التقته: فاطمة عطفةالتاريخ علم المستقبل ، كما يقال. والعالم المتحضر يرتكز دائما على الماضي وما فيه من كنوز عمرانية وثقافية وتحف أثرية. وتبقى القطع الفنية التراثية بكل أنواعها تسجل ملامح من ذلك الماضي العريق لشعوب وأجيال عاشت وأبدعت ثم رحلت. من هذه الأهمية نجد أن هناك عصابات وتجمعات مختصة بسرقة ذخائر التراث، وهي بالعادة تسبق أو ترافق الحروب والغزوات التي تحدث في منطقة ما، كما حدث في سرقة آثار العراق واليوم في سوريا وغيرها. وإذا كنا، نحن العرب، لا نعطي أهمية كافية لحماية كنوزنا الأثرية التي أصبح أكثرها في المتاحف الأوربية، لذلك نجد التجارة رائجة دوما للآثار، كما نجد أن هناك وطنيين حريصين على حفظ هذا التراث وهم من محبي المقتنيات التاريخية النادرة. واليوم كان لقاء ‘القدس العربي’ مع السيد علي سردار البياتي مدير شركة ‘المصب’ الإماراتية لجمع وبيع التحف الفنية النادرة. وها هو يحدثنا عن بداية محبته لهذه الهواية الجميلة قائلا:’بدأت محبتي لجمع الأنتيكا من الصغر، ومعظم العراقيين عندهم شغف وثقافة تجميع التحف لأنها حضارة قديمة متراكمة عندنا عبر التاريخ، لذلك يهمني البحث واقتناء التحف الفنية والتراثية’.وعن الطريقة التي يتبعها في عملية البحث لمعرفة مكان هذه القطع والتأكد من المواصفات العلمية المطلوبة للتأكد من صحتها التاريخية، سواء كانت تتم عن طريق الإنترنيت، أو من خلال التواصل الشخصي مع التجار والمهتمين، يوضح البياتي قائلا: ‘نحن طبعا نتابع السوق العالمي والمزادات، وكل شيء الآن صار متوفرا بواسطة النت أو من خلال المزادات العالمية، وهذا يعود أيضا لاهتمام المقتني وبأي نوع يهتم، هناك من يهتم فقط بالبرونز أو بالأسلحة أو بالزجاج والسجاد، والبعض يبحث فقط عن اللوحات الفنية أو المجوهرات، لكل واحد وهوايته وما يحب أن يقتنية. وهذه الكنوز معروفة ولها تاريخها المسجل’.ويشرح البياتي عن بعض القطع الفنية الموجودة بالمعرض قائلا: ‘لكل قطعة فنية رواية وقصة، مثلا: السجاد الذي ترينه أمامك له قصة وملامح مشهودة في سجلها الحضاري، والبرونز والنحت وما عليه له قصة، الرموز الموجودة بالفن تحكي قصص الحضارات القديمة من التاريخ وقصص الشعوب التي صنعتها، وهناك قطع عليها نقوش تشير لتكوين الحياة في ذلك المكان وذلك العهد’.وعن كيفية التأكد من سلامة وصحة الاحف الأثرية من أن لا تكون مقلدة أو مزورة، وإن كان الثقة متوفرة في حالة الشراء عن طريقة الإنترنيت يؤكد السيد علي: ‘الأفضل أن تفحص القطع عند الشراء، لكن إذا كان المصدر موثوقا به أو المزاد أيضا موثوقا وله سمعة عالمية فإن عملية الشراء المباشرة تكوم مضمونة. أما عن طريق الإنترنيت، طبعا المسألة تحتاج للتراسل والتأكد بطرق مختلفة من سلامة القطعة ودقة المواصفات قبل الشراء، ويجب أن تجري دراسة خاصة لعملية الشراء خوفا من التقليد. وبهذه الحالة نحن نأخذ مهلة 30 يوما، وهذا حق للمشتري أن يرد القطعة إذا أثبت منطقيا وقانونيا أنها بغير المواصفات التي تمت فيها عملية الشراء، بهذه الحالة يمكن ترجيع القطعة’.ولأن السيد البياتي مختص في التراث ومقتنياته نسأله إن كان الفن الحديث يحمل المواصفات الجمالية ورونقها الذي امتازت به في القديم، وأين يكمن الاختلاف بين الحديث والقديم، يوضح لنا ذلك بثقة قائلا: ‘أنا ما زلت أحب وأفضل القديم لأنني حاليا أشعر كأننا ما زلنا عايشين بفترة فيها لغز، سواء ما يتعلق بالأديان، التاريخ، التقاليد، هنا أصبحنا نتسأل أين الغلط وأين الصح، بينما القديم موجود ويرجع إلى حقبة معينة من زمن ما بين النهرين، كل التاريخ موجود فيه’.وعن أهم القطع الموجودة في المعرض يشير البياتي إلى كنوزه بحركة واسعة قائلا: ‘أغلب هذه التحف جميلة ومميزة: وتحتاج أن تدرس سواء الرموز التي حفرت عليها من أشعار وكلمات، وهناك أيضا الفضة الروسية المميزة، والصينية أيضا، إضافة إلى السجاد الفارسي، وهناك لوحات فنية من العراق تعود لأسماء فنانين عراقيين كبار، وتحف من تركيا أيضا’.وعن سلامة البيئة التي يجب أن تكون لحماية المقتنيات وخاصة المخطوطات الورقية، يوضح البياتي بقوله: ‘بالتأكيد، تحتاج المقتنيات دائما إلى خبراء في عملية تلميع وترميم وهذا يتم بأيدي خبراء مختصين لهذا الأمر، خاصة أن عملية حفظ المخطوطات واللوحات الفنية تحتاج للكثير من الدقة في الحفاظ عليها، لأن الورق قابل للتلف بسرعة، هذا الأمر نحتاط له وهو مكلف أيضا. أما بقية القطع من البرونز أو الزجاج تكون صيانتها أسهل، والصعوبة فقط بالنقل وعند العرض نخاف من تعرضها للكسر وننتبه ونحرص على سلامتها’.وصل إلى وجع الاحتلال ونسأل البياتي عن المقتنيات العراقية عندما سرقت في الغزو الأميركي إن كان استرجع شيئا من تلك الكنوز المنهوبة وهل هو يتابع مظان أسواقها: ‘طبعا نحن نتابع هذا الشيء ويهمني هذا الأمر، وتلك التحف يجب أن ترجع وعلينا أن نعمل بكل الوسائل على ترجيعها، فقد كانت هناك جريمة منظمة وقوية جدا للسرقة، دائما الجريمة تستطيع أن تنافس السلطة، لذلك قطع عديدة أثرية مهمة طلعت من العراق، ويجب علينا جميعا أن نعمل على استرجاعها، سواء بأن يعمم على مواصفاتها بطريقة الإعلام والإنترنيت أو يعمل بحث واستطلاع عنها. وهناك قطع كثيرة وكنوز أثرية طلعت من العراق من أيام الملكة فكتوريا مهمة جدا وكلها تحمل علامات من التاريخ، وفيها خصائص متميزة لروح الصانع من القرن التاسع عشر، لأن الحكومات وقتها كانت ضعيفة، وهذه القطع موجودة الآن في متاحب أوربا، لأن معظم المنظمات السرية وزعامات العالم يمارسون هذه الطقوس من القرصنة ويعرفون أسرارها’. وجدير بالذكر أن هذا المعرض ضم تحفا فنية نادرة عرضتها شركة المصب الإماراتية (Estuary) في المزاد العلني الرابع الذي أقيم في فندق قصر الإمارات بأبوظبي، وضم أكثر من 400 قطعة فنية نادرة. ومن بين هذه المعروضات كان سيف السلطان العثماني عبد العزيز خان المصنوع من الحديد الدمشقي، ومخطوط لقرآن كريم يعود تاريخه إلى أوائل القرن السادس عشر، مدون بخط الخطاط الشهير عبدالله طباخ، والملقب عبدالله هراوي، ويتميز بالدقة والألوان الجميلة. وهناك لوحة زيتية للفنان الهندي جامنيروي (1887- 1972) كان أنجزها قبل وفاته بعامين، ويصور في هذا العمل المهاتما غاندي، وشاعر الهند الكبير طاغور، إضافة إلى سماور من الفضة يحمل توقيع بافل آكيموف أوفتشينيكوف، وهو أحد أشهر صناع الفضة في القرن التاسع عشر في روسيا القيصرية. ومن المعادن الثمينة عقد من الذهب والألماس صنعه لورنس غراف ويعتبر من أهم صناع المجوهرات في القرنين العشرين والحادي والعشرين في بريطانيا، يتوسط العقد حجر من الياقوت الطبيعي غير المعالج ويزن 61.45 قيراطا. وهناك أيضا قطع من الأثاث يرجع تاريخها إلى القرون الثلاثة الأخيرة: الثامن عشر والقرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، إضافة إلى القطع الفنية العالية القيمة من الزجاج والبورسلان والبرونز كتمثال باشا عثماني مصنوع في القرن التاسع عشر وهو من البرونز المذهب والعاج من قبل الصانع الفرنسي الشهير (أوميرث جورج) ويحمل ختمه، وهناك سيف السلطان العثماني عبد العزيز خان، الذي مر ذكره وقد حكم ما بين 1830 و1876، وهو السلطان الوحيد الذي زار دولاً خارج حدود السلطنة العثمانية مثل: ألمانيا، وفرنسا، ومصر. وهذا السيف مصنوع من الحديد الدمشقي المكفت بالذهب بكتابات عربية إسلامية، ومغلف بالفضة حيث نقشت عليه نقوش متقنة، وممهور بختم السلطان وهو ختم الفضة الخاص بالحقبة التي حكم فيها. ومن بين المعروضات عرضت قطع نادرة من الصناعات الإيرانية تمثل مجموعة قيمة من السجاد الشرقي الإيراني والقفقازي والتركي، منها سجادة كاشان مصنوعة من خيوط الحرير والفضة في منتصف القرن التاسع عشر، ومجموعة من الكاشان والحرير والصوف المحتشمي مصنوعة من قبل الصانع الشهير محتشمي في نهاية القرن التاسع عشر، بالإضافة إلى سجاد نادر مصنوع من خيوط الفضة والحرير في هركة بتركيا في القرن التاسع عشر، وقطع مهمة من السجاد مثل كرمان لاور، وأصفهان أحمدي، وطهران، وتبريز، وسجادة شيروان نادرة جداً من صنع بلاد القفقاز تمثل بيت المقدس وتعود إلى القرن التاسع عشر، إضافة إلى العديد من التحف والفضيات والعملات والأعمال الفنية القيمة. qmaqpt