علي قنديل: تعديدة مصرية بلون الحلم

حجم الخط
0

أسامة كمال منذ سنتين والأحلام الخضراء تتصاعد الى قبة السماء المصرية، ومع كل حالم وشهيد من شهداء الثورة المصرية، تتداعى إلى روحي حادثة الشاعر الاستثنائي علي قنديل الذي لامس حلمه شعراً ولاقى شهادته في ناره المقدسة.. سبعة وثلاثون عاماً تفصلنا عن لحظة رحيله، وما لها من لحظة، وما أغربه من رحيل، وما أقساها من نهاية .. عجلات سيارة تابعة للجيش المصري مُسرعة وطائشة تدهس بعنف ابن الاثنين وعشرين عاماً في ظهيرة يوليو عام 1975 وتُعلن بغلظة وجفاء العسكريين، موت حلم لم يكتمل وتفاصيل أسطورة إنسانية لم تكشف بعد عن كل ملامحها ..علي قنديل، ابن قرية الخادمية بكفر الشيخ، تفتحت عيناه على نور الحياة والشعر معاً . وُلد شاعراً وتحدث بالشعر مع حروف نطقه الأولى، ولأن الأسماء تحمل جزءاً من سيرة أصحابها، حمل علي قنديل كل سيرته في اسمه، فهو عال، في أخلاقه وعلمه وشعره، كان يتحرك كالنسيم العابر في القرى المصرية، تتنسمه، فتظل رائحته معك أينما ذهبت ويظل عبقه داخلك بطول سنوات عمرك .. كان نحيلاً مثل تباشير أغنية وجميلاُ مثل صباح يتجدد، في عينيه يسكن الشعر وفي روحه تتجذر الاسئلة . فاق أقرانه في دراسته، وكان أولاً على الأوائل حتى التحاقة بكلية الطب بجامعة القاهرة .. رعته أسرته الفقيرة كصّبارة مجدها العائلي وخبيئتها للسنوات القادمة، ورأت فيه أجمل روافد نهرها .. رواغه الشعر واختاره، اختار أن يسكن فيه كما تسكن عرائس البحر سماء الدهشة .. وحينما دخله الشعر، لم يغادره حتى الرحيل، تآلفا كتوأمين من خيال وحاول أن يمسكه بيديه أو على حد قوله : عليّ أن أكون اللون الثامن في قوس قزح .. اللون المفقود في الشعر .. وتجلى له اللون الثامن مثلما يتجلى للعارف سر الحياة .. أحبك، وأنتِ على لوحة الغيب سطرٌ تغيّمه الأبخرة، وأقسم أنكِ لي، ترقدين كأسطورة في خلاياي، أو تقرأين الجريدة، يأتي إلى الأذن صوتك .. يشبه أخر قطرات مطرٍ على النافذة .. تلك السطور الشعرية كتبها شاب في مستهل عقده الثاني من العمر، وفي النصف الأول من سبعينات القرن الفائت.. كتبها بعد أن عاد بالشعر مرة أخرى إلى داخل الانسان بعد تحليقه طويلاً خارجه، عاد به إلى الذاتي والشخصي بعد أن أثقلت جناحاه هموم القضايا والأفكار الكبرى، القضايا التي تراجعت بعد وجعية 1967 وسقطت في مطلع التسعينات من القرن الغارب ..علي قنديل غيّر مدار الشعر المصري ودفع بمائه الصافي ودفقاته الملونة إلى التجارب الإنسانية البسيطة وفتح بابه على الحياة بكل عفويتها ونزقها، ودخل به في مغامرة مع اللغة وقبض على طزاجتها وبكارتها الأولى .. والساعة في عكس إيقاع القلب تدق. أفتح نافذة: يتهدج موج يصل الشرق بأعصاب الغبطة أفتح عمقا: تنشطر اليقظة في ألق الشيخوخة، فأعدل هندامي، أفتح.. أفتح تجربة: ومثله مثل كل من حاول السير وحده عكس إيقاع زمنه وملامحه وتفاصيله، وطرق طريقاً بمفرده واقترب من نار الشعر المقدسة حد التلظي بوهجها، أغوته النار وأخذته إلى غيابها، وأعطته انشطار اليقظة من ألق الشيخوخة، وأدخلته إلى لذة ولمعان التجربة .. مثله مثل أصحاب التجارب الشعرية الفارقة في تاريخ الشعر العربي : السهروردى) 1154 ( 1191 ـ )، أبو القاسم الشابي ( 1909- 1934 )، وبدر شاكر السياب ( 1926- 1964 )، وأمل دنقل ( 1940- 1983(، ومجايله الشاعر السوري البديع : رياض الصالح الحسين ( 1954 – 1982 ) .. ومثلهم مثل شهب الشعر العالمي الخالدة : لورد بايرون، جون كيتس، آرثر رامبو، بوشكين، لوركا، فجميعهم اختطفهم الموت، وهم في أوج تجاربهم الفنية والإنسانية، وكأن القدر يعاقبهم على اقتناصهم لسر الشعر من فضاءاته البعيدة وإنزاله إلى الأرض. خلقت من نفسي كهرباء نفسي. خلقت من نفسي نفسي ‘ وجاءت الأشياء التي أسماؤها عندي: أنهارا ً وشموسا ً وتربة ً وغناءَ أما الأيام فقد كانت تنحني لأعبر فوقها وبي جني آخر يصحو يدفعني من سماءٍ إلى سماء. دخل على قنديل رحابة الدنيا على سماء الشعر وغادرها أيضاً على سماء الشعر، الشعر دفعه من سماء إلى سماء وانحنت أيامه ليعبر فوقها، وينفد منها إلى أفق غير مرئي، لا يراه سواه، أفق معبأ بأنهاره وشموسه وتربته وغناه ..حينما دهست سيارة الموت جسده الناحل مثل النشيد، أبى أن يموت إلا شاعراً وذهب بموته إلى سريره في المستشفى القريب من الحادثة، وفي رحلته الأخيرة بين الحضور والغياب، توقف الزمن، وبلل الشجن جباه رفقته من الشعراء الفارقين بكل الأزمنة وانتظروا عبوره بينهم في المساء. قادما ً كان من بعيد كالحصان المؤرق يخزن الشعر في صداه والنبوءاتِ والرعاة كان طهري ومحرقي قال مالا يقال أضرم العين والسؤال ومضى عبر لهجتي في تجاويف الخيال ومثلما جاء من بعيد، ذهب إلى البعيد، كالحصان الصاعد إلى السماء، بعد أن أضرم نيران الشعر في كل مكان وطأته قدماه .. وبعد وفاته بعامين تصدرت جماعتا: أصوات وإضاءة 77 المشهد الشعري المصري. وبدأ جيل علي قنديل) جيل السبعينات) برموزه المعروفة: حلمي سالم، عبد المنعم رمضان، رفعت سلام، حسن طلب، محمد سليمان، أحمد طه، محمود نسيم، يؤسسون لمدرسة جديدة في الشعر المصري، المدرسة التي بدأت تباشيرها الأولى في شعر: علي قنديل، الشاعر الذي صار فيما بعد أباً لجيل التسعينات، الجيل الذي لم تره عيناه، وعاد مثله بالشعر إلى الإنسان، إلى حريته الأولى مرفرفاً ومراوغاً، لا يقيده إلا الشعر ولا يسكنه سوى الشعر .. ولم يترك علي قنديل إلا ديواناً واحداً، وضع فيه كل وهجه الشعري وصدر بعد وفاته تحت عنوان (كائنات علي قنديل الطالعة)، الكائنات التي راودها علي قنديل بكامل حواسه الشعرية.qadqpt

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية