علي خطا جنغ خه الأميرال الصيني المسلم (2 من 3)
لا اثر لدجاج ابن بطوطة الكبير.. والمساومة ممكنة في هونغ.. ومحنة طعام امام قوائم مكتوبة بالصينيةالصيني عندما لا يفهمك يضحك.. فوجو مدينة كئيبة لا تعرف الاجانب.. والمسلمون الصينيون يحبون العربعلي خطا جنغ خه الأميرال الصيني المسلم (2 من 3)علي مصباح ـبدأ الكاتب الروائي التونسي علي مصباح برحلة بحرية طويلة بدأت في مرحلتها الأولي من بكين حتي أندونيسيا، مروراً بالعديد من بلدان الهند الصينية، وسيتممها بالنزول من أندونيسيا حتي مضيق هرمز مروراً بسواحل إفريقيا. والرحلة التي استغرق الشوط الأول منها شهوراً، وسيستغرق الشوط الثاني منها بضعة شهور أخري هي بمثابة تعقب وتتبع لخطي ومراكب أميرال البحر الصيني المسلم جنغ خه الذي يحتفل العالم كله هذا العام مع الصين بمرور 600 سنة علي قيامه برحلاته السبع في العالم، وقيادته لأعظم أرمادا في التاريخ. وجنغ خه الذي وقع في الأسر صبياً خلال الحروب بين الأسر الصينية المالكة وجري إخصاؤه، سرعان ما تحول إلي واحد من كبار رجالات الدولة الصينية، قبل أن يتوج أميراً للبحر في الصين وسفيراً فوق العادة لملوكها، ومن ثم سيتحول إلي أسطورة تشبه أسطورة سور الصين في قوتها وتأثيرها في التاريخ الصيني إلي اليوم.بيت شوان لايـ زيارة البيت القديم لشوان لاي الذي يوجد في حي يبدو واضحا أنه من الأحياء الثرية الفاخرة في مدينة شانغهاي، حي شبيه بالدائرة السادسة عشرة لمدينة باريس، أو دائرة داهلم غرونافالد ببرلين. لكن يبدو أن يد العناية لم تمسسه هو أيضا منذ عشرات السنين، وهو، وإن لم يكن علي حالة من التداعي مثلما عليه حال المدينة العتيقة وأحيائها الشعبية المندسة وراء البنايات الجديدة الفاخرة ـ هنا كما في بيجينغ ونانجينغ ـ، فإنه لا يكاد يوحي سوي ببقايا عز قديم. البيت نفسه الذي انعقد داخله المؤتمر التأسيسي للحزب الشيوعي الصيني في بداية العشرينات من القرن الماضي. في الحي نفسه يوجد أيضا البيت القديم للدكتور صان يت صن قبل أن يحول مقر إقامته الرسمية إلي نانجينغ. تنحرف بي الطريق إذن لأجدني أتلف آثار جنغ خه، وأراني أتابع آثار رجال آخرين. أجد شيئا من اللذة في لحظات الزّيغ والتخلص من المهمة المحددة لهذه الرحلة، والتي تشدني إلي طريق بعينها، وأستطيب التيه في التسكعات الطويلة داخل الأحياء الشعبية القذرة المزدحمة والمليئة لغطا وهرجا، ومرحا أيضا، وأقول لنفسي: إنه عالم الأحياء، مالي إذن ومتابعة آثار المندثرين؟ وفي اللحظة نفسها أشعر بشيء من القلق كما لو أن وخز ضمير ما يقول لي إنني بصدد إتيان خيانة تجاه جنغ خه هذا الذي بدأت روحه تتلبس بي علي نحو مدهش ـ وباعث علي شيء من القلق في الآن ذاته. جامع شانغهايأعثر علي الجامع الإسلامي الأكبر بشانغهاي (Xiao Tao Yuan) بعد جولة طويلة متعرجة داخل الأسواق والأحياء الشعبية الصاخبة والمرحة لشانغهاي العتيقة. مساعد الإمام يؤكد لي أنه أكبر وأهم المساجد السبعة الموجودة بشانغهاي وأن عدد المسلمين في المدينة يناهز الخمسين ألفا من بينهم أيضا عرب (مصريون ولبنانيون ويمنيون) من المقيمين الدائمين.الغائب الكبير في هذه المدينة المولعة بعرض مفاتنها الجديدة وأبراجها ومحلاتها التجارية الفاخرة التي تضم العديد من الماركات الأوروبية الفاخرة من ملابس وعطور ومجوهرات وشتي أنواع الآلات الإلكترونية، الغائب الكبير هو الكتاب. شانغهاي مثل بيجينغ ونانجينغ أيضا لا تتميز شوارعها بذلك الحضور المكثف للمكتبات الذي نعرفه في المدن الأوروبية مثلا، ولا حتي بذلك الحضور الأقل كثافة في شوارع المدن العربية الكبري. هناك مكتبتان كبيرتان نسبيا في شارع Wang Fu Jing التجاري ببيجينغ، أو ما يمكن أن يطلق عليه داونتاون بيجينغ، ولم أر في نانجينغ سوي مكتبة واحدة في شارع Hangzhou Lu، ومكتبة متواضعة جدا في إحدي زوايا نانجينغ راود الشارع الذي يعد القلب النابض لمديـــنة شانغهاي العصـــرية بالقرب من البوند والبيـــدونغ، ثــــم مكتـــبة أخري أكبر وأثـــري في شارع Central Huaihai Lu راود التـــجاري. ومع ذلك فإن مرتادي المكتبات غير قليلين وكثيرا ما يري المـــرء قراء يجلسون علي الأرض غارقين في القراءة. لكــــنني لم ألاحــظ وجود أناس يقرأون لا في المقاهي ولا في الحـــدائق أو الحافلات والقطارات. المحطة الرابعة: فوجوقبل أن تتحول نانجينغ في بدايات القرن الخامس عشر (عهد الإمبراطور الثالث جو دي من سلالة المينغ) إلي أشهر ميناء صيني سيخرج منه أسطول الكنز في رحلاته السبع الشهيرة، وقبل أن تتأسس هناك مصانع السفن الضخمة التي كانت تفوق في حجمها وعددها وعدّتها سفن العالم كله، كانت فوجو هي الميناء الصيني الأول والمصنع الأمهر للسفن. وقد اعتمد جنغ خه علي معارف وتقنيات فوجو لصناعة السفن ونقل عنها، بل نقل إلي نانجينغ عددا من عمالها ومهندسيها أيضا. ثم إنه توقف هناك لمدة تتجاوز الثلاثة أشهر أثناء رحلته الأولي منتظرا هدوء زوابع المحيط الهادي العاتية كي يواصل رحلته، مختبئا مع أسطوله الكبير في شبه بحيرة آمنة فائضة عن نهر مين قبيل مصبه في البحر. صبر المسافر علي الدليل!بعد يومين من البحث والسؤال استطعت بفضل الرسوم البيانية وبعض المساعدات التي كنت أنتزعها انتزاعا من الناس بعد تفسيرات متكررة وملحاحة وصبر علي صعوبات التفاهم اللغوي، أن أهتدي إلي مكان الميناء الشهير. سائق التاكسي الذي نقلني إلي ذلك المكان الذي يقع علي بعد 15 كيلومترا من وسط المدينة، مثل زميله في نانجينغ، وأغلب سواق التاكسي، يبدي في البداية استعدادا وفهما ومعرفة، كي يتضح من بعدها أنه لم يفهم قصدك، وأنه لا يعرف شيئا عن المكان ولا حتي عن باغودة ماوي الشهيرة. عليك إذن أن تجند كل ما لديك من صبر وأعصاب وانتباه كي تتحمل ارتباكه ولفه ودورانه، وأن تكون أنت المساعد له بالنظر المتواصل في الرسم البياني وإرشاده إلي الاتجاه الجديد الذي ينبغي أن يمضي فيه، ذلك أنه بإمكانك أن تطلب ما تريد من سواقي التاكسي الصينيين، لكن لا تضع أمام أنف الواحد منهم رسما بيانيا فذلك ما لا سبيل لهم إلي فهمه، بل إنه أمر غالبا ما يدخل عليهم اضطرابا وحيرة أكبر. بعد حوالي ساعة من الزمن وصلنا إلي مكان الباغودة التي تقـع علي ربوة مشرفة علي الميناء والبحيرة الفسيحة. استطعت، إذن، أن أزور الميناء ومصنع السفن الذي لا يزال نشطا وإن بطرق بدائية لم أكن لأتوقعها في بلاد صناعية مثل الصين الحديثة. زرت الباغودة والمعبد اللذين كان يتردد عليهما جنغ خه أثناء إقامته الإجبارية الطويلة هناك طلبا للحماية، مقدما القرابين لكل من بوذا وتيانفيه حامية البحَّارين، كما استعمل رأس الباغودة كبرج ومنارة ترشد سفنه إلي الميناء عند العودة.ما تبقي من جنغ خه!مرة أخري وأنا أصعد الربوة باتجاه الباغودة كان لدي إحساس غريب بأن جنغ خه قريب جدا مني، بل أقرب حتي مما شعرت به في نانجينغ وأنا أزور الحديقة التي كان يوجد بها بيته الخاص في عهد بعيد. كان لدي شعور بأنه قد يكون الآن مختبئا في مكان غير بعيد يتأمل خطط رحلاته ويتعبد ويقدم القرابين. وأنا ألج عتبة الباغودة وأضع يدي علي حجارتها القديمة، ثم وأنا أصعد السلم الحجري حتي الطابق السادس مطلا من كل طابق علي جهة من البحيرة والميناء من تحتي، كنت كما لو أنني أضع يدي علي موضع يديه وأتحسس أنفاسه وتهيجه. وعندما ارتطم رأسي بحجر الباب الواطئ في الطابق السادس، وبالرغم من حدة ألم الصدمة وجدتني أبتسم ـ متشفيا تقريبا ـ وأنا أتخيل جنغ خه وقد ارتطم رأسه أكثر من مرة بهذه العتبة. كيف لا؟ وهو الذي يقال أن قامته تفوق المترين بعدد من السنتمترات؟ كيف يستطيع ولوج هذا السلم الحجري الضيق والواطئ دون أن يرتطم بحجره، والحال أن علي مصباح الذي لا تزيد قامته علي المتر و65 سنتمترا لم ينج من ذلك! ما الذي تبقي من آثار مرور جنغ خه من هنا وإقامته لمدة طويلة؟ لا شيء. حتي المتحف البحري الذي كنت أنتظر منه الكثير لا ذكر فيه لجنغ خه ولا لأسطول الكنز، بل كل ما هناك هو استعراض ذو نبرة إيديولوجية واضحة لأحداث من الماضي القريب، وتذكير بالمعارك البطولية التي خاضتها قوي المقاومة الصينية ضد الفرنسيين في أواخر القرن التاسع عشر. ماوي لم تعد تحمل اسم تايبينغ الذي أعطاه إياها جنغ خه ومعناه السلام ، والقرية قد غدت مدينة كبيرة ملاصقة لفوجو. الباغودة التي كان من المفترض أن تذكِّر بشيء من مرور أسطول الكنز من هناك هي أيضا تبدو متنكرة لذلك الماضي البعيد، وفي باحتها لا توجد غير تماثيل تجسد بطولات المقاومة ضد الاحتلال الفرنسي.خروف في مدينة كئيبة!فوجو التي كنت أعتقدها ميناء ضاجاً بالحركة المرحة، مدينة كئيبة. لم أر أجنبيا واحدا في شوارعها ولا في فنادقها أو في محطة قطاراتها، وحتي المهندس الجنوب إفريقي الذي اصطحبني هو وابنته في رحلتي الليلية بالقطار من شانغهاي إلي فوجو وقضينا معا سهرة مرحة ممتعة جعلت حتي طقم القطار بمراقبيه وطباخيه ونادلاته يشاركننا حفلنا وينساق إلي المرح والرقص حتي ساعة متأخرة من الليل، صاحبي فيللي قد قرر الرحيل بسرعة ـ في اليوم الأول، مقررا بحكمة أن لا شيء جديراً بالإقامة في هذه المدينة.كنت إذن فرجة منحتها الصدف لأهل فوجو الذين لا أظنهم يرون أكثر من أجنبي واحد كل خمس سنوات ـ هذا إذا ما افترضنا أن هناك أجانب مجانين ستحدثهم أنفسهم بزيارة مدينة ليس لها ما تمنحه للناظر غير الغبار والبنايات العالية وحركة المرور الجنونية. حتي الدراجات قد تقلص عددها تقلصا واضحا هنا مقارنة ببيجينغ ونانجينغ وشانعهاي. لأكن إذن لقمة للعيون الفضولية النهمة والنظرات المندهشة التي تلتهمني بشيء من البلاهة ـ كما لو كنت صينيا يبرز فجأة في إحدي القري التونسية النائية! أما عن اللغة فحدّث ولا حرج. كلما حاولت أن أخاطب الناس سواء بالإنكليزية، أو ببعض الكلمات الصينية القليلة التي تعلمتها دون أن أجيد نطقها علي النحو الصحيح بطبيعة الحال، أري الناس ينظرون إلي بدهشة، وأحيانا يضحكون في وجهي ـ أقول يضحكون ، لا يبتسمون ـ وينصرفون. سأعرف بعدها أن الصيني، كما الفييتنامي أيضا يضحك في أغلب الأحيان عندما لا يفهمك، كما يفعل عندما توضح له بأنه أخطأ في أمر ما. صديقي فيللي الجنوب إفريقي كان يردد لي دوما أن المــبدأ الفلسفي الحياتي الأساسي الذي تقوم عليه المعاملات هنا هو مبدأ عدم فقد ماء الوجه، Not lose the face، وحفظا لماء الوجه غالبا ما ينصرف عنك من تخاطبه عندما لا يفهمك؛ ينصرف بسرعة مثل الهارب دون اعتذار أو أي شيء من هذا القبيل. تلك أيضا طريقة to not lose the face. المهم أن الأمر يختلف قليلا في مدينة فوجو فالناس لا بفرون من أمامك لمجرد أنهم لم يفهموك، بل إنهم لا يستمعون البتة إلي سؤالك سواء كنت تسأل عن مكان ما أو شارع أو اتجاه، أو كنت تطلب شيئا تريد شراءه، بل يظلون لمدة من الزمن تتراوح بين الثواني والدقيقة ينظرون إليك بدهشة وبلاهة نادرتين كما لو أنك وقعت عليهم توا من مجرة أخري. لا غرابة في ذلك أقول لنفسي محاولا تهدئة نفاد صبري فالناس هنا لا يرون في كل يوم شخصا بحدقتين واسعتين وشعر يشبه صوف الخرفان؛ لعلهم يتثبتون في نوعي، إن كنتُ حقا من فصيلة البشر أم خليطا عجيبا من بشر وخروف. وحدهم سواق التاكسي لا ينصرفون عنك ولا يطيلون التحديق ببلاهة في وجهك وهيأتك، بل إنهم يصرون بعناد علي إيهامك بأنهم فهموك، لينطلقوا بك بسرعة وهم يرددون: أوكي! أوكي! ليضعوك بالنهاية في غير المكان الذي تريد الوصول إليه. سائق التاكسي ليس لديه متسع من الوقت كي يستمع إلي شرحك وتفسيراتك ولا حتي كي يتأكد من أنه قد فهمك. المهم أنه عثر علي خروف، وأجنبي علاوة علي ذلك، فلا وقت إذن للتردد وترك فرصة هروب ما للفريسة. أما أن تضع أمام عيني الواحد منهم رسما بيانيا للمدينة وتشير إلي الموقع الذي تريد الذهاب إليه فكأنما وضعت أمام عينيه طلاسم وألغازا لا يفهمها غير الجن الشياطين. غريبة علاقة الصينيين بالرسوم البيانية للمدن! أفضل حل إذن هو أن تضع بين يديهم العنوان الذي تقصده مكتوبا باللغة الصينية بعد أن تكون قد أجهدت نفسك وأجهدت أحد موظفي الاستقبال في الفندق وعصرت قاموسه الإنكليزي الشحيح كي يفهم ما تريد وينقله لك بالأحرف الصينية علي الورق. محنة الطعامكارثة أخري هي الأكل، كيف يمكنك اختيار وجبتك وأنت لا تعرف أسماء المأكولات ولا تستطيع أن تفك رموز اللوائح المكتوبة باللغة الصينية فقط في أغلب الأحيان ـ وخاصة هنا في مدينة فوجو المقطوعة عن العالم. كيف يمكنك أن تكون متأكدا من أن اللحم الذي يقدم لك ليس لحم فئران أو جرذان أو قطط وثعابين أو سلحفاة أو كلاب؟ ( بعدها سأعرف أن لحم الكلاب باهظ الثمن وأن الصيني يمكنه أن يغشك بأن يدس لحم خروف عوضا عن الكلب وليس العكس).في المطاعم الإسلامية الكثيرة في بيجينغ وشانغهاي المسألة محسومة إلي حد ما فهناك يمكنك أن تكون متأكدا من أن كل ما يقدم لك حلال .لكن هناك أيضا عليك أن تعرف ما الذي تريد طلبه وأن يفهم النادل حقا ما تريده، ولا يتظاهر بأنه قد فهمك كما يفعل الصينيون عادة لتفاجأ بالنهاية بحصولك علي غير ما طلبت. بعدها تأتي محنة التقاط غذائك بالعودين. مع الخضار واللحم والمعجنات المسألة بسيطة نسبيا، لكن كيف يمكنك التقاط حبات الرز، تطاردها وتجمعها لتأسرها بين عودين، وعندما تفلح في ذلك بعد جهد وتركيز ومحاولات، كيف تضمن أن تظل أصابعك ممسكة بالعودين بالطريقة المناسبة حتي يصل الطعام إلي فمك ولا ينفلت من بين العودين في منتصف الطريق لينفرط علي صدرك أو في حجرك أو فوق المائدة في أفضل الحالات؟ لكن، حذار! لا تلتقط شيئا مما يقع منك علي المائدة، فالنظافة هنا من النوافل. ثم لنفترض أنك نجحت في كل هذه العمليات المعقدة، فما الذي يضمن لك أن أحد الجالسين إلي جوارك، أمامك أو وراءك لن يعن له في كل لحظة أن يتكحكح ويتنخّم ويقذف ببصقته علي الأرض إلي جانب مائدته وغير بعيد من مائدتك ومن أنفك ..؟ هذا الأمر عادي جدا هنا في الصين حتي أن النغمة الكريهة: أخ تفْ تتردد بصفة متواصلة من حولك في كل مكان؛ في المطــعم، في الشارع، في القطار، في الحافلة، في المصـــعد الكهربائي.. لتغدو إحدي الأصوات التي ترافق زعيق أبواق السيارات وأصوات الصينيين والصينيات الملعلعة في كل مكان وفي كل ساعة من الليل والنهار.المحطة الخامسة: كوانتجو (كانتون)لِم أقصدُ كوانتجو البعيدة عن البحر وعن الطرق البحرية؟ هذه المدينة الأخطبوطية الزاعقة الغبراء. مدينة الضجيج بامتياز.لسببين اتجهت من فوجو إلي كوانتجو. السبب الأول هو خلط حصل لديّ بين َQuanzhou و Guanzhou. والسبب الثاني هو إصراري علي ملاحقة بعض من خطي ابن بطوطة الذي يذكر زيارته لها ويسميها أحيانا بصين الصين ويذكر أنها مدينة مزدهرة التجارة عامرة الأسواق. مزدهرة التجارة فعلا إلي يومنا هذا. هنا التقيت بكثير من الأفارقة من مالي والنيجر والسودان، وعربا وباكستانيين وأفغانيين وهنودا كلهم يقبلون علي هذه المدينة بهدف التسوق والمتاجرة ؛ من التاجرة الإفريقية التي تقتني بطاريات وأجهزة إلكترونية بسيطة وألعابا وملابس من الحرير، إلي التجار الكبار الذين يعقدون صفقات تجارية كبيرة مع وكالات متخصصة في التصدير. أنزل في فندق إسلامي ينزل به الكثيرون من هؤلاء التجار ـ البسطاء منهم تحديدا. الأفارقة يشعرون بكثير من الارتياح هنا. معاملات الصينيين تبدو خالية من العنصرية التي يتأذي منها العرب والأفارقة في أغلب البلدان الأوروبية. كما أن نمط عيش الصينيين وتقاليدهم الحياتية لا تختلف كثيرا عن أنماط بلدانهم الأصلية، وبالتالي لا يشعرهم بالانسحاق والغربة، ثم إن البضاعة رخيصة بينما البضاعة في المدن الأوروبية باهظة الأثمان علاوة علي غلاء المأكل والسكن.الجامع الكبيرأتعرف علي مجموعة من المسلمين الصينيين ممن يديرون ويشتغلون في مطعم الفندق. تنشأ بيني وبين الشاب، بل الصبي موسي (15 سنة) مودة لطيفة منذ اللقاء الأول. بعد يومين يترك عمله ليرافقني (بمقابل مالي طبعا) ليوم كامل في تجوالي عبر مختلف أحياء المدينة. موسي يتكلم شذرات من الإنكليزية ، لكنه فطن ومتوثب الذهن. زرنا معا الجامع المسمي بالمسجد الكبير أو هواي شنغ، وهو أقدم جامع بني علي الطراز المعماري لسلالة التانغ وتبلغ مساحته حوالي 3000 متر مربع وبه منارة من الطراز العربي طولها 36،6 مترا، ثم زرنا مقبرة إسلامية تسمي روض ابن أبي وقاص وبها ضريح لوليٍّ ومسجد صغير. وتختلف الآراء حول مصدر التسمية وهوية الولي المدفون هناك فالبعض يؤكد لك أنه الصحابي سعد بن أبي وقاص وهو أمر مستبعد ولا يمكن إقراره تاريخيا، والبعض الآخر يقول لك إنه ولي صالح من ذرية الصحابي المذكور. وهذا طبعا أقرب إلي المعقول. مسلمو كوانتجو وكذلك بقية مسلمي الصين ممن التقيت بهم في شانغهاي وبيجينغ مثلا، يكنون تقديرا ومودة كبيرين للعرب. لكنهم يعبرون أحيانا عن عدم فهمهم لكل هذا العنف الذي غدا يميز الإسلام السياسي. عبد الصمد الماليزي الذي التقيت به في روض بن أبي وقاص يقول لي بلغة عربية نقية وراقية: لن تُسلم حتي يسلم لسانك ويدك… لم كل هذا العنف إذن يا أخي؟ إن الإسلام دين سلام حسب فهمي، أم أنني مخطئ؟ في ما عدا ذلك فالمدينة ضاجة ضجيجا قاتلا، وشوارعها المتراكبة في هيأة جسور معلقة تبلغ الثلاثة مستويات في الكثير من الأحيان تجعل المرء يصاب بالضيق والدوار أحيانا. دجاجة ابن بطوطة!أما عن خطي ابن بطوطة فالمسألة تتلخص لدي في محاولاتي منذ بيجينغ أن أعثر علي شيء من ذلك الدجاج عظيم الجثة الذي يتحدث عنه في كتابه، حتي أن قِدرا واحدة لم تتسع لدجاجة اشتراها هو وأصحابه ، فطبخوها ـ أو جعلوها ، حسب عبارته ـ في قدرين. نظرت بانتباه في الأسواق وعند مروري بالمزارع حيث كنت أري دجاجا وبطا كثيرا ، لكنني لم أعثر علي هذا الدجاج عظيم الجثة ولا علي بيضه الذي هو أكبر حجما من بيض الإوز.! صحيح أنني لمحت ذات مرة بالقرب من محطة قطار بمقاطعة فوجيان ديكة كبيرة الحجم؛ أي أكبر مما اعتدت رؤيته إلي حد الآن. ثم ها أنني أعثر علي مثيلاتها في إحدي أسواق كوانتجو، وقد أخذت لها صورا. لكنها لم تكن كما زعم صاحبنا أكبر حجما من النعامة، ولا هي حتي في خمس حجم النعامة. ورأيت أنواعا متنوعة من البيض من الأزرق إلي البني الفاتح فالبني الداكن فالمزوّق بخطوط بنية في اتجاه الطول، أما أن يكون هناك بيض دجاج أكبر من بيض البط فذلك ما لم أعثر عليه. لكنني رأيت لحم دجاج أسود الجلدة لم يذكره ابن بطوطة من ضمن ما ذكر من الغرائب، وبما أن لديّ كاميرا فقد أخذت صورا لهذا اللحم الأسود، ومن المفارقات أن هذا اللحم من دجاج أبيض الريش كليا ما عدا الرأس التي هي سوداء في مستوي المقدمة!المحطة السادسة : هونغ كونغفجأة مدينة أوروبية. بل مزيج من أوروبا ونكهة شرقية حاضرة بكثافة. أجناس متنوعة تجعلها بحق مدينة كوسموبوليتية. هناك حركية جنونية تجعلك أحياناً تشعر وكأنك تتحرك داخل مدينة إلكترونية وبين كائنات أشبه بالروبوهات. لكن هناك نسقا محكم التنظيم، والنظافة هنا أمر مقدّس. المعمار متنوع وبالرغم من كثرة الأبراج فإن المعمار القديم ما يزال حاضرا علي نحو لطيف وبهيج. نسق الحياة سريع جدا لكن دون إفراط في زعيق الأبواق مثلا، ودون شعور بالاختناق من جراء غازات السيارات. الهيآت ونوعية اللباس وحتي ملامح الوجوه توحي لك كلها بأنك انتقلت إلي مدينة من مدن البلدان الأوروبية المتقدمة. لا أثر للفقر المدقع هنا والبؤس. وهناك حضور أكثر أو لنقل أقل شحا للثقافة والفنون داخل جسد المدينة، متحف هونغ كونغ أكثر ثراء مما رأيت إلي حد الآن من المتاحف الصينية، خاصة في ما يتعلق بالفنون الحديثة. المركز الثقافي بناية من طراز معماري حديث أو بوستمودرن ، لكنه في أشكال هندسية محببة للعين . العروض الموسيقية والمسرحية والأوبرات التي تقدم في قاعة المسرح الكبيرة والفاخرة، ذات مستوي راق. المعيشة هنا باهظة التكاليف مقارنة بالصين، لكن المساومة والمجادلة حول الأسعار ممكنة هنا أيضا، فأنت بالنهاية ما تزال في آسيا. الحياة الليلية نشطة، متنوعة الأوجه وبهيجة. ہ كاتب تونسي، والفائز بجائزة ابن بطوطة للرحلات المعاصرة .ہ ستصدر قريبا عن دار السويدي في أبو ظبي ضمن اعمال المركز العربي للأدب الجغرافي ـ ارتياد الآفاق . 7