علي هامش الانتخابات في بوليفيا: صحوة أمريكا اللاتينية وانفلاتها من هيمنة واشنطن

حجم الخط
0

حسين مجدوبي

شكلت أمريكا اللاتينية منذ أواسط القرن التاسع عشر منطقة نفوذ حقيقية للولايات المتحدة التي اعتبرتها امتداد طبيعيا لمصالحها الاستراتيجية، لكن هذه المنطقة التي كانت ومازالت نسبيا بمثابة خزان احتياطي للعم سام بدأت تنفلت تدريجيا من القبضة الأمريكية وتتحرر بل وتتطلع عبر أنظمة يسارية في ثوب اجتماعي وحقوقي وبمشاركة قوية للسكان الأصليين الي تشكيل قطب سياسي يأخذ برأيه في المنتديات الدولية. تطورات تصب في جعل المنطقة تسير نحو قوة حقيقية في العقود المقبلة إذا ما تحقق الاندماج السياسي والاقتصادي المنشود الذي تسعي إليه شعوب أمريكا اللاتينية كما دعا الي ذلك رائد التحرير سيمون بوليفار في القرن التاسع عشر.

ابتداء من العشرينات من القرن التاسع عشر، بدأت مناطق أمريكا اللاتينية تتحرر من هيمنة الاستعمار الاسباني والبرتغالي مشكلة دولا مختلفة الحجم والوزن وفق التقسيم الإداري الذي اعتمدته القوتان الايبريتان منذ اكتشاف القارة الأمريكية. وإذا كان الاستقلال قد تعثر زمنيا في أمريكا الوسطي مثلما جري في جمهورية الدومنيكان وكوبا، فموجة الاستقلال والتحرير كانت شاملة في أمريكا الجنوبية وهي المنطقة التي عادة ما نربطها بمصطلح أمريكا اللاتينية.

ابتليت أمريكا اللاتينية بأنظمة عسكرية طيلة العقود الثمانية الأولي من القرن العشرين، وحظيت بدعم ومباركة واشنطن لاسيما بعد الحرب العالمية الثانية وبداية المد اليساري الشيوعي. وتاريخ المنطقة يقدم الكثير من الدلائل عن التورط الأمريكي، ويكفي معرفة دور وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر في انقلاب التشيلي والأرجنتين.

ومنذ بداية الثمانينات بدأت هذه الأنظمة العسكرية تتساقط تدريجيا مثل تساقط أوراق الخريف وتحل محلها أنظمة ديمقراطية ضعيفة فضلت التساكن والتصالح مؤقتا مع المؤسسة العسكرية لتفادي عودة شبح الانقلابات. ولكن، ما أن بدأت الديمقراطية تتقوي حتي بدأ سيف العدالة يهوي علي رؤوس الجنرالات الذين ارتكبوا أبشع عمليات خرق حقوق الانسان ونذكر منها أن جنرالات الأرجنتين كانوا يعتقلون اليساريين ويضعونهم في أكياس ويلقون بهم في مياه المحيط الأطلسي. الأرجنتين، أرسلت الطغمة العسكرية منذ الثمانينات الي السجن وتعيد محاكمتهم الآن، وبدورها تقوم العدالة في التشيلي في الوقت الراهن بالتحقيق ومحاكمة رمز اغتصاب حقوق الانسان في أمريكا اللاتينية الرئيس الأسبق للبلاد الجنرال أوغوستو بينوتشي، وكان الأخير مهندس عملية الكوندور التي تجلت في تنسيق كبير بين أجهزة المخابرات في أمريكا اللاتينية لملاحقة اليساريين. البرازيل، وبعد وصول الرئيس لولا دي سيلفا، تهدد بفتح ملف تورط العسكريين في جرائم بشعة إبان الستينات والسبعينات وحتي بداية الثمانينات.

