علي خطي جنغ خه الأميرال الصيني المسلم (3 من 3)
أهل بكين سطحيون وغير أصيلين وميولهم رأسمالية وأهل هانوي قرويون وشيوعيون متزمتونيسمون مسجد سايغون بنك إنديا وينحتون أسماءهم علي الحجارة.. وكل لوح فوق ظهر سلحفاةعلي خطي جنغ خه الأميرال الصيني المسلم (3 من 3)علي مصباحبدأ الكاتب الروائي التونسي علي مصباح برحلة بحرية طويلة بدأت في مرحلتها الأولي من بكين حتي أندونيسيا، مروراً بالعديد من بلدان الهند الصينية، وسيتممها بالنزول من أندونيسيا حتي مضيق هرمز مروراً بسواحل إفريقيا. والرحلة التي استغرق الشوط الأول منها شهوراً، وسيستغرق الشوط الثاني منها بضعة شهور أخري هي بمثابة تعقب وتتبع لخطي ومراكب أميرال البحر الصيني المسلم جنغ خه الذي يحتفل العالم كله هذا العام مع الصين بمرور 600 سنة علي قيامه برحلاته السبع في العالم، وقيادته لأعظم أرمادا في التاريخ. وجنغ خه الذي وقع في الأسر صبياً خلال الحروب بين الأسر الصينية المالكة وجري إخصاؤه، سرعان ما تحول إلي واحد من كبار رجالات الدولة الصينية، قبل أن يتوج أميراً للبحر في الصين وسفيراً فوق العادة لملوكها، ومن ثم سيتحول إلي أسطورة تشبه أسطورة سور الصين في قوتها وتأثيرها في التاريخ الصيني إلي اليوم.المرحلة الفييتنامية: من هانويالشيوعية إلي سايغون اللقيطة !المحطة الأولي: هانوي، فينهالساعة الرابعة بعد الظهر أصل مطار هانوي الذي يبعد 30 كيلو مترا عن وسط المدينة. الطريق بين المطار والمدينة جعلتني أنتقل من أجواء المدن الصينية الضخمة والأخطبوطية إلي أجواء قروية. مزارع علي يمين الطريق وشمالها. فلاحات بقبعات مخروطية الشكل يقفن وراء بقراتهن أو يقدن دراجاتهن ببطء. هناك الكثير من الدراجات النارية بينما السيارات قليلة. البنايات صغيرة بل ضئيلة الحجم، من طابقين في أقصي حد، أبنية مصبوغة بألوان زاهية حارة. إحساس مريح بعد غابات الأبراج العالية في المدن الصينية وهونغ كونغ.بنايات المدينة هي أيضا لا تختلف عن تلك التي رأيتها علي جانبي الطريق. أما الشوارع فأنهار متدفقة من الدراجات النارية. عدد الدراجات الهوائية قليل هنا بالمقارنة مع المدن الصينية وخاصة بيجينغ ونانجينغ وشانغهاي. في ما عدا ذلك الشوارع لا تقل حركية، والمتاجر تظل مفتوحة حتي الساعة العاشرة مساء، والبعض حتي الساعة الحادية عشر. ـ زيارة المتحف العسكري ومشاهدة حطام طائرات أمريكية من الحرب الأخيرة، بقايا مدافع ودبّابات بعضها أمريكية والأخري من بقايا الأسلحة الفرنسية من معركة ديان بيان فو الشهيرة. ـ ساحة لينين مباشرة أمام المتحف. تمثال لينين ينتصب عاليا وسط حديقة فسيحة. غير بعيد من هناك متحف هوشي منه وضريح هوشي منه في ساحة فسيحة تذكر بميدان تيان آن مان ببيجينغ. الضريح أكثر تواضعا من ضريح ماو تسي تونغ، والساحة كذلك ليست بأبهة ميدان تيان آن مان. في آخر الساحة يوجد القصر الرئاسي. بناية صفراء بأبواب ونوافذ خضراء. ألوان غير معتادة بالنسبة للبنايات الحــكومية تجعل القصر أقل صرامة وتجهما. ـ زيارة متحف الفنون الجميلة. المعروضات ذات مستوي جيد، وهي تقدم في مجملها فكرة عن التراث الفني القديم منه والحديث من نحت ورسم ونقش علي الخزف، لكنها ليست بالأهمية ـ من حيث العدد والتنوع ـ التي يمكن أن يكون عليها متحف وطني.