لها من الأهمية بالنسبة لامبراطورية سلالة المينغ. بعض صور لسفن من أسطول الكنز، وصور أخري للأماكن التي مر بها الأسطول.

القبر في مرتفع يصعد إليه درب بدرج مقسم إلي 7 مستويات إشارة إلي الرحلات السبع. قبر صغير متواضع، دون أبهة ولا حتي مبني يحيط به. لكنه مرمم وعليه نقش بالخط العربي وباللون الأخضر: بسم الله الرحمن الرحيم ـ وليس الله أكبر، كما تذكر بعض الوثائق التي عثرت عليها في صفحات الإنترنت.

بدا لي أن نانجينغ قد استوفت حظها الآن خاصة بعد أن لم أعثر علي شيء من آثار جنغ خه وأسطول الكنز في متحفها الكبير، ولم أظفر من خرابة القصر الملكي سوي ببقايا حجارة متناثرة هنا وهناك داخل حديقة فسيحة بها بناية فاخرة من الطراز الصيني التقليدي لكنها مجرد مطعم وقاعة حفلات لا غير. اكتفيت إذن، وأنا أستعد للرحيل بشيء من الرضي، بزيارة ضريح ومتحف الدكتور صان يت صن مؤسس ورئيس أول جمهورية صينية تولدت عن الثورة الصينية الأولي سنة 1911. المحطة الثالثة: شانغهاي، أو رأس التنينأنحرف عن طريق جنغ خه بعد أن يئست من إمكانية سفر بالباخرة انطلاقا من نانجينغ باتجاه الجنوب. لكن كان لدي في الحقيقة طمع ما في أن أعثر علي شيء من آثار جنغ خه في مدينة شانغهاي. بما أن نانجينغ لم تعد ميناء ولم تعد لها من علاقة بالبحر، قلت لنفسي لعلني أجد متحفا بحريا في شانغهاي التي غدت من أكبر المرافئ التجارية الصينية. لكن، لا متحف بحرياً هنا ولا هم يحزنون. بالمناسبة، المتاحف في الصين ليست بالكثرة لتي يتوقعها المرء في بلاد ذات تاريخ طويل وحافل بالأحداث العظيمة. المتحف الوطني بنانجينغ مثلا يكاد يتلخص في معرض لبعض الصناعات القليدية القديمة (يشب، خزف، حرير) وفنون النقش والرسم. لكن كانت لي غاية أخري في شانغهاي أيضا. أريد أن أري هذه المدينة الصينية التي تكاد تكون أسطورية والتي كانت منذ القدم تسمي برأس التنين، هذه الرأس التي يبدو أن الحياة قد عادت إليها في السنوات الأخيرة علي نحو مذهل. وكانت لدي نزوة أخري أيضا، أن أنزل بفندق ِAstor House الشهير، وهو أحد أقدم فنادق المدينة من أواخر القرن التاسع عشر وكان يسمي في ما مضي Richard s Hotel وهو إضافة إلي ذلك أول بيت دخلته لمبة كهربائية في شانغهاي وفي الصين عامة، وهنا نزل العديد من مشاهير العالم من بينهم الممثل الكبير شارلي شابلن والفيلسوف البريطاني برترند راسل والعالم الألماني أينشتاين الذي وافاه هنا خبر حصوله علي جائزة نوبل. بيت ذو مجد عريق لم يعد يحتفظ منه سوي بمهابة الطراز المعماري البريطاني (الفيكتوري) بجدرانه السميكة العالية وباحته الواسعة والقباب والأعمدة والغرف الفسيحة بأفاريزها وأرضيتها المكسوة بالخشب. وفي ما عد ذلك بعض صور تذكارية لمشاهير النزلاء وصور أخري لمدينة شانغهاي في بدايات القرن العشرين. صور تحاول أن تذكر بمجد قديم، لكنه مجد مستسلم لشيء من الإهمال وقلة العناية. وليس بالعسير علي المرء أن يلاحظ ذلك الإهمال في الطريقة البائسة التي تلفق بها الصورة الظاهرية المغالطة التي تحاول الإيهام بأن الجدران مكسوة بالخشب البني العتيق، لكنك تمعن النظر في الزوايا فتلاحظ أن ذلك مجرد قشرة من مادة الـPVC الاصطناعية الملصقة علي الجدران، لا غير. وبالتالي فإن هذا الفندق، وبالرغم من سمعته التي ما زالت تجلب إليه عددا لا بأس به من السياح والمسافرين الأجانب، قد غدا يعد من فنادق الدرجة الثانية، بل الثالثة ـ وإلا لما أمكن لمسافر متواضع الإمكانيات يدعي علي مصباح أن ينزل به. طابع أوروبيشانغهاي ذات طابع أوروبي أكثر من بيجينغ ونانجينغ. وهي بالرغم من الإهمال الذي أصابها كما أصاب بقية مدن البلاد منذ الخمسينات من القرن المنصرم ومن التلفيق السريع والارتجال والفوضي التي يتم بها التجديد العمراني في الصين حاليا، ما تزال محافظة علي الكثير من أبهة مجدها القديم وبخاصة في حي الـBUND المقابل لنهر الهانغ بو، أو بصفة أدق علي الضفة الأخري المقابلة لأبراج البيدونغ الشهيرة. ثراء واضح بطريقة استعراضية متبرجة في هذه الأحياء الجديدة، خاصة في جادّة نانجينغ Nanjing Lu الشارع التجاري والمركز الحي للمدينة إلي جانب البوند والبيدونغ). ہ كاتب تونسي، والفائز بجائزة ابن بطوطة للرحلات المعاصرة.

ہ ستصدر قريبا عن دار السويدي في أبو ظبي ضمن اعمال المركز العربي للأدب الجغرافي ـ ارتياد الآفاق. 7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية