الرباط-“القدس العربي”:يتواجد في الرباط، مقر واحدة من المؤسسات التي لا يعرف أغلب المغاربة دورها، وربما لم يسمعوا بها. هذه المؤسسة هي “اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي” التي استحدثت في شباط/فبراير 2009 وتعتبر السلطة المغربية المسؤولة عن حماية المعطيات الشخصية للمواطنين.
“نعم، لدى اللجنة الوطنية سلطة التحري والبحث، سلطة تمكنها من مراقبة عمليات معالجة المعطيات الشخصية للتأكد من توافقها مع مقتضيات القانون (08-09) المتعلق بحماية معطيات الأشخاص الذاتيين الشخصية”. هكذا أجاب عمر السغروشني، رئيس “اللجنة الوطنية لحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي” سؤال “القدس العربي” له، حول هل لها قدرة على ذلك.
*يشهد العالم جدلا حول حماية المعطيات الشخصية من لدن الشركات القائمة على منصات التواصل الاجتماعي، لا سيما بعد فضيحة شركة “كامبريدج أناليتيك” للاستشارات السياسية والتي حصلت بطريقة غير مشروعة على معلومات شخصية، لما يقدر بنحو 87 مليونا من مستخدمي شبكة التواصل الاجتماعي في الولايات المتحدة. فما هي التدابير التي اتخذتها لجنتكم، لحماية المعطيات الشخصية للمغاربة، في هذا السياق؟
**المفاهيم المتعلقة بالمعطيات ذات الطابع الشخصي، عرفت في القرن العشرين، ومن يومها ونحن نشهد تطورا نوعيا لتلك المفاهيم، والرهان اليوم يتجاوز المعطيات الشخصية، إلى الإنسان نفسه، لحمايته داخل العالم الرقمي، الذي يشتغل بخوارزميات تشكل خطرا على المواطن بتحكمها فيه، وفي حقه في الاختيار. ومن أجل ذلك راسلنا عدة شركات من بينها “فيسبوك” في نيسان/ أبريل الماضي، وطرحنا عليها سؤالنا حول – أين توجد المعطيات ذات طابع شخصي الخاصة بالمغاربة؟ وطلبنا أن تكون تلك المعطيات في إحدى الدول ذات مستوى حماية كافٍ، كدول الاتحاد الأوروبي، وكان ردهم أن الإجابة ستكون بعد التشاور مع الإدارة المركزية للشركة. المسألة الثانية، التي طرحناها عليهم تتعلق بإجراءات شكايات المغاربة حول معطياتهم الخاصة، وكانت مطالبنا واضحة، مبنية على نقاش فيه حل للجميع. وتم الاتفاق على الاشتغال وتقديم الدعم لمعالجة الشكايات، وتم تفعيل آليات المتابعة والمساعدة في الشكايات، ابتداء من تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، ولكن لم نتوصل بعد بأي شكاية من المواطنين المغاربة.
*ذكرتم أن المفاهيم تتطور مع الزمن، فهل بمقدور “اللجنة الوطنية لحماية المعطيات الشخصية” المساهمة بمقترح لمشاريع قوانين، تتعلق بالحفاظ على الحياة الشخصية وحماية البيانات، حتى يكون القانون المغربي مسايراً لهذا التطور؟
**الحكومة في ما يتعلق بالقوانين المؤطرة للمعطيات ذات طابع شخصي تطلب رأي اللجنة، ويفترض أن يكون رأي اللجنة مُحيطا بكل الجوانب، حتى يأخذ بعين الاعتبار من طرف المشرع، واليوم بعد الانضمام إلى اتفاقية الـ”108″ أصبح رأي اللجنة له وزنٍ، وقد طلب عدة مرات من طرف جهات حكومية في قضايا لها علاقة بالمعطيات ذات طابع شخصي.
*يشتكي مواطنون، من استغلال بعض شركات الاتصالات للوائح أرقام وإيميلات زبائنها، وبيعها لأغراض إعلانية، وأخرى سياسية، فهل تتخذون آليات لرصد ذلك، وكيف يمكن لكم التدخل لحماية معطيات هؤلاء المواطنين؟
**لدينا وعي تام بهذا الوضع، ونعمل على منهجية العمل والحوار، ثم إخبار الرأي العام، ولكن قبل ذلك، ولكي نعمل على القضايا بعمق، تستعين اللجنة في دراسة القضايا بخبراء في المجال، وفي هذه القضية استعنا بـ”anrt” لأن اللجنة إذا دخلت مباشرة في حوار مع شركات الاتصالات، يمكن أن تواجه أمورا تقنية، لا دراية لنا بها، واكتشفنا أن شركات الاتصالات تشتغل ضمن إطار القانون، وتحترم ذلك بمسؤولية، ولكن المشكل، يكمن في استعمال المواطنين لبعض التطبيقات الذكية، والتي يسمحون لها بالوصول إلى معطياتهم الشخصية، وبعد ذلك تستعمل في مآرب أخرى، وهذه التطبيقات مجهولة المصدر فعلينا ان نشتغل لكي يحترم القانون من طرف الكل.
*انضمت المملكة المغربية تموز/يونيو الماضي، إلى الاتفاق “رقم 108” الذي أطلقه المجلس الأوروبي في مجال حماية المعطيات الخاصة والحياة الشخصية، الاتفاقية الوحيدة الموجودة في العالم لحماية تلك المعطيات، حينها قال خبراء، أن ذلك هو الأمر الذي يفرض التزامات على المغرب، كما سيمنحه مجالاً للاستفادة من حماية المعطيات الشخصية، فماذا تمنح تلك الاتفاقية وماذا تفرض؟
**أود أن أبين أن هذه الاتفاقية إيجابية للمغرب الذي وضع استراتيجية اقتصادية للاشتغال مع أوروبا، لكي تمر التبادلات الاقتصادية والتجارية بكل استقرار، وبدون عوائق أو مشاكل، يجب لمستوى احترام المعطيات ذات طابع شخصي في المغرب هو نفسه ما يوجد في أوروبا، كالعقوبات المالية القوية، وفقدان الشركات لصورتها التجارية في حال اختراق قوانين المعطيات الشخصية، والمغرب في هذا المجال قام بعمل مشترك ما بين وزارات الخارجية والاقتصاد واللجنة للانضمام إلى هذه الاتفاقية، في هذا الاطار سيتم إلزام الشركات في حال أخذها معطيات شخصية لمواطن، على إخباره ما هو الغرض من ذلك، وإعطائه حرية القبول والمصادقة على العملية، وفي حال ما أرادت الشركة استعمالها في أغراض غير المتفق عليها مسبقًا، يجب عليها العودة للمواطن لإخباره بالغرض، وأخذ موافقته على ذلك، وانضمامنا إلى الاتفاق “رقم 108” يجعلنا في وزن دول أخرى كالاتحاد الأوروبي، ويقوي صورة المملكة في المجال.
ونحن الآن نشتغل ضمن تكتل شبكة افريقية، تدعى “الشبكة الافريقية لحماية المعطيات الخاصة” تم وضعها سنة 2016 واختارت المغرب مقرا لأمانتها العامة عام 2018 وقد أقنعنا من خلالها مؤسسات أوروبية، على التعامل مع المعطيات ذات الطابع الشخصي، بالنظرة والوزن نفسه، وليس بطريقة الكيل بمكيالين، وطالبنا الأوروبيين بأخذ المواقف التي يتخذونها من الأوروبيين في حالة خرق معطيات الافارقة الخاصة، واحترام القوانين المعمول بها في ذلك الشأن حتى في افريقيا.
*وفي حال ما تقدم مواطن بشكاية تتعلق بمعطياته الشخصية، ما مآلها؟
**أولا نقوم بدراسة الشكايات وبعدها نراسل المسؤول عن المعالجة عبر إشعار بالشكاية، إذ تخبر اللجنة المشتكي بمآل شكايته في حال تجاوب المسؤول عن المعالجة في ظرف وجيز.
وفي حال عدم تجاوب المسؤول في الآجال المحددة، تبعث اللجنة برسالة تذكير، وفي حالة عدم توصل اللجنة بأي جواب، نقوم بمراسلة إنذارية عن طريق مفوض قضائي.
وإذا ما استمر رفض المسؤول عن المعالجة التجاوب مع اللجنة نقوم ببعث رسالة مع برمجة عملية مراقبة أجل القيام بالتحريات والأبحاث اللازمة، وكذلك إرسال الملف إلى وكيل الملك (المدعي العام) فهو المختص في اتخاذ ما يراه مناسبا، من تدابير قانونية.
*بعض المعارضين المغاربة ودعمتهم في ذلك منظمة العفو الدولية، اشتكوا من تعرض هواتفهم للتجسس عبر برنامج بيغاسوس ما موقفكم من ذلك؟
**لقد تلقينا شكاية بخصوص ذلك، ولكن في رأيي الشخصي، فإن غياب الوعي هو السبب، فنحن نعطي معطياتنا الشخصية لهذه الشركات، بدون ضمانات، ثم نتساءل أين معطياتنا، إن قوة المغاربة تجاه هذه الشركات تكمن في الوعي، ونحن أمام بناء تكامل بين الدولة والمجتمع لحماية المعطيات الشخصية، لأن الدولة وحدها غير قادرة على مواجهة هذه الشركات.
* اتهم صحافيون المجلس الوطني للصحافة بتسريب بيانات تتعلق بهم، والتي جاءت ضمن الوثائق المطلوبة من أجل تجديد بطاقة الصحافة الأمر الذي دفع بالمجلس إلى الخروج ببيان نفي، فماذا كانت ردة فعل اللجنة الوطنية أمام هذه القضية؟
**أود إخباركم بأننا نتابع الأحداث، أولا بأول، وندرسها بروية، حتى تكون لنا مصداقية الرأي والقرار، وفي هذه القضية لم نتوصل بشكايات، ولكننا نتابع القضية ونراقب فصولها، وإذا ثبت تورط أي جهة في ذلك، لن نتنازل عن حق المتضررين.
*من شروط إجراءات طلب تأشيرة سفر للخارج، أن تطلب السفارات أو الشركات معطيات شخصية عن المغاربة الذين يطلبون التأشيرة، من قبيل كشوفات الحسابات، التي تتضمن الراتب الشهري، وجداول صرف الأموال، الأمر الذي يعتبره البعض، وصول دول أجنبية إلى معطيات المواطنين المغاربة، فكيف ترون ذلك؟
**هذا أمر يشعرنا بالغبطة، لأننا نعتبره مؤشراً على وعي كبير من لدن المغاربة بمعطياتهم ذات طابع شخصي، وقد قمنا فعلا بدراسة هذه القضية، واتصلنا بنظيراتنا من اللجان المختصة بالمعطيات الشخصية، كاللجنة الأوروبية، والفرنسية والبلجيكية، وكان ذلك في آذار/مارس الماضي، ونعمل على الأمر بدون التسبب في مشكل ديبلوماسي، وبدون إثارة انتقادات المغاربة أنفسهم في حال تخوفهم من ردة فعل هذه، وتصعيب التأشيرات عليهم، وهناك نقاش مع اللجان من أجل التوصل إلى طريقة لعمل مراقبة مشتركة على معطيات المغاربة المستعملة من طرف القنصليات.