ـ معبد الآداب: مؤسسة ثقافية وأدبية قديمة تعتبر أول جامعة فييتنامية تأسست في القرن الثاني عشر لتحتضن النابغين من الطلاب ليكوّنوا من بعد هيكل المثقفين الرسميين للبلاد Mandarins بعد أن يجتازوا امتحان التخرج بنجاح. بعدها تنحت أسماؤهم وتواريخ ولادتهم ومواطنهم الأصلية علي ألواح من الحجارة كل لوح فوق ظهر سلحفاة: رمز العمر المديد والخلود. مسرح الدمي المائية. مسرح فييتنامي عريق يعود تأسيسه إلي القرن الثاني عشر هو أيضا. يعرض هذا المسرح لوحات متنوعة من الأغاني والرقص إلي لوحات تجسد مظاهر متنوعة من الحياة اليومية، إلي بعض الأساطير والنكات الشعبية. كل ذلك والدمي تتحرك داخل حوض مائي حركات مضبوطة ودقيقة ترافقها موسيقي إيحائية متنوعة من الحياة اليومية رقيقة أحيانا وساخرة متنوعة من الحياة اليومية، أو عنيفة أحيانا أخري بحسب نوعية موضوع اللوحة أو المشهد. المحطة الثانية: فينه الغرض الوحيد من زيارة هذه المدينة الصغيرة التي تقع علي بعد 320 كيلومترا جنوب هانوي كان الرغبة في زيارة قرية مولد هوشي منه. القرية تقع علي بعد 20 كيلومترا غرب مدينة فينه وليس هناك من إمكانية للوصول إليها إلا بتأجير سيارة ليوم كامل. لكن سرعان ما اتضح أن موطنه يقع في الحقيقة في قريتين وليس في قرية واحدة؛ الأولي التي قادني إليها سائق التاكسي، وهي قرية كيم ليان، قد اتضح أنها ليست قرية مولده بل القرية التي انتقل إليها مع عائلته في سن السادسة من العمر وأقام بها حتي سن السادسة عشرة، قبل أن ينتقل إلي مدينة هوي لمواصلة دراسته، ومنها إلي مدن وجامعات أخري فييتنامية وصينية وأوروبية. مسقط رأسه إذن هو قرية هوانغ ترو غير بعيد من القرية الأولي. البيت القروي البسيط الذي ولد فيه وكذلك البيت الآخر الذي نشأ فيه، وهو لا يختلف عن الأول، قد أعيد بناؤهما من قبل سكان القريتين بصفة مطابقة للأصل وبدقة فائقة، كما يزعم الناس هناك علي الأقل. هناك أيضا متحف صغير تستعرض فيه فصول من حياة هوشي منه منذ الصبا حتي آخر سنوات حياته. بعدها زيارة ضريح أمه فوق قمة جبل يقع بين القريتين ومدينة فينه، وهو الآن عبارة عن مزار صغير يأتيه الزوار من كل مكان يترحمون هناك علي روح المرأة التي تعد لدي أهل فييتنام الشمالية علي الأقل مثالا للتقوي والاستقامة والالتزام بدورها كمدرّسة وكربّة بيت وأم. والكثيرون يجلّونها ويكنّون لها ما يكنّ الناس للقدّيسين من احترام وتقدير.في مدينة فينه ساحة شاسعة لا تقل رحابة عن ميدان تيان آن مان في بيجينغ، وينتصب في آخرها تمثال لهوشي منه بعلوّ 17 مترا.المحطة الثالثة: هُوي هوي شطران، بل مدينتان؛ هوي العتيقة وهوي الجديدة، وبينهما نهر Song Huong Giang، أو نهر العطر الشذيّ. عاصمة مملكة أمراء نغويان Nguyen منذ القرن السابع عشر حتي القرن التاسع عشر. في الشطر القديم من المدينة يوجد القصر الإمبراطوري الشبيه في هندسته وطرازه المعماري بالمدينة المحرّمة بيجينغ، بل هو في الحقيقة نسخة رديئة للمدينة المحرمة. كل شيء في هذا القصر كما في معالم أخري مثل معبد الآداب في هانوي يفشي تأثرا واضحا بنمط إمبراطورية الوسط وولعا بتقليدها في كل شيء، أو محاولة التحرش بشيء من المباراة معها. الأهم من هذا كله، والدافع إلي زيارة هوي التي غدت الآن مدينة سياحية مضجرة ـ كان الرغبة في زيارة نفق فينه موك Vinh Moc الذي بناه جيش التحرير الفييتنامي لإيواء سكان قرية الصيادين (فنه موك) التي تم قصفها وتدميرها كليا من طرف الجيش الأمريكي في منتصف الستينات؛ آلاف من أطنان القنابل حولت القرية والأدغال المحيطة بها إلي قفر شبيه بسطح القمر. نفق فينه موك الذي تم حفره وبناؤه خلال سنتي 1966 و1967 هو متاهة بالغة التعقيد يبلغ طولها 12 كيلومترا وقد آوت سكان القرية لمدة خمس سنوات. لكن لم تكن للنفق في الحقيقة سوي هذه الوظيفة التي لا يذكر الإعلام الرسمي غيرها، بل كان يلعب دور المعبر السري لعساكر هوشي منه القادمين من المناطق الشمالية وكذلك لتزويد جيش التحرير بالأسلحة التي كانت تستجلب من طريق البحر، ذلك أن النفق يفتح مباشرة علي الشاطئ حيث كانت توجد قرية فينه موك التي اختفت نهائيا ولم يعد بناؤها إلي اليوم. ـ زيارة منطقة مرتفعات كي زان Khe Sanh التي تربطها بالسواحل وبالشمال الفييتنامي الطريق المسماة بدرب هوشي منه، وهو الدرب الذي بني لعبور قوات جيش التحرير الشمالية باتجاه الجنوب. كانت كي زان مسرحا لأشرس المعارك وأكثرها دموية التي دارت بين الجيش الفييتنامي والقوات الأمريكية القادمة من الجنوب سنة 1968، معارك قد أطلق عليها الجنرال الأمريكي الذي كان يقود الكتائب الأمريكية الخمس القادمة من الجنوب اسم ديان بيان فو الثانية. وقد كانت بالفعل ديان بيان فو ثانية تقرر علي إثرها مصير الحرب من بعد، إضافة الي تشابه الظروف المناخية والطبيعية التي دارت فيها تلك المعارك وكذلك من جهة الخطة الحربية نفسها التي اتخذها الجنرال جياب في كلتا المعركتين. في آخر المرتفع يوجد الآن متحف عسكري يخلد ذكري تلك المعارك ويضم من بين ما يضم طائرات أمريكية من نوع الهيلكوبتر الحربية وحطام طائرات أخري ومدافع وقنابل بأحجام مخيفة وألبسة عسكرية وخوذات وبنادق…. في ما عدا ذلك مدينة هوي مركز سياحي مزعج والسكان في أغلبيتهم يعملون في مؤسسات لها علاقة بالسياحة من مطاعم وفنادق ووكالات أسفار ومكاتب لتغيير العملة ومحلات بيع للتحف التذكارية والملابس التقليدية، إلي سوّاق الدرّاجات النارية المرابطين ليلا نهارا أمام الفنادق والمطاعم وفي زوايا الشوارع والذين يدمّرون أعصاب الغريب بنداءاتهم المتكررة والملحّة : Hallao!Hallao، هكذا ينطق الفييتناميون Hello:Hallao, motobike? Hallao,you want a lady? Hallao,where you going? Hallao,where you from? ملاحقة مستمرة وبإلحاح لم أر له مثيلا في أي بلاد مما أعرف إلي حد الآن؛ لا تكاد تقطع ثلاث خطوات دون أن تسمع نداء هذه الهالاو الكريهة. لم يكن الأمر يختلف كثيرا في هانوي أيضا… يا لأعصابي المسكينة!المحطة الرابعة: قوي نيون نسيت جنغ خه منذ أن افترقت طرقنا في مدينة فوجو يوم 18 من شهر تشرين الثاني (نوفمبر). هدنة مؤقتة مع هوس ملاحقته والبحث عن آثاره. قوي نيون مدينة ساحلية بائسة. مرفأ بحري يقع في حوض واسع وعميق تحيط به الجبال من الجهات الثلاث، مثل بحيرة ماوي بفوجو تقريبا. أدخل المدينة ليلا. ليلة ممطرة، المطر بالمناسبة لم يفارقنا منذ خمسة أيام، والرحلة إلي فينه موك ومرتفعات كي زانغ كانت رحلة خبط في المياه والأوحال. محطة القطارات في قرية تبعد 12 كيلومترا عن وسط المدينة. سائق التاكسي يبدو أنه وجد متعة في التفسح بي عبر شوارع المدينة وهو يفتعل البحث عن الفندق الذي طلبت منه أن يوصلني إليه، وقد وضعت الورقة باسم الفندق والعنوان المضبوط تحت أنفه وهو لا يفهم مني كلمة واحدة ويكتفي بترديد عبارة: أوكي! أوكي! التي أصبحت أمقتها وأتوتر لمجرّد سماعها لكثرة ما جلبت لي من المفاجآت غير السارة. أخيرا أضجر من لفه ودورانه وأطلب منه أن ينزلني في مكان بدا لي هو مركز المدينة لأتجه إلي أول فندق يعترضني. فندق بائس كما لم أشهد من البؤس إلي حدّ الآن خلال هذه الرحلة. الجدران محزّزة بثعابين من الرطوبة، وأحيانا خرائط مبهمة. الرائحة التي تنبعث من الحمّام كارثة والفراش يبدو كما لو قد دارت فوقه معارك طاحنة وأشد ضراوة من معارك كي زانغ. معنويات هابطة!اليوم الموالي: مطر والمعنويات في هبوط ملحوظ. يعاودني الشعور بالندم علي تورطي في هذه الرحلة العجيبة المرهقة؛ هذا الركض الجنوني من مدينة إلي أخري، دون استراحة، دون جلوس ليومين أو ثلاثة أيام، هكذا دون هدف سوي التفرج ببرودة علي العالم من حولي. مالي وهذا الرجل الذي أركض وراء آثاره؟ ما الذي يربطني بأميرال صيني ـ مسلم أو غير مسلم فذلك سيّان؟ أميرال لم يكن رحّالة ولا مغامرا، بل قائدا عسكريا ورئيس بعثات دبلوماسية وتجارية كان يعبر البحار في موكب هائل من السفن والبوارج الحربية والعساكر والأطباء والخدم، محمّلا بالكنوز والذخائر والمؤونة، مدججا بالأسلحة….؟ أشعر بالغيظ من نوري الجراح رأس فتنة هذه المؤامرة الغريبة، وكذلك علي نفسي الأمّارة بشتي الحماقات…. جنغ خه؟! جنغ خـ…! الأميرال الذي لم يكن ليجرجر حقائبه ولا ليحل بين شتي أرهاط المحتالين والنشالين والعاهرات والقوادين، لا يركض في الشوارع مثل الأحمق ولا يقتل نفسه مستجديا من الناس معلومة، كلمة واحدة يفهمها عنهم أو يفهمونها عنه؛ هو الذي لا تدمي ساقاه من كثرة المشي، والذي ينزل معززا مكرما في قصور الملوك وتنحني أمامه الرقاب والهامات كممثل لعرش ابن السماء!علي مثل هذه الخواطر انغمست في نومي المتقلب في غرفتي التي تفوح برائحة الرطوبة والبول والغائط، وعلي مثله صحوت في الصباح وأنا أعرف أنني لن أجد في هذا الفندق الحقير ولا حتي قهوتي الصباحية التي تطرد عني شيئا من كوابيس الليل وأرواحه الشريرة. … لكنني الآن بالرغم من كل شيء قريب من موقع خطاه علي ما أعتقد. ألم أكن طوال الطريق المتعرجة التي أبعدتني عن طريقه أشعر بشيء من وخز الضمير كما لو أنني تخليت عن واجب، أو خنت رفيق درب وهربت عنه؟ يراودني حمق الهوس بملاحقته من جديد! أشعر برغبة شديدة في الوصول إلي الميناء. لكن أين هو الميناء في هذه المدينة العائمة في المطر؟ أسأل الناس، في الفندق البائس، ثم في الفندق الثاني الذي انتقلت إليه صباحا، في المقهي الذي تناولت فيه فطورا لا تحسدك عليه الكلاب الجائعة: هل يوجد ميناء هنا؟ أين يوجد الميناء؟ وتجيبني الدهشة في العيون. تلك الدهشة البلهاء ـ كما في فوجو ـ المرفوقة بصمت غريب متبرّم أحيانا، وأحيانا بابتسامة لا تقل بلاهة عن تلك النظرات. لقد غدت ردّة الفعل هذه خبزي اليومي منذ عدّة أسابيع. والآن بعد أن تعوّدت عليها، لم أعد أتوتّر أو أغضب، بل أصبحت أردّ عليها بنظرة لا تقل دهشة، أو أفتعل الدهشة والابتسام بدوري ابتسامة لا تقل بلاهة عن تلك الابتسامات ثم أودّع شاكرا وأنا أردد بدوري: أوكي، أوكي. ثانك يو!أوكي أوكي!أخيرا أطلب سيّارة تاكسي من الفندق. أفسّر غرضي لموظفة الاستقبال التي تجيد الإنكليزية علي الطريقة الفييتنامية. لا أحكي لها عن ميناء ولا عن جنغ خه تجنبا لنظرة الدهشة والبهتة التي قد تفسد علينا حماسها وتفانيها في بذل الجهد لمساعدتي بالرغم من كل شيء. بالمناسبة الناس هنا في أغلب الحالات خدومون ويبذلون قصاري جهدهم لخدمتك بالرغم من عوائق التفاهم، لكن شريطة أن تدع لهم المجال to not lose the face ؛ أي أن لا تشعرهم بأنهم هم الذين لا يفهمون، بل أن تجعل من نفسك، أنت الغريب، الطرف الذي لا يفهم ـ وذلك يحق لك بطبيعة الحال كغريب، بل إن ذلك يجعلهم يشعرون بشيء من البهجة في دورهم كأناس يسعون لمساعدة واحد غريب لا يفهم شيئا من أمور البلاد، وقد يكون من أمور الدنيا عامّة. أقول لمضيفة الاستقبال: أريد أن أري البحر:the beach، وأريد أن أتغذي في مطعم علي الشاطئ. أوكي! أوكي! سائق التاكسي لم يرد أن يفهم لا كلمة Beach ولا كلمةRestaurant، ولا حتي أن يفقه ما الذي أريده من وراء فتح قاموسي المصور ووضع صورة لبحر وسفن أمام عينيه. موظفة الاستقبال هي التي حلّت الإشكال. فهم صاحبنا إذن ما الذي أريده: آ، أوكي، أوكي! عند وصولنا إلي الشاطئ أشار إلي مطعم وحانة وهو يريد أن يتركني هناك. لكنني أشرت له بيدي أن يواصل السير محاولا أن أفسر له بالإشارات وبابتسامة بلهاء مفتعلة بأنني أريد أن أتفرّج قليلا علي الماء. أخيرا لمحنا زوارق، ثم بعض سفن في البعيد. إنه المرفأ! أبتسم له ببراءتي المفتعلة وأنا أشير إلي الكاميرا التي في يدي. أوكي، أوكي ! يقول لي ويواصل السير بسرعة. بعدها بدأنا نتفاهم. توقفنا العديد من المرات لأخذ بعض الصور تحت رذاذ المطر في ميناء الصيد، لكننا لم نستطع دخول الميناء التجاري حيث كانت تتراءي لي من بعيد بواخر شحن كبيرة. أجابني بما معناه أنه غير مسموح لنا بالدخول. فكان علينا أن نظل نلف حوله من جميع الجهات وصاحبنا قد بدأ يجد متعة في هذه الجولة الغريبة والنزهة الطويلة وهو يري إلي الأرقام تتقافز فوق عدّاده قفزا يهدد جيبي بالويل ويعد جيبه بيوم سعيد. وجدت الميناء وحمت حوله من بعيد بعد أن ودعت سائق التاكسي عند انقطاع المطر. لكنني لم أكن أشعر بأنني قد وجدت شيئا لا من آثار جنغ خه، ولا شيئا من أسواق تلك المدينة التي كانت معبرا لبضائع الصين إلي بلاد أنّام في ما مضي. أرتحل عن هذه المدينة بشيء من الشعور بالضجر وخيبة الأمل. المحطة الخامسة: سايغون أو هوشي منه سيتي ، حسب التسمية الجديدة لما بعد توحيد شطري فييتنام . لكن الكثيرين من أهلها ما يزالون يصرون علي الاحتفاظ بالاسم القديم.أكثر من 750 كيلومترا من قوي نيون إلي سايغون. أقتطع تذكرة بالحافلة، وفي اليوم الموالي أفاجأ ساعة السفر بأن ما قُدّم لي علي أنه حافلة ليست في الحقيقة سوي سيارة أجرة: ميني ـ ميني باص بعشرة مقاعد متلاصقة. كذا هي الدقّة في بلاد فييتنام! أكثر من 12 ساعة سنقضيها داخل تلك السيارة اللعينة. حوالي الساعة الخامسة مساء كنا علي أبواب سايغون. لكن الأمر تطلب أكثر من ساعة ونصف قبل أن تجتاز تلك الضواحي الصناعية الغائمة عبر طريق بطيئة الحركة وشديدة الازدحام حد الاختناق، كي نبلغ أخيرا موقعا متقدما داخل المدينة. لكن سرعان ما اتضح لي أن السيارة اللعينة قد تركتنا في محطة للحافلات تبعد 12 كيلومترا عن وسط المدينة، وكان ذلك مرة أخري من حسن حظ التاكسي التي ستزدرد مبلغا محترما من جيبي. مدينة كولونياليةسايغون تحمل طابعين كولونياليين. الأول فرنسي ويتجلي علي مستوي المعمار، ولكن بصفة أكثر أبهة في بعض المناطق مما عليه المعمار المتواضع في هانوي مثلا. أما الثاني فأميركي ويظهر من خلال السلوك والميول والتعاطف الكبير الذي يكنه الكثيرون من أهل سايغون إلي أميركا والأمريكيين. حانات شارع فام نون لاو ومطاعمها ومراقصها ما تزال علي عهدها القديم ـ عهد الستينات وبداية السبعينات. هنا يلتقي المرء إلي جانب السياح الكثيرين بعدد كبير من قدماء محاربي فييتنام من الأمريكيين بيضا وسودا علي حد السواء، يجلسون طوال اليوم، ومنذ ساعة مبكرة حتي ساعة متأخرة من الليل داخل الحانات وأمامها محاطين بكوكبات من المومسات والطاولات أمامهم مزدحمة بزجاجات البيرة. مشهد من تلك المشاهد التي كنا نراها سابقا علي شاشات التلفزيون أو في الأفلام الوثائقية عن سايغون المستعمرة، أو المحمية الأمريكية. التناقض واضح صارخ بين هانوي التي تبدو هنا مثل قرية أو مدينة قروية وسايغون، لا علي مستوي المعمار ونمط العيش والسلوك، بل في الثراء أيضا. هنا وفي الجنوب عامة تجتمع جل الأنشطة الاقتصادية الحيوية وهنا مركز الحركة الصناعية والتجارية أيضا. إلي جانب ذلك ما تزال الحزازات بين أهل الشمال الشيوعي والجنوب الرأسمالي قائمة لا تمحي. أهل هانوي يعتبرون أهل سايغون سطحيين وغير أصيلين، بينما يعتبر أهل سايغون الشماليين عامة وهانوي خاصة متخلفين وقرويين وشيوعيين متزمتين. سايغون تبدو أكثر خفّة من هانوي لكنها أقل عفويّة والناس أقل تلقائية . المدينة استعراضية وأكثر تبجحا من هانوي والمدن الشمالية الأخري: من المعمار، إلي المتاجر والمطاعم الفاخرة إلي أفخاذ الفتيات. سألني نوري الجرَّاح ذات مرة أن أتثبت في سايغون وأحاول العثور علي بقايا لقطاء الأمريكيين هناك. وأنا أقول لنوري إن أغلب سايغون لقيطة أمريكية في سلوكاتها ونموذجها الحياتي ذي الخفة الأمريكية وصولا إلي المخدرات الرائجة هنا رواجا يكاد لا يستتر. وأنت إذا ما جلست في إحدي بارات شارع فام نو لاو أو أمامها فستُسأل بصفة مستمرة من قبل أناس يقفون طوال الوقت في الشارع: you want marijuana? Cocaine? Heroine? إضافة إلي السؤال المعتاد: Motobike? maage? you want a lady? (باختصار: هل تريد مخدرات؟ هل تريد نساء؟).رأيت الكثير من الوجوه ذات الملامح الخلاسية ـ أو إن شئت اللقيطة، بعضها أبيض البشرة تقريبا بأعين أكثر اتساعا من أعين الآسيويين، والبعض داكن أكثر من سمرة الآسيويين، بأنوف عريضة ومفلطحة وشفاه أغلظ من شفاه الآسيويين. الكثيرون من هؤلاء رجالا ونساء يرتادون حانات شارع فام نو لاو الشهير والأزقة المتفرعة عنه، والبعض منهم/منهن لا يفارقن مائدة قدماء المحاربين، متمسحات بأذرعهم المحززة بالأوشام. من بين هاته النساء ـ الفتيات واحدة لا تكف عن اللف جيئة وذهابا في زقاق الفندق الذي كنت أسكن به وبيدها دائما حزمة من الدولارات المزيفة توزعها علي من تريد، أو من تشعر بتعاطف معه. مسجد في سايغونأخيرا عثرت علي المسجد الإسلامي الشهير بسايغون بعد بحث طويل. النص الذي قرأته عنه في الدليل السياحي يؤكد علي أنه بناية بيضاء شامخة وسط الحي الأوروبي لشانغهاي، وأن صومعته البيضاء تخترق الفضاء متجاوزة بطولها البنايات المحيطة. لكنني بعد أكثر من ساعة من اللف حول المكان دون جدوي سأكتشف أنني مررت من أمامه وورائه أكثر من ثلاث أو أربع مرات دون أن أراه، لأن البنايات الجديدة العالية للبنوك والفنادق الجديدة الفاخرة قد غدت منذ مدة من الزمن تحجبه عن الأنظار. وبالتالي فإن ما كان في منتصف القرن العشرين بناية بيضاء مهيبة ترتفع من بين المقاهي والملاهي والحانات في هذا الحي الصاخب لم يعد سوي بيت متواضع متوار وراء الأكداس العمرانية الجديدة. المسجد الجامع قد بناه المسلمون الهنود سنة 1935. وبما أن هؤلاء كانوا من التجار الأثرياء وأنهم كانوا يمارسون عمليات الإقراض بالفوائض فقد أطلق الفييتناميون علي المسجد آنذاك إسم Bank of India، لكنني عندما سألت أحد الرجال الذين التقيتهم هناك عن هؤلاء الهنود ابتسم وقال لي: ارتحلوا. ـ إلي أين؟ ـ إلي أميركا وكندا في أغلبيتهم.ـ هل ارتحلوا أثناء الحرب؟ مرة أخري يبتسم محادثي ويجيبني: لا بل بعد الحرب. لم يكونوا يحبون النظام الشيوعي. أسأله ثانية: لكن الكثيرين من الفييتناميين قد ارتحلوا آنذاك والعالم جميعا قد سمع عن قوارب اللاجئين الشهيرة المعروفة باسم Boat people. ـ لا، ليس الفييتناميون الأصليون، بل الهنود والصينيون. أنت تعرف أن الهنود مثلهم مثل الصينيين يرحلون بسهولة، أما الفييتنامي فإنه يفضل بصفة عامة وفي كل الأحوال البقاء في بلاده. أضيف مازحا: إذن لم يعد هذا المسجد بنك الهند؟ يبتسم مرة أخري ويقول لي: من أين تعرف هذا؟ لا.. إن ذلك أمر قديم. 7