محمود قتاية
كنت اجلس بشرفة منزلي أقرأ جريدة الصباح وبجانبي عكازي الخشبي.. قلت لنفسي وقد أحزنني ما قرأت: شتان ما بين إعلان وإعلان، لقد أعادني ما قرأت إلي يوم أن قرأنا بفرح منذ عامين إعلانا توهجت له وجوهنا وأشرقت.. يومها هتفت زينب عباس:
ـ تحيا إدارة الشركة!
وقال سيد متولي عضو مجلس إدارة النقابة:
ـ كللت جهودنا بالنجاح!
قلت في نفسي يومها: أخيرا أحسوا بمتاعبنا!
ودخلت علينا إلهام مصطفي تقرأ الإعلان بصوت عال غير مكترثة بما إذا كنا قد علمنا به أم لم نعلم:
ـ قررت إدارة الشركة تسيير أوتوبيس لنقل الموظفين، يقوم من أمام مقر مركزها الرئيسي، مارا بباب الخلق، وشارع بورسعيد فشارع الجيش وينتهي مساره في مصر الجديدة!
ونسيت إلهام نفسها وتمايلت وهي تمشي نشوانة ثم أردفت وهي تجلس:
ـ أنا لا آتي إلا بالأخبار السعيدة!
قالت هدي عبد الحليم وهي تضحك: ـ أنت إلهامنا بالسعادة يا إلهام.. قامت إلهام فرحة وقبلتها وهي تقول:
ـ هذا من أصلك الطيب يا بنت الأصول!
ہہہبعد أسبوع.. وقف الأوتوبيس أمام الشركة في نهاية العمل، اتجه كل راكب إلي مقعده الذي حددته له الإدارة.. كان مقعدي خلف السائق.. كنت أري في المرآة الأمامية الفرحة تطل من عيون الجميع خلفي.. وثمة إحساس بالرضا بدا علي الوجوه. لم أشاهد تزاحما فالكل يعلمون أن لكل واحد مقعده!
وبعد أن جلس الجميع قام سيد متولي فوزع خريطة بمسار الأوتوبيس إلي محطات وموعد القياد من كل محطة.. حين تحرك الأوتوبيس قال سيد متولي باسما:
ـ لأن إدارة الشركة تحبكم واستجابة لمطالب النقابة فقد عينت لكم سائقين اثنين في واحد، هو الرجل الطيب الأسطي حسنين.. علما بأنه ليس من حقكم إلا حسن واحد!! قالت إلهام مصطفي وهي تضحك: ـ شكرا للإدارة، وشكرا للنقابة، وشكرا للأسطي حسن وحسن!! قالت زينب عباس:
ـ طريق السلامة يا أسطي حسنين.
ہہہفي الأوتوبيس استوقفتني أشياء كثيرة، رأيت الرجال يهتمون بمظهرهم وحرص الشباب علي أن يكونوا في أحسن صورة تتدلي من ياقات قمصانهم الكرافتات الجميلة.. وما زلت أذكر ذلك الفتي الحالم شريف عبد الوهاب وبيده دائما ديوان شعر.. يمضي وقت الرحلة في القراءة.. والأستاذ رضا يوسف وهو في مقعد خلفي لا ترتفع عيناه عن الصحيفة اليومية حتي محطة الوصول.. ورمزي يس وهو يتحدث عن أفضل السبل لاستثمار المدخرات.
وبدأت أسمع حديثا لم أتعوده من قبل في أي مركبة كنت استقلها وأنا ذاهب أو عائد من العمل.
أذكر أن حمدية رضوان قالت يوما:
ـ سلامتك يا ماري، لم تأت أمس.. لعله خير؟
ـ عادل مريض، قعدت معاه.. ـ ألف سلامة، ربنا يطمئنك عليه.. ـ شكرا.. بالجانب الآخر.. قريبا مني، كانت تجلس زينات عمران.. سمعتها تقول ذات يوم:
ـ جاءنا أمس، عريس لابنتي إحسان.. ـ ردت سهير عبد الحميد التي تجلس بجانبها:
ـ ألف مبروك يا أختي.
ـ شكرا يا سهير، تبادلنا الترحيب والمجاملة إلي أن نسأل عنه!
ـ ربنا يتمم بخير.. ـ ربنا كريم ويقدرنا! عقبال ابنك حسام.. وابتسمت وهي تنظر نحو سامية عبد الله التي عينت بالشركة.. وهي فتاة آية في الجمال والاحتشام.. قالت سهير: ربما يقدم ما فيه الخير بعد العيد بإذن الله.. ردت زينات: ربنا يفرحك يا اختي ويتمم بخير.. ارتفع صوت إلهام: سمعنا يا أسطي حسنين غنوة تفّرح!
قلت: ليكن بصوت خفيض يا أسطي.. حسب التعليمات!
قالت إلهام: السمع المحترم هو الصوت الهادي يا ريس، نعم الرأي يا ريس! كل سنة وحضرتك طيب!
ـ وأنتم طيبون.
ہہہمضت أيام وشهور، مضت سنة وسنة أخري، عشنا في الأوتوبيس أيام حلوة ومرت علينا أيام حزينة، مضي بنا يوما إلي منزل زينات عمران لتهنئتها بزفاف ابنتها، وفي يوم لبست فيه السيدات ثيابا سودا ومضينا نحو الكنيسة لنعزي ماري في وفاة زوجها.. ويوما لاحظت أن سهير عبد الحميد قد جلست بجانب الموظفة الجديدة سامية عبد الله تتلقي التهاني علي عقد قران ابنها إلي سامية!
مرت أيام أسدلت فيها الستائر داخل الأوتوبيس لتخفف من حرارة شمس الصيف، ومرت أيام حرك الأسطي حسنين مساحات المطر، ومرت أيام كان الجميع فرحين بحصولهم علي حوافز مضاعفة بعد تحقيق أرباح متميزة للشركة، ويوم كئيب خفضت فيه الحوافز لعدم تحقيق كامل الخطة المستهدفة. ولا أنسي يوما انتقلنا بالأوتوبيس في العودة إلي المستشفي في مصر الجديدة لزيارة إلهام وهي مريضة.. ما زلت أذكر ما قالته إلهام يومها حين أقبلنا عليها، ابتسمت ثم بكت وهي تقول:
ـ أنا لي أهلان، ناس في بيتنا وناس في الأوتوبيس، أنا حائرة لا أعرف من أحب منهم أكثر..! مضت الأيام والشهور، كان الأوتوبيس يتعثر أحيانا، ويسرع حينا، لكنه في كل الأحوال كان يحملنا في أمان ذهابا إلي مقر العمل وإيابا إلي بيوتنا.. إلي أن جاء يوم.. كان يوما من أيام الخريف والدنيا من حولنا مغبرة وسحابة سوداء تحجب سماء القاهرة.. وكانت الصحف تعلن بين يوم وآخر عن بيع شركات القطاع العام الخاسرة، ولما كانت شركتنا من الشركات الناجحة التي تحقق دائما فائضا في الأرباح، كنا مطمئنين إلي انها لن تباع.. لكننا اليوم بعد أن قرأنا عن شركات ناجحة مثل شركتنا معروضة للبيع خيم الحزن والقلق علي قلوبنا.. وعلقت علي الخبر هدي عبد الحليم قائلة:
ـ هذا يعني أن شركتنا سوف يأتي عليها الدور وتباع.. ردت زينب عباس:
ـ تقولين شركتنا؟ أنت طيبة يا اختي.. لن تصبح شركتنا بعد الذي قرأناه!
فجأة بعد أن عبرنا كوبري الفردوس متجهين إلي مصر الجديدة، وقبل أن نصل إلي مبني بانوراما أكتوبر، وقبل أن تطالعنا الشوارع الفسيحة والعمارات المزدهرة بمصر الجديدة.. وبينما كان شريف عبد الوهاب يقرأ في ديوان الشعر، ورضا يوسف ينظر في الجريدة، وسامية عبد الله تحمل العروس الجميلة اللعبة التي اشترتها لطفلها المنتظر.. وبالقرب منها ماري تضع كيسا به خبز وفاكهة إلي جانبها.. فجأة قطعت علينا الطريق عربة ضخمة مسرعة في جنون تجر مقطورة تتمايل وتهدد المركبات المارة برعونة سائقها واستهتاره.. فجأة.. صدمتنا.. أحدثت فينا الزلزال والإعصار والبركان.. ما زالت المشاهد في ذاكرتي حية مفزعة رغم مرور الأيام والشهور، لن أنسي نظرة الرعب التي قفزت من عيني السائق الطيب الأسطي حسنين وشهقات الفزع وصراخ الرجال وبكاء النساء!
ما زلت أذكر اللحظة الفارقة التي أنقذتنا باحتضان سيد متولي لي.. وتعود الغصة إلي حلقي وأنا أستعيد صور المأساة.. الضاحكة إلهام، العروس الجميلة سامية، ماري الصبورة الحزينة التي ترعي أولادها بعد رحيل زوجها، شريف فتحي الحالم مع قصائد الشعراء، سيد متولي الذي لن أنسي شهامته ورجولته وتضحيته وهو يحتضنني!
يوقظني رنين التليفون.. كانت زينب عباس.. قالت:
ـ هل قرأت المنشور بالجريدة عن بيع شركتنا يا ريس؟
ـ نعم ويا ليتني ما قرأت!
ـ الشيء الذي لا تعرفه ولم ينشر.. هو أن الذي اشتري شركتنا هو مسرور الناجي!
ـ من هو مسرور الناجي؟
ـ صاحب شركة مسروركو.. مالك العربة التي حطمت أوتوبيسنا.. هو خصمنا في القضية المرفوعة من الشركة عليه!
ـ صرخت: هل هذا معقول؟.
ہہہقبل أن أقف متوكئا علي عكازي، وأنها أتهيأ لمغادرة الشرفة.. أعدت قراءة خبر بيع شركتنا، كان وجه إلهام الذي تعودت أن أراه ضاحكا يطل من بين السطور مقطبا وحزينا، وديوان الشعر بالقرب من جثمان شريف عبد الوهاب ممزق الأوراق، علي حين كانت أرغفة الخبز وحبات البرتقال بالقرب من ماري مبعثرة بين المقاعد الخالية!
فجأة خيل إلي أني أري العروس اللعبة تنفلت من يد سامية عبد الله الغارقة في دمها، وتقف.. وراحت تنظر إلي وقد تشوه وجهها.. كانت مقطبة الجبين!
كاتب من فلسطين