شهدت مصر بعيد الثمانينيات موجة جديدة من الغناء والموسيقى، ترافق ذلك مع ظهور جيل آخر من المغنين مغاير للجيل الذي عرفته في الثلاثنينات، وحتى السبعينيات تقريبا. مع ذلك، فإن هذا الجيل لم تكتب سيرته الذاتية إلى يومنا هذا، مقارنة بسير الجيل السابق، إذ غالبا ما جرى التركيز على سير أم كلثوم، ومحمد عبد الوهاب، ولاحقا عبد الحليم حافظ، وهو اهتمام بلا شك مفهوم، في سياق ما قدمه هؤلاء من فن غني، بالإضافة إلى أن زمن هؤلاء الفنانين كان هو زمن التحولات الكبرى، ولعل هذا ما نرصده بشكل واسع في سيرة أم كلثوم، التي ترافق ظهورها مع تحولات كانت تعيشها مصر السياسية، ومزاج النخب الثقافية.
تروي لنا المؤرخة الأمريكية فيرجينيا دانيسلون في كتابها الشيق «صوت مصر: أم كلثوم والأغنية العربية والمجتمع المصري في القرن العشرين»، أن قدوم السنباطي إلى الست في فترة الثلاثينيات والأربعينيات، والتركيز على تلحين القصائد العربية، تزامن مع تراجع الحماس لدى النخب المصرية بأفكار الحداثة، مقابل تقدم أفكار الأصالة. لكن ما يسجل بالمقابل على بعض الكتب التي حاولت قراءة التواريخ الاجتماعية لسير بعض المطربين المصريين، أنها أحيانا تورطت، أو لنقل بشكل أدق، بالغت في كتابة سير ذات طابع سياسي، وهو ما نراه مثلا في سيرة حازم صاغية عن أم كلثوم «الهوى دون أهله: أم كلثوم سيرة ونصاً»، فمن يقرأ كتاب صاغية لا يعثر على أم كلثوم المطربة، بل المتورطة فحسب في المشروع القومي العروبي، بينما ما يحسب مثلا لدانيلسون، أنها على الرغم من اهتمامها بالأجواء الاجتماعية والسياسية التي أحاطت بمشروع الست، لكنها في المقابل لم تهمل أيضا تحليل الجانب الموسيقى في أغاني أم كلثوم، وما عرفه من تغيرات على مستوى الألحان والآلات الموسيقية. ولعل ما يحسب لدار الريشة المصرية في السنوات الأخيرة، أنها تمكنت في فترة قصيرة من نشر سير جديدة عن حياة المطربين والموسيقيين في مصر، غير سير العمالقة الكبار، ما جعلها تتحول إلى واحدة من أهم المنافذ الثقافية، التي يمكن من خلالها التعرف على تاريخ الغناء والموسيقى في مصر بعيد الثمانينيات.
وكمثال على هذا النشاط، أود الحديث عن الكتاب الصادر مؤخراً عن الدار بعنوان «أيامنا.. رؤية موسيقية واجتماعية لسيرة عمرو دياب» تأليف الباحث والصحافي الموسيقي مصطفى حمدي، إذ نتمكن من خلال هذا النص، من التعرف بشكل دقيق على السيرة الغنائية لواحد من أشهر المطربين أو المغنين المصريين في العقود الأخيرة. وعلى الرغم من أن المؤلف بدا متحمسا زيادة عن اللزوم، كما يقال لبطله، وهو أمر غير مفيد أحياناً على الصعيد البحثي، إلا أنه استطاع أن يرصد بدقة تنقلات (الهضبة) وفق التعبير الدارج، والأجواء الفكرية والموسيقية التي كان يعيش فيها هذا الفنان.
ابن بورسعيد
في مطلع الثمانينيات عاشت الأغنية المصرية مرحلة تغيير جاد حقيقي، سبقتها إرهاصات السبعينيات المشحونة بالتمرد «الإجباري» على منهج العمالقة الراحلين، وظل هاجس افتقاد المطرب النجم مؤرقا للجميع، حتى ظهر محمد منير كمشروع فني مختلف، لم يعكس مشروعا فرديا، وإنما مشروع مجموعة من الموسيقيين مثل عبد الرحيم منصور وهاني شنودة وأحمد منيب. وفي هذه الفترة كانت مدينة مثل بورسعيد تحتضن ما يقرب من عشر فرق غنائية شابة محلية يقتصر نشاطها على حفلات النوادي، وحفلات الزفاف وأعياد الميلاد، وفي الغالب كانت هذه الفرق تعيد تقديم أغاني أم كلثوم وعبد الحليم وسمير الإسكندراني. وضمن إحدى هذه الفرق، كان هناك شاب يدعى عمرو عبد الباسط دياب، أخذ يشارك الفرقة في ترديد هذه الأغاني، لكن عند لحظة ما، قرر هذا الشاب الفقير ترك الفرقة، وغادر مدينته إلى القاهرة للدراسة في معهد الموسيقى. وهناك عاش في غرفة مشتركة في شقة استأجرها مجموعة من الطلاب في المعهد. بدا عمرو دياب متأثرا بمحمد منير منذ اللحظة الأولى، خصوصا بعد النجاح الساحق لشريط (شبابيك)، الذي مثل نقطة التحول الأولى في شكل الموسيقى المصرية الحديثة، والمؤسس لكل التغيرات الموسيقية التالية له.
