عماد أديب وإعادة اكتشاف عبد الباري عطوان

حجم الخط
6

أعاد عماد أديب في برنامجه ‘بهدوووء’ على قناة ‘سي بي سي’ اكتشاف عبد الباري عطوان، رئيس تحرير هذه الصحيفة، والذي ترددت كثيراً في الكتابة عنه، مخافة أن اتهم بمحاباة رئيسي في العمل، قبل أن أتذكر أنني مجرد ‘كاتب زائر’ هنا، وأنني ‘رئيس نفسي’.
عندما زرته في مقر ‘القدس العربي’ في لندن، وأخبرني إن أردت أن أعيش في مدينة الضباب فعلي اختيار أفضل مكتب، قلت في سري إن المكتب الوحيد الذي فيه الطمع هو مكتبه، ليس لفخامته، فالطمع كان في المنصب، فكل ما في المقر متواضع للغاية، ويمنحك إحساساً انك في مكتب من مكاتب الصحف الفقيرة في مصر، وصحف ‘بئر السلم’ على وجه التحديد، ولا ادري ماذا سيكون قول مبارك إذا كان قد زاره، وهو الذي استولت عليه الدهشة عندما زار مقر قناة ‘الجزيرة’ وقال: كل هذا يخرج من علبة الكبريت هذه؟!
المخلوع كان يعادي ‘القدس العربي’ شأن كل الحكام المستبدين في المنطقة، وقد ظلت الرقابة على المطبوعات الأجنبية بالقاهرة تصادر بعض أعدادها قبل أن يصدر قرار ‘الباب العالي’ بحظر تداولها في المحروسة تماماً، ومن قبل كانت الأعداد التي تمنع من البيع في الأسواق تصل للمشتركين، ثم تقرر أن العدد الذي يمنع من التداول يحظر توزيعه على أصحاب الاشتراكات، وكان المخلوع لا يكف عن الشكوى للقيادات الفلسطينية من ‘الجدع بتاع لندن’، والذي منعه من دخول مصر، باعتبارها آلت إليه بالوراثة.
لكن ها هو عبد الباري عطوان يأتي إلى القاهرة ويلتقي الرئيس محمد مرسي ويدخل قصر الاتحادية، بينما مبارك في السجن، وان كنت اعتقد أن قرار حظر تداول ‘القدس العربي’ في الأسواق المصرية لا يزال سارياً، فجهاز الرقابة على المطبوعات الأجنبية لا يزال يعمل وفق القواعد التي أرساها النظام القديم، وهو جهاز لا يوجد قانون ينظم عمله، وحتى كتابة هذه السطور لا نعرف من هي الجهة التي يتبع لها، فمرة يقولون أنه يتبع وزارة الإعلام، وتارة يقولون أن تبعيته لوزارة الداخلية، وقد تعرفت ذات مرة على ‘صول’ يرأسه، وهي رتبة شرطية متواضعة!.
عبد الباري جاء إلى القاهرة للمشاركة في مؤتمر ‘القوميين العرب’، ولأنني لست من ‘القوميين العرب’، فأنا من ‘القوميين الألمان’، فلم أهتم بحضوره، لولا أن أحد الزملاء من ‘القوميين الإخوان’، أخبرني بأن عطوان هنا، فشددنا الرحال إلى الفندق الشهير الذي ينعقد فيه المؤتمر ويقيم فيه الضيوف، وظللنا يوماً بطوله في انتظاره لكن صاحبنا كان قد خرج ولم يعد واستمتعت بالحوار لساعات مع القيادي الفلسطيني محمد نزال، والذي بدا لي واعياً بما يدور في مصر، وبدا صاحب خبرة فطرية في الحكم، ولو وجد مثله بجانب الرئيس، ما حدث الاستقطاب الحاد الذي يمزق الحياة السياسية في البلاد، حتى صار عداء الحكم الإخواني مع الجميع، وتكلم الرجل حتى هتف زميلنا محمد أبو لواية: ‘اترك الدوحة وتعالي بجانب أبو أحمد’، يقصد الرئيس محمد مرسي.
بيد أن الرئيس في حالة استغناء بالشاطر وأبو بركة والبلتاجي، والأخير عندما تكتب ضده، ينالك ما ينال من كان يكتب ضد الرائد متقاعد صفوت الشريف، وهو يستخدم سلطة الرئيس في التعامل مع خصومه، اذ يطاردك ‘بيت بيت .. دار دار.. زنقة زنقة’

