دفعني إلى الكتابة في هذا الموضوع، غير اهتمامي بالخيام والرباعيات، مقولة الباحثة مهوش أسدي حمامي: «ولم يذكر مؤلف الترجمات العربية لرباعيات الخيام أثرًا من أدباء المغرب إلا ترجمة الأستاذ المرحوم بن تاويت»، في بحثها «عمر الخيام والألسنة المترجمة» (فاس 1998) أي بعد صدور كتابي، الذي أفادت منه كثيرًا بعشر سنوات.
إن قولها صحيح لأنني لم أعثر آنذاك للمغرب العربي كله على ترجمات للرباعيات سوى ترجمة «محمد بن تاويت الطبخي» التي درستها في كتابي، والتي نشرت في مجلة «اللسان العربي» في الرباط (العدد 32 ـ مارس/آذار 1985)، وكانت أحدث الترجمات الشعرية العربية قاطبًة آنذاك. وكان الفضل في اهتدائي إليها إلى أستاذي كامل مصطفى الشيبي، رحمه الله، الذي درسني مادة «الفلسفة» في كلية الآداب في جامعة بغداد في أوائل ستينيات القرن العشرين، وكان معنيًا بالخيام وبشعر «الدوبيت» العربي، وكتابه «ديوان الدوبيت في الشعر العربي» (دار الثقافة ـ بيروت 1972) قيم ومعروف متداول.
منذ أن صدر كتابي عام 1988، الذي ألفته بتكليف من جامعة قطر بفضل رئيسها آنذاك الراحل محمد إبراهيم كاظم، والذي درست فيه دراسة نقدية خمسًا وخمسين ترجمة ومنظومة شعرية ونثرية وشعبية لمترجمين وناظمين من العراق ومصر ولبنان والأردن والبحرين والسعودية والمغرب. مذ ذلك التاريخ وأنا أتقصى ما فاتني وما جدّ من ترجمات ومنظومات، فتجمع لديّ ما يزيد على ثلاثين ترجمة ومنظومة أخرى كتبت عن بعضها في المجلات والصحف، وأخرت أُخرى، وستنتظمها جميعًا الطبعة الثانية من الكتاب، التي أخرتها هذه المدة الطويلة، لهذا الغرض. من بين ما تجمع لديّ بضع ترجمات واهتمامات لعدد من أدباء المغرب العربي وشعرائه وأكاديمية في المغرب وتونس والجزائر على النحو الآتي:
المغرب:
ففي المغرب، في ما يستفاد من بحث الباحثة المذكورة، ترجمتان أُخريان لا تعرف هي شيئًا عنهما، شأنهما شأن ترجمة الشاعر السوري محمد الغراتي والشاعر العراقي محمد مهدي الجواهري، ورباعيات أُخرى لأحمد رامي وجدت بعد وفاته، وترجمات لبعض شعراء السودان. تقول: «أنصتّ لحديث إذاعي مع (بنعمارة) ـ بدون أن تذكر عنه شيئًا وهو الشاعر محمد بنعمارة – حول رباعيات الخيام، ونبهني عبد الملك الشافي إلى اهتمام (بنعمارة) بترجمة الرباعيات، ولكنني لم أعثر على شيء من ترجمته. وأيضًا وجدت للشاعر أحمد مغيدي قطعة في شعره الحر تدل على تأثر الشاعر بترجمات الرباعيات، وربما ترجمة فيتز جيرالد، وأجعله الثالث الذي ألم بشاعر الرباعيات في جلسة مع الخيام في (المرصد)».
لم أعثر للجزائريين في الخيام، كذلك، إلا على منظومة واحدة «رباعيات الخيام: صياغة جديدة إلى الشعر الشعبي الجزائري» عن ترجمة أحمد رامي (لم يذكر مكان الطبع ولا التاريخ) للشاعر بلقاسم الشايب.
وقد عُني بالخيام في المغرب في ما اهتديت إليه أيضًا:
1ـ حورية الخمليشي من كلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة محمد الخامس في الرباط في بحثها «حينما تتفوق الترجمة على الأصل: رباعيات الخيام، ترجمة أحمد رامي».
