أحمد السنوسي نشرت أسبوعية ‘لوكانار أونشيني’ الفرنسية التي احتفلت هذه السنة بعامها السادس والتسعين من الحضور الساخر والنافذ في المشهد السياسي الفرنسي، في عددها ليوم 24 آب/اغسطس 2011 كاريكاتورا لأحد رساميها يختزل وعود الرئيس السوري بالاحتكام ‘الديمقراطي’ لصناديق الاقتراع في دبابة تحمل صندوق اقتراع له امتداد في شكل مدفع يصوّب فوهته نحو صدور الجماهير.
ولا شك ان الاسد لا يملك من الجبروت ما يسمح له بتقطيع اصابع رسامي ‘لوكانار أنشيني’، لكن كانت له من ‘القوة’ هو وأجهزته القمعية، لتبعث بعناصر ملثمة من أفرادها لاختطاف الرسام علي فرزات الأعزل الا من قلم رصاصه، في مواجهة جلاديه المدججين بأحزمة الرصاص، والتنكيل به واخضاعه لحصة تعذيب شملت كافة اطراف جسده ولم تستثن بطبيعة الحال اصابع اليد التي ابدعت رسوماً ساءلت الواقع السوري والنظام ‘الصّوري’ وكل انظمة القهر العربية، بنفس الطريقة التي ساءل بها الصديق الشهيد المبدع ناجي العلي وضميره المستتر في جبّة حنظلة، محيطه الخاص وأشجان شعبه، فجاءت رصاصة غادرة حاقدة لتحطم قلمه دون ان تنجح في تغييب السؤال العربي المحوري حول طبيعة تتغذى بإدمان رهيب من دماء شعوبها. هذه الأنظمة المستبدة، تملك تراثا غنيا في مجال تكسير اصابع حملة الأقلام واختطاف واغتيال ونفي كل من قال ‘لا’ علنا ضد الديكتاتور بنفس الطريقة التي ألجمت بها سلطة زمن غابر صوت ابن المقفع صاحب ‘كليلة ودمنة’ حين قتل ودفن، ثم عمدوا الى اخراجه من قبره للعبث بجسده وكأن موتا واحدة لا تكفي حين يوظف المبدع يراعه وفنه كمرآة تعكس مواطن الخلل واهتزاز القيم في ظل الطغيان الآثم الذي يستبيح كرامة الانسان. وقد حوكم أب السخرية العربية الجاحظ والاغلال تقيد رجليه، وخاطبه قاضي ذلك الزمان بالقول: ‘اني أثق في ظرفك ولا أثق بدينك’ بعد ان فشلت السلطة في اغراء الجاحظ بالعمل في ديوانها، حيث لم يعمّر به صاحب كتاب الحيوان اكثر من ثلاثة ايام معدودة، وغادره الى دفء كتبه وحروب قلمه القاطع كالسّنان ضد الشعوبية وأشباه العلماء والمتبججين والواقفين امام باب الحاكم من محترفي المديح الفج والبذئ الذي جسده في زمن آخر المدّاح ابن هاني الأندلسي الذي حث الخليفة على التمادي في الطغيان ‘المقدس’: ‘ما شئت لا ما شاءت الأقدار فاحكم فأنت الواحد القهّار’ فما أشبه اليوم بالبارحة.
وقد ورثت أنظمة الحكم العربي حتى هذا العقد الثاني من الألفية الثالثة حيث ‘غطىّ’ ضجيج المداحين على الأصوات المغرّدة خارج السرب، فحين تخطئ الرصاصات صدور الساخرين فإن مصيرهم المحتوم يتأرجح بين النفي والتهميش والمنع والإقصاء وشن حملات الإفتراء لتشويه ذممهم وسمعتهم، لكن الديكتاتور كما قال الشاعر ‘ايفتشينكو’ لن ينتصر ابد على الساخر’. وتأتي واقعة العزيز الفنان علي فرزات لتكشف عن ذلك الخيط الرفيع الذي يربط بين ماضي الإسبتداد العربي وحاضره، وها هي سجون العرب، حتى تلك التي تدعي الليبرالية والانفتاح على العالم، تأوي كتابا وصحافيين وفنانين ومناضلين سياسيين وحقوقيين وأصحاب رأي، تمت محاكمتهم الصورية بمقتضى نفس الفصول الجنائية التي يحاكم بها قطاع الطرق والمجرمون وتجار المخدرات، فيما القانون الجنائي يصاب بالعمى التام حين يتعلق الأمر بملاحقة المفسدين السياسيين ولصوص المال العام وكل الذين سطوا على الشرعية وتعَّبدوا في محراب كراسي الخلود، وقرصنوا القيم الروحية للشعوب ووظفوها عنوة من اجل تمتيع استبدادهم بالحصانة والمناعة حتى يضمنوا توريث الشعوب المقهورة لابنائهم وكأنهم أبقار في ضيعة محروسة بحد السيف.
واليوم جاء الاستثناء الربيعي العربي ليشرع في كسر القاعدة الظالمة التي عمّرت قرونا الى درجــــة توهم معــــها الطغاة دوام الحال وهو محال. فاستسهلوا تكسير الاقـــــلام ووأد صوت الحرية في المهد، بالتحجير او النفي او بسطوة العصابات ‘الأمنيـــة’ الملثمـــة ضد حملة أقلام الرصاص الذين سيستمدون من استشهاد ناجي العلي ومحنة علي فرزات وصحوة الشعوب العربيـــة التاريخية القدرة الهائلة على ان يكونوا ‘أنبياء في وطنهم’، ومطربي الحي الذين يطربون انتشاء بثورة الجماهير العارمة التي ستجرف قاذورات الطغيان والاستبداد العربي القديم منه والمستجد والطارئ من أجل بناء ثقافة جديدة قوامها الحرية والكرامة والشرعية للشعب وبالشعب وحده.’ فنان وكاتب مغربي