أبو عمار

اكتشاف محمد نزال هذا، أو أبو ‘البراء’ كما كان يحرص زميلنا الإخواني إبراهيم الدراوي أن يناديه، ولا أعرف لماذا الإسراف في استخدام الكنية عند الإخوة الفلسطينيين، لكن ما اعرفه أن الراحل ياسر عرفات وأيام أن كان متزوجاً من القضية الفلسطينية، جاء إلى القاهرة، وزار أحد رؤساء الأحزاب، ولأن رئيس تحرير صحيفة الحزب تفاخر بأن له سابق معرفة بعرفات، وبينهما حوارات ممتدة، وزيارات عائلية، فقد حرص على أن يبدو في اللقاء أنه صاحب علاقة متميزة، فخاطب القائد الفلسطيني بثقة:
– أهلا يا أبو عمار.
وبدت طريقته وهو يرحب به وعلى الرغم من استخدام الكنية، كما لو كان نطق الاسم مجرداً، فعند التعامل بين الأصدقاء يسقط التكليف!.
رد أبو عمار على الرجل بما يليق بمقامه وباعتباره قيمة كبرى، ألم تشمله اعتقالات سبتمبر في عهد الرئيس السادات، التي شملت محمد حسنين هيكل، وفؤاد سراج الدين، والشيخ عبد الحميد كشك؟.
وهنا تقدم صاحبنا خطوة للأمام وسأله سؤالاً حميمياً يكشف عن خصوصية العلاقة:
– كيف حال عمار؟!.
ولم ينتبه إلى الهمهمات، والضحكات المكبوتة، وعدم رد عرفات عليه، فعاجله بالتي كانت هي الداء:
– الى أي مستوى دراسي وصل الآن؟
لم أسأل ‘أبو البراء’عن الحالة الصحية لابنه البراء، ولفت انتباهي انه اكتشاف، تماماً كما كان عبد الباري عطوان اكتشافاً مع عماد أديب للذين لم يستمعوا له خارج مشاركاته التلفزيونية التي هي كطلقات الرصاص، فالكلام يخرج من فمه كمدفع رشاش، لا يهتم بحصر القتلى من جراء هذا الرصاص المتدفق!.
بعض الأصدقاء أخبروني أنهم شاهدوه في لقاءات تلفزيونية أخرى خلال زيارته للقاهرة، وأحدهم قال انه كان ضيفاً لجابر القرموطي على ‘اون تي في’ لكني لم أشاهده سوى مع عماد أديب، الذي قدم ضيفه للمشاهدين بما هو أهله، وحرص على تأكيد إنسانية العلاقة، وأنهما صديقان، وذكر ابنه ‘خالد عبد الباري’ للتأكيد على هذا المعنى، وفي الصباح فوجئت بواحد من آحاد الناس يسألني إن كانا بالفعل صديقين؟!.. قلت: ربما.. فقد قضى عماد فترة من حياته في لندن، في الشركة السعودية للأبحاث.. وان كان وجه الدهشة أنا اعلمه، لكن باعتباري كائنا له أصدقاء من كل ألوان الطيف السياسي ومن أقصى اليمين إلى أقصى اليسار فالأمر بالنسبة لي ليس فيه ما يدعو لذلك.. فأنا الوحيد تقريباً الذي كان في صداقة مع خصمين لدودين: الشيخ صلاح أبو إسماعيل، وفرج فودة، رحمة الله عليهما.