في هذه الفترة أخذ النظام المصري في ظل الرئيس القادم محمد حسني مبارك، يسعى لمد جسور العلاقات بالأشقاء بعد قطيعة «كامب ديفيد»، ما فتح المجال لعودة نشاط ليالي القاهرة مرة أخرى، وعادت الملاهي الليلية لتصبح أشبه ببورصة تحدد أسهم المطربين، وأسعارهم، وقيمتهم في سوق الغناء، أما شارع الهرم فهو الملعب الحقيقي الذي يقيس فيه كل نجم حجم شعبيته الحقيقية. كان مشهدا معتادا أن يغني في هذه الملاهي محمد قنديل، ومحمد رشدي، وأحمد عدوية، وعمر فتحي، ومحمد الحلو، وعلي الحجار، ومدحت صالح، ومحمد منير وغيرهم، وكان دخول هذا العالم، أمراً حاسماً في مسيرة عمرو دياب، الذي حلم بربع فرصة لمقابلة الجمهور وجها لوجه. أخذ دياب يدرس صباحاً في المعهد، ويغني في الملاهي الليلية، ومع نهاية 1983 كان اسمه الصغير قد بدأ ينتشر على مستوى الأفراح والملاهي الصغيرة في شارع الهرم، ولكن ليس كنمرة ثابتة. وفي الوقت نفسه، أخذ بالتعرف كما يقول الكتاب على مجموعة أكبر من الشخصيات في المجتمع الفني، ولعل الدرس الذي تعلمه في ملاهي شارع الهرم، أن يخاطب الجمهور بأسهل وأقرب لغة، أن يواجههم بشكل مباشر، وأن يختار الأغنية التي سيرددونها وتحفر كلماتها في ذاكرتهم.
غنى عمرو دياب في الشيراتون والهيلتون، وتصدرت صورته إعلانات هذه الحفلات في الصحف والمجلات، كبر «بُنط» اسمه في اللافتات وصورته أصبحت تستحق الواجهة، بدأت ملامح النجومية تتشكل، وأضواء الشهرة تصنع فارقا في قيمته كمطرب الشباب الصاعد، وجاء عام 1988 ليصدر ألبومه «خالصين» في صيف 1988، أخذ دياب يجهز ألبومه الجديد «ميال» الذي صدر في ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه، وقد تعاون دياب مع موزعه المفضل وقتها الموسيقار فتحي سلامة. بدت أغنية ميال وفق ما يذكره المؤلف، مثالا على نجاح الشكل الغنائي الجديد الذي ابتكره حميد الشاعري مع علي حميدة، وهو الهتاف الغنائي، تبدأ بداية الأغنية بهتاف ثم يردده الجمهور. لقد نقل حميد الشاعري لهذا الجيل ثقافات موسيقية مختلفة، صنعها وفقًا لإمكانات عصره. وفي عام 1994 أطلق عمرو دياب ألبوم «ويلوموني» الذي شهد أول تجربة لتقديم موسيقى الفلامنكو الإسبانية، التي حاولت ان تحاكي تجربة فرقة «جيبسي كينغ» وترجمتها «ملوك الغجر» نجاحا منقطع النظير، ورغم أن جميع أعضاء الفرقة فرنسيو المولد، وبدايتهم جاءت من مدينة مونبيلييه على يدي جلول بوشيخي عازف الجيتار ذي الأصول المغربية، فإن أصولهم الإسبانية الغجرية دفعتهم لإعادة إحياء موسيقى الغجر الأندلسية، التي نشأت في إقليم كتالونيا.
بالطبع الأغنية الأبرز والتي ذاع صيت الفرقة بسببها هي «بامبوليو» التي جعلت العالم ينظر مجددا إلى موسيقى الفلامنكو الإسبانية، وهذا لم يكن بعيدا عن تفكير عمرو دياب وحميد الشاعري، اللذين ذهبا لتقديم أغنيتين من هذا القالب الموسيقي.
من الأشياء الجميلة التي يقف عندها الكتاب، هو رصده لظاهرة عمرو دياب التي تجاوزت الموسيقى، واصبحت ظاهرة شبابية، فخلال التسعينيات أخذ الشباب يطوفون محال الملابس بحثا عن الصديري الأسود والقميص ذي الأكمام الصوف الذي ظهر به عمرو دياب على غلاف الألبوم، كما ظهر به في الكليب، وتحول ارتداء الصديريهات فوق القمصان والبنطلونات الجينز إلى عنوان بارز للموضة في هذه المرحلة، كما حاول الشباب تقليد تسريحة شعر دياب في «نور العين»، يومها بدا في إطلالته أقرب إلى مصارعي الثيران.
قمرين..
في صيف 1999 أطلق عمرو دياب ألبوم «قمرين» الذي عاد فيه للتعاون مع الموزع الموسيقي طارق مدكور، وقد بدا موقناً أن الوقت حان لمواكبة الأشكال الموسيقية العالمية بشكل دقيق جدا، فالمحاولات السابقة في «نور العين» و»عودوني»، كانت جيدة، ولكنها افتقدت للجودة على مستويات عدة، بداية من أصوات الآلات والإيقاعات المستخدمة وصولًا إلى هندسة الصوت نفسها، هي كانت تجارب أشبه بمحاكاة، والفرق بين المحاكاة والجودة في التنفيذ شاسع جدا ولا يفهمه سوى المتخصصين. وظهرت في ألبوم قمرين أسماء جديدة أصبحت مهمة في الصناعة بعد ذلك، مثل الملحن عمرو مصطفى الذي قدم «خليك فاكرني».
وفي السنوات الأخيرة، كان دياب قد تجاوز الستينيات، ولذلك حاول أن يظهر بصورة المطرب الرياضي، وبدا أقل وزنا وبعضلات مفتولة وشعر مصبوغ باللون الأصفر، وهي إطلالة أثارت الجدل، إلا أن البوماته الأخيرة عادت لتكشف عن قدرة هذا المطرب على تقديم أغان وألحان مرحة وشبابية، وجديدة على مستوى التوزيع والآلات الموسيقية.
كاتب سوري