مهند صلاحات
تعرض المشهد الاعلامي العربي والدولي لسلسلة من التطورات العالمية عبر سنوات نشأته، فمن الاعلام المكتوب الي الاعلام المرئي والمسموع، وصولاً لعصر الحداثة والانترنت، واستطاعت بعض المؤسسات الاعلامية الارتقاء والمساهمة في وصول العالم لعصر الانفتاح، بحيث ساهم الاعلام في جعل العالم قرية صغيرة الي جانب وسائل الاتصال الأخري، فشكل الارتقاء بالمشهد الاعلامي والاتصالي رهاناً أساسياً ضمن مسار التأسيس للتجربة الديمقراطية التعددية في العديد من دول العالم، وكان لتفعيل دوره في عملية البناء الوطني ركيزة محورية ضمن منظومة التنمية الشاملة بأبعادها الاقتصادية والثقافية والاجتماعية والتكنولوجية.
واذا كانت الممارسة السياسة هي تنوع وتعدد في الرؤي والمقاربات والمواقف، قد احتلت مكانة في صياغة العلاقات الدولية، فان الاعلام استطاع كذلك أن يتخطي مكانة وقيود السياسة ويساهم في صياغة العلاقات الاجتماعية والانسانية، بل ويحركها أحياناً في الدول المتقدمة، والمتطورة فكرياً وصناعياً. ومن هنا برزت علي هذا الصعيد مبادرات جريئة من بعض من الحكومات الساعية للتحول الديمقراطي في بلدانها، نحو تنقيح قانون الصحافة في عدد من القوانين والدساتير، في اتجاه تحرري، ألغي العقوبات اتساقاً مع الحرص علي الايفاء بالتعهدات المقطوعة في نطاق الاتفاقيات والمواثيق والعهود الدولية التي صادقت عليها، والمتصلة أساساً باحترام مبادئ حقوق الانسان وحرية النشر والتعبير.
الا أن الاعلام لا يمكن أن يحقق هذه النجاحات التي وصل اليها، وأصبح يسير ـ في بعض الدول ـ جنباً الي جنب مع السلطات الثلاث، ليصبح سلطة رابعة تمارس مهامها، ودورها الرقابي الرائد بحرية، الا اذا واكب تطوره بشكل حقيقي في احترام حقوق الانسان أولاً.
في دولنا لماذا لا يمكن أن يحدث هذا؟
ببساطة لأن بلدانها لديها فهم خاطئ لقيم الديمقراطية، وثقافتها، والتي تسهم في ابراز الاعلام، وتسيير اتجاهه، حتي يصبح مؤسسة متكاملة الي جانب المؤسسات الايجابية بالدولة، خاصة بعد انتهاء دور الدولة الشمولية التي تتحكم باعلامها وتسيسه، وليلعب دوره كأحد مؤسسات المجتمع المدني الضاغطة في اتجاه تصحيح مسار الدولة ان انحرف. فعلي هامش احترام حقوق الانسان في الدول العربية، التي صارت حقوق الانسان فيها دوماً علي الهوامش، وفي هذا اليوم (العاشر من كانون الاول (ديسمبر) والذي يصادف اليوم العالمي لحقوق الانسان، تلقت الصحافة الأردنية التي من المفترض أن تكون السلطة الرابعة في الدولة، صفعةً قاسية، وجهتها لها الديمقراطية، هذه الصفعة التي لم تأتِ علي طريقة الصفعات الديمقراطية الأمريكية للشعوب، بل جاءت ممن اختارهم الشعب ليكونوا شكله وهيكله الديمقراطي.
فقد تعرض عدد من الزملاء الصحافيين، ومصوري الصحف اليومية الأردنية، للاعتداء بالضرب والشتائم من قبل نواب ممثلي الشعب، والمدافعين عن حقوقه وحريته، قبل انعقاد جلسة المجلس النيابي، في أعقاب قيامهم بممارسة واجبهم المهني بتصوير المشاجرة الحادة التي نشبت بين نائبين، تبادلا خلالها التراشق بعبوات المياه، وتبادلا التهم والألفاظ النابية!! الحقيقة كثيرون هم الذين نادوا، ولا زالوا ينادون بالحرية، ويعتبرون أنفسهم حماتها، وصناعها، وبذات الوقت يقمعون الناس لأجل هذه الحرية، ويكتشفون في النهاية أن الحرية شيء غير الذي كانوا ينادون به، فالذي لم يفهمه أعضاء المجلس النيابي الأردني أن الحرية ليست نقيض سيادة الدولة، ولا نقيض الديمقراطية الفردية، ولا الشعب منحهم ثقته ليتبجحوا في الاساءة له، ولحرياته. فهل يعي ممثلو الشعب الأردني معني الحرية، وهل يعون أن السجان لا يجوز له الحديث عنها؟ فالحرية لا تُفرض، ولا تُهدي، لكنها بحاجة لنضال شعوب، ومصالحة بين الشعب والسلطة. والحرية في حد ذاتها قائمة علي المجتمع المدني، الذي يقوم علي أسس الحرية، والعدالة، والمساواة، واحترام الآخر، وليس علي أساس الغاء الآخر، والتي تبني علي أساس صاحب الحق المطلق كما يظن أعضاء المجلس النيابي، بأن الحصانة الدبلوماسية تملّكهم الحق المطلق في أن يعتدوا علي الحرية، بل علي أكبر رموز الحرية في العالم، وهي الصحافة. فمتي يدرك النواب الذين انتخبهم الشعب ليدافعوا عن حريته، وكرامته، ومنحهم ثقته بعد رحلة طويلة من النضال المستمر من أجل الغاء قوانين الطوارئ، واخراج القانون من أيدي العسكر الي أيدي نواب الشعب، متأملين بأن حريتهم ستكون بخير، فيجدون أن ديمقراطيتهم وحريتهم تنالها الشتائم تحت قبة البرلمان من برلمانييهم شخصياً!
وهل سيعتذر النواب باسهم شخصياً وليس باسم الشعب، لشعبهم عن هذه الاساءة لصحافتهم، وحريتهم، ومنبرهم الحر؟
بعد كل هذا نستغرب حين تخرج مجلة ديوان العرب بنتيجة تثير الاستغراب، حول أن 40% فقط من الذين شاركوا باستطلاع رأي قامت به المجلة، أبدوا رغبتهم في البقاء في وطنهم، بينما صوت خمس المواطنين العرب الذين شاركوا بالاستطلاع، والبالغ عددهم 3180 مشاركاً بأنهم يريدون الهجرة بدون عودة الي أوطانهم، وأن 48% منهم يريدون الهجرة سواء بنية العودة، أو عدم العودة نهائيا، أي نصف الشعب تقريباً.
وهنا أعود لطرح ذات السؤال الذي طرحه رئيس تحرير المجلة الأستاذ عادل سالم: لماذا يريد هؤلاء الناس الهجرة من بلدانهم؟
حقاً نقول… وبعد أن رأينا وسمعنا ما يحدث في المجالس النيابية (قبة الديمقراطية)، نتساءل، ما الذي يحدث في السجون، ومخافر البوليس، ودوائر الأمن!
؟ ہ كاتب من الاردن[email protected]