ابن نكتة

جديد عبد الباري عطوان في برنامج ‘بهدوووء’ أنه كان هادئاً، وظهر جانب من شخصيته لم يتعرف عليه القراء، فهو ابن نكتة، وبطبيعة الحال أثرت فيه السنوات التي قضاها في القاهرة فقد تخرج في كلية الإعلام فيها، وروحه الساخرة وقفت عليها في الحوارات الهاتفية القليلة بيننا، ومن خلال مذكراته: ‘وطن من كلمات.. رحلة لاجئ من المخيم إلى الصفحة الأولى’.
قال عماد أديب إن عبد الباري ذكر انه أول مرة ينتعل شيئاً في قدميه كان هو وعمره ثماني سنوات، وسأله عن هذا الشئ؟.. فأجابه عبد الباري: ‘زنوبة’.. ووجدتني أتأثر كثيراً بذلك، على الرغم من أنها ليست المرة الأولى التي أقف فيها على هذه الحكاية، فقد قرأتها في مذكراته وهو يروي بؤس الحياة في المخيم الذي تربى فيه، والتي اشتريتها من دار نشر مصرية، قبل سنوات، عندما سألت البائع إن كان بإمكاني أن ‘أعثر’ على نسخة منها عندهم، فالتفت حوله قبل أن يطلب مني أن ادفع ثمنها مقدماً، وضرب لي موعداً لاستلام ‘البضاعة’، وفي الموعد المضروب ‘على قفاه’، التفت يميناً ويساراً، ثم طلب مني أن انتظره في سيارتي، وبعد قليل جاء إلى .. ألقاها بسرعة وانصرف، فأيقنت ساعتها أن له خبرة عظيمة في الاتجار في ‘الممنوع’، وخشيت أن تسوقفني حملة من الإدارة العامة لمكافحة المخدرات عند أول إشارة مرور.
لعبد الباري شعبية جارفة في محيط البسطاء لمداخلاته الحادة في الفضائيات ضد الأنظمة العربية المستبدة، وباقي شلة الأنس من أمريكا إلى إسرائيل، وانحيازاً لقضايا الأمة في العراق وفلسطين، وقال انه ينافسني في محيطي الجغرافي عندما ألتف حوله مجموعة من الصعايدة في إحدى دول الخليج وقالوا له إنهم يحبونه لأنه يحب جمال عبد الناصر، وأنا لا رغبة لي في منافسة كهذه، وقد فوجئت مؤخراً بمن يخلع على الانتماء الناصري، وأحدهم علق على مقال بقوله: لأول مرة أجد ناصرياً منصفاً.. ولما كثر الواصفون سألت احدهم من أين جاء بهذا الاعتقاد الخاطئ؟! .. فقال لأنك تكتب في ‘القدس العربي’.
عماد أديب محاور جيد، وقد كتبت هذا قبل سبع سنوات هنا، لكنه يفقد نصف موهبته عندما يستضيف الأخوين: ‘عمرو حمزاوي ومعتز بالله عبد الفتاح’، اللذان يجلسان في حضرته جلسة التلميذ في حضرة السيد ناظر المدرسة، وتتعلق أعينهما بفمه ليرسم لهم خريطة الطريق ويعرفان منه الرأي الذي يريد أن ينتصر له، فيسبحان في اتجاهه، فتجد ثلاثتهم يتحدثون بلسان واحد، فلم يحدث ان اختلفوا ولو في صغيرة.
لموهبته فقد علم اديب أن المشاهد بحاجة لأن يستمع إلى عبد الباري فلم يقاطعه ولم يفرض نفسه عليه.. وأديب ليس ميالاً للمقاطعة وفرض الوجود بطبعه، وقبل أيام كنت على احدى الفضائيات، ولم تمكني المذيعة من أن أُكمل فكرة، ونظراً لأنها انشغلت بالمقاطعة عن الإدراك، فقد وجهت لي سؤالا باعتباري المرشد العام للإخوان المسلمين، ولم تنبه إلى قولي بأن محمد مرسي فشل لكن الحاكم المنتخب يتم خلعه بالانتخابات وليس بالمظاهرات.
عماد كان يطرح أسئلته ويترك عطوان يتكلم، وقد سأله عن سر الحماسة على الرغم من مرور كل هذه السنوات من تركه المخيم؟.. وتبسم عبد الباري ضاحكاً وهو يقول له لو كان يستطيع أن يتكلم ‘بهدووووء’ مثله لأصبح رئيس جمهورية، وقد قام بالمد في الواو، وبرنامج صاحبنا يكتب ‘بهدوووء’، وينطقه هو ‘بهدوء’، وقد استخدم باسم يوسف في برنامج ‘البرنامج’ على ذات القناة المد في السخرية، فقام بالمد حتى نام، وهو التعليق الذي اغضب أديب وجعله يهدد بمغادرة المحطة، ولم أكن أعلم أن عماد أديب يمكن له أن يغضب.
وقد بدا عبد الباري عطوان، عند المشاهد كما لو كان مطلعاً على الأزمة التي نشبت من جراء هذا الاستخدام السلبي لباسم يوسف لاسم برنامج عماد أديب.
وقد تطرق الحوار للحدث المهني المثير في تاريخ عطوان الصحافي الذي تمثل في لقاء أسامة بن لان في جبال تورا بورا، وكيف أنه أكل معه طعاماً متواضعاً وكان يوجد بين هذا الطعام قطعاً من الجبن القديم، ليس فرنسياً لكنه كالجبن المصري، وضحك عبد الباري وهو يقول يبدو أن أيمن الظواهري أهداه له.
وقد تحول عطوان من السخرية إلى الصرامة وان ظل يتحدث بصوت خفيض، عندما تطرق لحالة الانقسام في الساحة السياسية المصرية، وعلى الرغم من هذا الغم فقد كانت سهرة ممتعة مع صاحبنا عطوان.
فشكراً عماد أديب.. وعموما ابعد الأخوين إياهما وتخلى عن دور السيد ناظر المدرسة وانا أشكرك في كل أسبوع، فأنت تذكرني بمرحلة لا أريد أن أتذكرها بوصفي كنت تلميذاً بليداً.

‘ صحافي من مصر
[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية