اصرخي يا أرض.. توقفي ايتها الارض
رائد البطش ابن الثامنة ومحمود البطش ابن الخامسة عشرة وشاب آخر هو احمد السوسي قتلوا في قصف جوي اسرائيلي في السادس من اذار (مارس) في قطاع غزة ابان تصفية مشبوهين بالانتماء للجهاد الاسلامي. ام احد الطفلين وسبعة من المارة اصيبوا في الحادث.
صرختي هذه ليست موجهة لقائد سلاح الجو ولا لرئيس هيئة الاركان ولا حتي لوزير الدفاع: وهي بالتأكيد ليست موجهة للقائم باعمال رئيس الوزراء كلهم من انصار الاغتيالات المركزة التي تفقد تمركزها في مرات كثيرة لتقتل المارة الفلسطينيين الذين لا ذنب لهم ولا جريرة. وبعد ذلك يقومون بالاعتذار بصوت منخفض واهن باسم المفاجأة لان اولئك الضحايا تجرأوا علي السير في حارتهم وشراء احتياجاتهم من المحلات القريبة. صرختي موجهة الي شعبي. اباء وامهات وابناء وبنات، الي قادة الاحزاب ـ وكذلك الي قادة اليسار الصهيوني ـ الذين لا يتألمون للقتل العبثي (وكأن هناك قتلا مفيدا) للصبيان والبنات الذين يطل الخوف من عيونهم والذين يعتبر بديل جهنم القتل والحواجز هو جنة عدن الان.
كان من المفترض أن يتغير جدول أعمالنا السياسي الا ان الصحافيين الموهوبين يكرسون وقتهم وجهودهم لاكتشاف بؤر الفساد الجديدة ـ القديمة، والسياسيين واعضاء الكنيست مشغولون بالتحقيق في الشعر المستعار علي رأس آفي ايتام وفي ذراع عضو الكنيست ارييه الداد المصنوعة من الجبص. الاطفال المقتولون لا يدفعونهم للرمش في مواجهة شاشة التلفاز. المطلب رفع راتب الحد الادني هو مطلب عادل وجدير ولكنه متدني المرتب مقابل سنوات عمر الاطفال التي تنتزع منهم في غزة. وحتي بيان منظمة جديرة ونزيهة جدا مثل السلام الان لاحياء الذكري السنوية لتقرير البؤر الاستيطانية غير القانونية لتاليا ساسون كان من الجدير ان يخلي مكانه لبيان حول الاطفال المقتولين علي يد الجيش الاسرائيلي في الاشهر الاخيرة.
حتي من ينادي بـ القوة في مواجهة حماس يجب ان تكون لديه بعض الشفقة علي الاطفال الذين تعتمد حياتهم علي خيط شعرة او علي الاصح: علي شظايا قنبلة او علي مهداف بندقية قناص اسرائيلي. علي سبيل المثال، عدي طنطاوي ابن الثلاثة عشر ربيعا الذي قتل في مخيم عسكر للاجئين في نابلس ومناضل ابو عليا ابن الثالثة عشرة الذي قتل بجانب قريته قرب رام الله علي طريق مستوطنة كوخاف شاحر. ولا تقولوا ان هذه ضرورة لا مفر منها من أجل امن الدولة والحفاظ علي حياة اطفالنا. لا ضرورة لقتل ابناء العدو حتي ينقذوا حياة أطفالنا. لا ضرورة لقتل اطفال العدو من أجل انقاذ اطفالنا. ولا يمكن المغفرة والتسامح معهم بحجة عدم القصد ـ هذا مقابل ارهابهم البشع. حقنا في الدفاع عن أنفسنا لا يوفر لنا الحق في القيام بأعمال تتعارض مع المعايير الانسانية واليهودية. صرختي هي صرخة أب يحاول الحفاظ علي بقائه خلال السنوات العشرة الاخيرة منذ أن سقط ابنه ولا يجد للراحة طعما ولا يستطيع الاستراحة من الاعمال الانتقامية ولا يستطيع كذلك أن يعيش في محيط يقدس القتل والمزيد من القتل عندنا وعندهم. صرختي ليست بمثابة احتجاج حتي: هي تأتي لتقول لشعب اسرائيل الي أي مدي يحزنني ان اكون جزءا من آلة القتل القومية والي أي حد أتألم من العيش مع فقدان ولدي ومع استمرار اراقة الدماء بين الجانبين. صرختي تجسد الي أي حد اخشي من أن أذرف دمعة علي فقدان الاطفال الذي كان كل خطأهم هو انهم ابناء الجيل الثاني او الثالث الذي يعيش في ظل احتلال متواصل من دون أمل بالتغيير والي أي حد أشعر بخيبة الامل منا جميعا لاننا لا نمتطي الخيل من اجل تشكيل درع انسانية لحماية اطفال غزة ونابلس والبريج. اصرخي يا ارضي المحبوبة علي ابنائك الذين سقطوا واولئك الذين اعتادوا علي الموت ويتقبلون موت رائد البطش ومحمود البطش وغيرهم من الاطفال الذين يزيدون علي السبعمئة طفل (اقل من 13 سنة) خلال سنوات الانتفاضة الخمسة عندنا وعندهم ـ بكل بساطة.
يونا بيرغورعضو في جمعية العائلات الثكلي من اجل السلام والمصالحة والتسامح(معاريف) 13/3/2006