2 ـ عايدة بدر في بحثها «رباعيات الخيام» بين الأصالة والانتسا
3 ـ أحمد موسى في بحثه «عمر الخيام الشاعر المفكر والفيلسوف» (مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية – جامعة شعيب الدكالي الجديدة – المغرب. العدد المزدوج 12-13 / 2010).
4 ـ فدوى الشكري المترجمة والباحثة في الدراسات الشرقية وأستاذة اللغة الفارسية وسفيرة «واتا wata» في مقالها «رباعيات الخيام»، ومقالها «ترجمات رباعيات الخيام في اللغة العربية» الذي أشارت فيه إلى كتابي وبعض الترجمات (المصدر نفسه).
5 ـ الفنان أحمد جاريد في «ما وراء رباعيات الخيام» مجموعة من إبداعاته التشكيلية في (Loft Art Gallery) إحدى أكبر صالات العرض في الدار البيضاء. عمر الخيام عنده «ليس صورة بل قيمة… فالذي يشدني أكثر في تجربة هذا الرجل هو اقتسام تلك الحساسية التي تهم زهده وتواضعه، وتهم شفافية الروح وهشاشة الحب. بهذا المعنى يعيدني الخيام إلى الأعماق… على هذا الأساس اعتبر إعادة زيارتي للرباعيات هي نوع من البحث عني في الخيام والبحث عن الخيام الذي فيّ» (مجلة الدوحة. العدد 70 أغسطس/آب 2013).
ولو كنت اطلعت على هذا المبحث لأدرجته في كتابي «عمر الخيام في مرايا المبدعين العرب» (دار شهرزاد – عمان، الأردن 2018). وليس من شك في أن للباحثين والباحثات المغاربة اهتمامات أُخرى بالفارسية وآدابها والدراسات المقارنة بينها وبين العربية وآدابها، أثبت ما استطعت أن أصل إليه منها في كتابي: «الفارسية في اللغة العربية ولهجاتها: مدخل ومفارقات وببليوغرافيا» (دار شهرزاد ـ عمان 2018)، و»الدراسات العربية المقارنة في اللغات الشرقية وآدابها» (الدار الأهلية ـ عمان 2019).
تونس:
لم أعثر لتونس عن الخيام إلا على بحث «ترجمات رباعيات الخيام» للشاعر نور الدين صمود (مجلة الدراسات الأدبية ـ بيروت. العدد 66 ربيع 2009 ص183-202)، الذي وقف فيه عند ترجمة الشاعر الأردني مصطفى وهبي التل (عِرار) من تحقيقي، واكتفى برباعية واحدة (الرباعية 89)، هي:
لقد سمعت في السحر صوتًا مصدره حانتنا
يقول لي: هلم أيها الخليع المجنون،
نملأ أقداحنا خمرًا
قبل أن تمتلئ كؤوس حياتنا
وجعل يوازنها بنظيراتها في ترجمات نفرٍ ممن ترجموها عن الفارسية: أحمد رامي، وأحمد الصافي النجفي، وإبراهيم العُريض، وعبد الحق فاضل، وطالب الحيدري، وجميل صدقي الزهاوي؛ وبعض من ترجموها عن ترجمة إدوارد فيتز جيرالد: محمد السباعي، وديع البستاني، وإبراهيم عبد القادر المازني. ثم ترجم هو نفسه الرباعية عينها شعرًا عن الفارسية ـ كما يقول- مستعينًا بترجمات نثرية وشعرية على عدة بحور. لقد ترجمها سبع ترجمات مختلفة أولها:
صوت لقطتْ صداه أُذني سحرا
النومَ دعوا لتملؤوا كأساكم
من حانتنا غدا ينادي البشرا
فالموت قضا، ومن يُرد القدرا
الجزائر:
ولم أعثر للجزائريين في الخيام، كذلك، إلا على منظومة واحدة «رباعيات الخيام: صياغة جديدة إلى الشعر الشعبي الجزائري» عن ترجمة أحمد رامي (لم يذكر مكان الطبع ولا التاريخ) للشاعر بلقاسم الشايب، الذي أثبت كل «رامية» إلى جانب منظوماته هو، وشرح معاني بعض الألفاظ في الهوامش. آمل أن أعثر، أو يدلني غيري، على مواد أخرى ـ إن وجدت- في الموضوع في البلدان الثلاثة كي يكتمل ويلم شتاته.
٭ كاتب من الاردن