وإذا كانت الولايات المتحدة قد ساعدت في تفكيك الاتحاد السوفييتي وانفلات شعوب أوروبا الشرقية من هيمنة الدب الروسي نحو الديمقراطية، فلم تقم بهذا الدور في أمريكا اللاتينية بل فضلت استمرار نوع من الوصاية علي الأنظمة. والسر في الانبعاث الحالي أو ما يصطلح عليه بداية نهضة أمريكا اللاتينية في الوقت الراهن، يتجلي أساسا في التخلص من الوصاية الأمريكية علي أنظمة المنطقة بل ومواجهتها وضرب مصالحها في المنتديات الدولية.

ويتحدث علماء الاجتماع أنه من ضمن أسرار التحرر في دول أمريكا اللاتينية أن سكان المنطقة كانوا دائما يحملون الولايات المتحدة تخلف دولهم وهيمنتها علي الأنظمة الحاكمة، وتدريجيا وقع تغيير نفسي حقيقي، فأدرك السكان والسياسيون أن التغيير لن يتم إلا إذا غيروا ما بأنفسهم، وقتها لم يعد العدو الذي يجب مواجهته هو الولايات المتحدة وإنما مواجهة الفقر والتخلف والأنظمة الفاسدة وضرورة فرض انتخابات حرة نزيهة وشفافة. ونتيجة هذا التفكير، غيرت أغلبية الأحزاب وخاصة اليسارية منها خطابها السياسي، فلم تعد توجه انتقاداتها الي الامبريالية الأمريكية بقدر ما ركزت علي فساد الأنظمة. ولعبت الطبقة المثقفة دورا رئيسيا في إشاعة قيم وأطروحات التغيير الفردي قبل تحميل الخارج جميع المشاكل وجعل واشنطن المشجب لتبرير أي فشل.

ويمكن تلخيص انبعاث أمريكا اللاتينية في المراحل التالية:

أولا، القضاء علي الأنظمة الدكتاتورية وفرض انتخابات شفافة ونزيهة، وهذا المكسب تحقق ابتداء من الثمانينات وشمل أغلبية دول المنطقة باستثناء كوبا التي مازالت تخضع لهيمنة الحزب الوحيد. ولا يتردد البعض في وصف الديمقراطية في أمريكا اللاتينية بالهشة اعتمادا أحيانا علي معالجة سطحية مفادها تغيير بعض الدول لرؤسائها باستمرار وعبر احتجاجات قوية مثلما وقع في بوليفيا والاكوادور والبيرو. لكن خبراء المنطقة لديهم رأي آخر ونتقاسمه نظرا لواقعيته، وهو أن تغيير الرؤساء أو بالأحري طردهم دون إتمام ولايتهم الرئاسية يعني أن الشعب يعاقب كل رئيس لا يلتزم بالوعود الواردة في برنامجه الانتخابي، لاسيما وأن ثقافة تقديم الاستقالة أو انتخابات مبكرة غير متجذرة في المنطقة. فرئيس الاكوادور السابق غوتييريث انحاز الي سياسة واشنطن الخارجية وحاول فتح خيرات البلاد أمام الشركات المتعددة الجنسيات، فوجد نفسه دون كرسي الرئاسة في أعقاب موجة عارمة من الاحتجاجات، الأمر الذي تكرر لاحقا في بوليفيا وقبله في الاكوادور.

ثانيا، مواجهة الليبرالية المتوحشة: يعالج المحلل الاقتصادي ويلسو كانو في كتاب له بعنوان السيادة والسياسة في أمريكا اللاتينية صدر مؤخرا عن جامعة الباسفيك في البيرو كيف أن الليبرالية المتوحشة خلال التسعينات ومع اشتداد العولمة سببت في انهيار النسيج الاجتماعي في عدد من الدول عبر خصخصة قطاعات استراتيجية مثل الطاقة في البرازيل والأرجنتين والبيرو وكولومبيا. معاناة شعوب المنطقة مع الليبرالية المتوحشة التي أجهزت علي الكثير من المكاسب الاجتماعية هي خير دليل لفهم المعارضة الشديدة لبعض الدول وعلي رأسها البرازيل والأرجنتين لاتفاقية التبادل التجاري الحر مع الولايات المتحدة أو اتفاقية شاملة من هذا النوع في القارة برمتها. وقد جددت هذه الدول في اجتماع للقارة خلال شهر نوفمبر الماضي رفض الاتفاقية.

ثالثا: دور السكان الأصليين: العامل الثالث يتجلي في وعي السكان الأصليين المنتميين لحضارات عريقة مثل الآزتك والإنكا ونضالهم من أجل الحصول علي حقوقهم كاملة واستعادة الثروات التي سلبت منهم بالقوة ووضع حد للتهميش التاريخي الذي تعرضوا اليه منذ وصول كريستوفر كولومبس الي هذه الأراضي. وكانت الانطلاقة مع جيش التحرير الوطني الثباتي في المكسيك سنة 1994 تحت قيادة القبطان ماركوس والذي عاد هذه الأيام الي القيام بجولة تحسيسية ضد التهميش ومتشبثا دائما بلثامه الذي جعل منه أسطورة.

، لكن العدوي كما تقول المحللة السياسية كارمين دي كارلوس انتقلت من المكسيك سنة 1994 الي مجموع أمريكا اللاتينية بدون استثناء، بل وحتي في أمريكا الشمالية من خلال هنود كندا في حين أن هنود الولايات المتحدة قد تم سحقهم سياسيا واجتماعيا. ويختلف وزن السكان الأصليين من بلد الي آخر، فإذا كان ضعيفا نسبيا في البرازيل، ففي حالة الاكوادور والبيرو وبوليفيا أصبح وازنا وتحول الي عنصر الحسم في القرارات السياسية الكبري. ففي حالة بوليفيا، أصبح زعيم السكان الأصليين إيفو موراليس رئيسا للبلاد منذ 18 كانون الاول (ديسمبر) الماضي، وهذا سيحدث لأول مرة في تاريخ هذا البلد. ولا تستبعد استطلاعات الرأي في البيرو أن زعيم السكان الأصليين أويانتا أومالا، وهو كولونيل متقاعد، مرشح للفوز في الانتخابات الرئاسية خلال مارس المقبل. لكن يبقي الخطير في خطاب السكان الأصليين هو ترويج خطاب سياسي عنصري مفاده التمييز بين الانسان الأبيض الأوروبي الذي قدم منذ قرون والانسان الأصلي صاحب الأرض والمشروعية. فساكنة أمريكا اللاتينية، تنقسم الي سكان أصليين والبيض القادمون من أوروبا، وتاريخيا تولي البيض الحكم بدون إشراك أصحاب الأرض الأصليين بل مارسوا عليهم جميع أنواع القهر والتهميش والاستغلال.

رابعا، وصول تنظيمات يسارية الي الحكم: يبقي هذا العامل من أبرز معالم التغيير في منطقة أمريكا اللاتينية، ففي الوقت الراهن توجد في مجموع أمريكا اللاتينية حكومتان يمينيتان فقط، في دولتي كولومبيا والباراغواي، في حين أن الدول الكبري مثل فنزويلا والبرازيل والأرجنتين والتشيلي والأورغواي وبوليفيا تحكمها أنظمة يسارية. ووصل اليسار الي الحكم عبر صناديق الاقتراع وليس عبر السلاح كما كان يهدف الي ذلك في الستينات والسبعينات. ومع وصوله، وصل ممثلو الطبقات الشعبية الي سدة الرئاسة، فبعض رؤساء الدول مثل هوغو تشابيس في فنزويلا ولولا دي سيلفا في البرازيل وإيفو موراليس في بوليفيا ينتمون الي الطبقات المسحوقة، وهذا ما يفسر مثلا تصويت ثلثي الشعب الفقير في فنزويلا علي تشابيس ونجاحه في ست انتخابات بلدية وتشريعية والدستور والاستفتاء علي الرئاسة، الأمر الذي لم يحدث أبدا في تاريخ القارة الأمريكية. أو فوز إيفو موراليس بأغلبية مطلقة في بوليفيا في الدورة الأولي، الأمر الذي يحدث نادرا.

ووعي اليسار بأن دوره التاريخي لن يتحقق عبر ديكتاتورية البروليتاريا بل عبر ربح صوت الطبقات الفقيرة والمقهورة، ولبس الثوب الاجتماعي وأضاف اليه ثوب السكان الأصليين بتبني أطروحاتهم والدفاع عن حقوقهم والتنسيق معهم ليقدم هذا اليسار نموذجا قابلا للتقليد في مناطق أخري لأنه اعتمد علي الاستفادة من الواقع والتكيف معه.

في غضون ذلك، تهدف أغلبية دول المنطقة الي هدفين رئيسيين، الأول تحقيق نوع من التكامل في أفق الاندماج، والثاني التوفر علي سياسة خارجية موحدة تعطي لأمريكا اللاتينية وزنا علي المستوي الدولي.

وحول النقطة الأولي، بدأت مسلسلات الاندماج منذ الستينات، لكن تغييب الشعوب عن المشاركة فيها وتناسل الانقلابات العسكرية حال دون تحقيق نتائج تذكر. وتوجد في المنطقة عدد من التجمعات، غير أن الذي بدأ يتقوي هو التجمع الاقليمي ميركوسو ويعني سوق الجنوب، مكون من البرازيل والأرجنتين والباراغواي والأوروغواي، وانضمت اليه فنزويلا في بداية ديسمبر الماضي. وتلعب فنزويلا دورا رئيسيا في تنشيط التعاون بين دول جنوب القارة من خلال تزويدها لمختلف الدول بالبترول وبأسعار مقبولة ومنخفضة عن السوق الدولية، بل وصل الأمر برئيسها هوغو تشابيس الي شراء جزء من ديون الأرجنتين من صندوق النقد الدولي لتقليل الضغط عليها. ويعتقد المراقبون أن مسيرة التكامل والاندماج وآخرها إحداث برلمان لدول المنطقة، ستؤدي حتما الي تجمع شبيه بالاتحاد الأوروبي في المدي المتوسط.

ويبقي الهدف الرئيسي لدول أمريكا الجنوبية تحقيق نوع من التكامل في السياسة الخارجية، ومبدئيا، لونها اليساري ساهم في هذا المنحني. فدول المنطقة أصبحت تفضل نسج علاقات مع قوي وتجمعات اقليمية أكثر من البقاء فقط تحت عباءة واشنطن. ولهذا فالتنسيق قوي مع الاتحاد الأوروبي وروسيا والصين. وكتبت نيويورك تايمز مؤخرا واشنطن اهتمت كثيرا بالشرق الأوسط والعراق وتناست حديقتها الورائية أمريكا اللاتينية التي فقدتها. وحاولت أمريكا اللاتينية تنسيق المواقف مع العالم العربي خلال القمة التي احتضنتها البرازيل في ايار (مايو) الماضي، لكن الزعماء العرب كانوا دون مستوي الرد والطموحات لأن الأغلبية منهم مازالت تحت العباءة الأمريكية. ويبقي هوغو تشابيس الوجه البارز المعبر عن سياسة خارجية مستقلة لأمريكا اللاتينية، وهو السياسي الذي لا يتردد في وصف الرئيس جورج بوش في أكثر من مناسبة بأنه راعي الارهاب في العالم بخرقه قرارات الأمم المتحدة وغزوه للعراق، كما يعلن جهرا ضرورة التفكير في محاربة الليبرالية المتوحشة، وانضاف موراليس الي أطروحة تشابيس، ومن ضمن تصريحاته الأولي بعد فوزه بالرئاسة، وصفه لبوش بأنه أكبر إرهابي في العالم.

واشنطن تقف عاجزة أمام ما يجري في أمريكا اللاتينية وحاول بوش خلال سنة 2005 استعادة فريق مساعدي رونالد ريغان الذين كانوا يشرفون علي السياسة تجاه دول المنطقة، إلا أن جميع المخططات فشلت لسبب بسيط أن أمريكا اللاتينية انفلتت من أيديها وهيمنتها، والمنعطف التاريخي كان قد بدأ منذ ثلاث سنوات من خلال فشل الانقلاب العسكري ـ المدني ضد هوغو شتابيس في ربيع 2002. ہ صحافي من المغرب يقيم في اسبانيا8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية