ببلاغة مختصرة، وبراعة بيان، ووضوح هدف، يبدأ عمر عبد العزيز قصته الموسومة (الحمودي .. قصة مهاجر على درب الحنين والأنين) من الحارة التي اتخذها مسرحاً ابتدائياً لحكايته، حيث يصف شكل الحياة في تلك الحارة، من ألعاب الأطفال، وغزل النوارس، وصوت جحافل الجنود الإيطاليين، والألوان والأنغام، وبقايا كائنات البحر، بعد أن انحسرت مياه البحر عن أطراف القرية، إلى (البهلول) دمدم، الذي يعتبره الراوي نغماً في تراتيل القرية الصغيرة. وكذلك الربط الدقيق بين لغة البشر ولغة الجن، التي يُتقنها دمدم، حيث تتناول نساء القرية سيرة (العم سالم) بأنه متزوج من شابة (جنيّة) نظراً لابتعاده عن نساء القرية اللاتي يعتبرن أنفسهن أجمل من نساء الجن، ولاقتناعه بمبدأ (أن الزواج ليس في المحصلة سوى مصادرة مزدوجة لحرية طرفين، ارتضيا طوعاً أن يمارسا قهراً متبادلها). وفي هذا رؤية تبدو ـ في حالات عديدة ـ حقيقية وليست فلسفية.
لغة الحكاية:
يحاول د. عمر عبدالعزيز في كل أعماله أن يكون جديداً لا مُكرراً !. ولا يقوم بترديد ما قاله السابقون، لذا اكتسبت قصة (الحمودي) ـ التي لم يُشر على غلافها أنها رواية – ميزة التجديد، رغم أنه يغمس عباراته في عطر التراث، سواء في القرية اليمنية أم في مقديشو عندما يصلها أبوه أو هو.
الخرافة :
بسلاسة، ودون مقدمات يخترق الرواي عالم الخرافة، بكون (دمدم) قادم من اللازمان واللامكان، وأنه سليل لملوك الجن، وأنه تاه «في سراديب المجهول الأرضي للكائنات الأثيرية المسبوكة من نار وبخار، وأن (دمدم) وسيدته المُسماة ( سيدة الصمت الكبير) يتبادلان أدوار الإنس والجن . ويدخل الرواي في سرد قصة (دمدم) المنحدر من أب يمني يعيش في الجبال وقد تزوج من حبشية سمراء أنجبت (دمدم)، الذي جاء مختلطاً، ما سهّل لنساء الحارة الثرثارات اتهام والدته بأنها « لعوب» سابقة، وأن (دمدم) جاء سفاحاً من أسمر حبشي «. ويدخل الراوي في أحاديث العرافين، لربما محاولة لالتفات على السرد المباشر، كي يمهّد بهذه القصة إلى القصة الأكثر إثارة في النص.
يبدأ الرواي الحديث بضمير المتحدث عندما يصف ( حارة العرب) وأشكال الحياة فيها، وكذلك حياة أسلافه بدءاً من الجدة ( بولا علي دقوود) التي يصفها وصفاً وراثياً دقيقاً، وحتى وفاتها . وفي هذا الفصل يبدأ الراوي الحديث عما جلبه الإيطاليون من معارف، وما أقبل عليه أهل البلاد من تعلم للغة الإيطالية، بما في ذلك، الافلام والكنائس والفنون الرومانية في (حارة العرب ) التي احتضنت المهاجرين اليمنيين الذين جاؤوا مع الحملة الإيطالية في جنوب الصومال.
وفي هذا الفصل يفصح الراوي عن نفسه كطفل لـ (عبدالعزيز الحمودي)، حيث يخبره الوالد بعبوره البحار تاركاً الوطن وراء ظهره . ويبدأ بسرد تاريخي لحياة جده الأكبر ( الطيار) المتصوف والمشّاء. ويمزج سرده بعوالم الجن والماورائيات والخوارق . « يقطع المفازات ويصل الليل بالنهار ويعيش مع الضواري والحشرات في البراري والقفار … وكان ينام على الأرض ويلتحف السماء كملا دنت الأسحار «. ولكأني بالراوي يقربنا هنا ـ دون قصد ـ لملامح شخصيته هو ( أي عمر ) الذي يميل دوماً إلى التصوف الفلسفي ولرمبا لا الديني ، وفلسفة الحياة على إيقاع خاص به، في ثوب جد ناصع من الزهد والبساطة . وفي هذه المرحلة يصف الرحلة ( رحلة جده الطيار) من (المخا) في غرب اليمن، وعلى ساحل البحر حيث يدخلنا الراوي من جديد في عالم الخرافة أو أعمال ( الخوارق) حيث قصة عمامة جده (الطيار) التي يرميها في البحر وتقف مكانها دو حراك، رغم أمواج البحر، حتى وطأ ( الطيار) عمامته وسار بعيداً في رحلته البحرية متجاوزاً المركب الذي رفض قبطانه توصيله في الرحلة لعدم امتلاكه لثمن الرحلة . ويعود ( عمر) من جديد إلى ( عُمَره) ليستشهد بنطق (الحلاج) : عجبتُ لبعضي كيف يحمي كُلي .. ومن ثِقل بعضي ليس تحملني أرضي.
يستمر الراوي في سرد قصة السُلالة حيث الوالد عبدالعزيز الحمودي ابن ( الطيار) الطبيب الشعبي الذي يُدعى (المُجارح)، والذي يُجري العمليات الجراحية باستخدام مخدرات نباتية يصنعها بنفسه . ويصف نمو وترعرع (عبدالعزيز) في تلك القرية المعلقة في قمة جبل (حبشي)، وبسرعة إيقاع ينهي الراوي قصة ( المُجارح)، ليبدأ قصته هو، عندما أخذه جندُ الحاكم الإمام أحمد (الإبن) رهينة كون العائلة لم تكن قادرة على دفع الاتاوات الزراعية . ويودع السجن، لكنه ينجح في الهرب من السجن ويساعده أهل القرية في كسر قيوده . حتى يصل إلى خيمة عساكر فيها ضابط إيطالي يُعجب به، ويُسجل كجندي ضمن الفرقة الإيطالية القاصدة للصومال الجنوبي حيث (مقديشو) . هنا يفتح الراوي لنا سجلَ التاريخ، ويروي لنا تفاصيل الرحلة بعبارات تتماوج بين السرد اللفظي والفلسفي، ولكأنه لا يستطيع التخلص من دائرة اللاثبات أو اللاموقف ضمن مرئيات خاصة به، قد لا يدركها الآخرون ؛ ولكأنه يقف (واعظاً) في درس فلسفة !. وفي هذا الفصل يُعيدنا الراوي إلى (عمر عبدالعزيز) بثرائه الثقافي ومجاهيل أفكاره ومكنوناته الثقافية، (سيرة عنترة)، (غريب وعجيب)، ( سهيم الليل)، (ألف ليلة وليلة )، (سيف بن ذي يزن)، (بدائع الزهور وغرائب الدهور)، سيرة أبي زيد الهلالي). ولقد استحضر الراوي هذه العناوين على هيئة استحضاره لـ (الحمودي). ويستمر هذا الاستحضار، حتى يُدخلنا في التاريخ القريب، وهو الحرب العالمية الثانية، يحث يجد (الحمودي) الإبن نفسه مع الجبهة الأثيوبية الصومالية التي تواجهت فيها العسكرية البريطانية والإيطالية !. ويحكي هذا الفصل تفاصيل وحكايات له في الصومال، حتى بعد أن تضع الحرب أوزارها، وكيف أنه كان شاهداً على الحرب الأهلية المستديمة في الصومال، حتى عودته إلى عدن مع العسكرية الإيطالية . وينهي القصة بعودته من جديد إلى فكر (عمر عبدالعزيز) المتماهي مع الآفاق، والألفاظ القافزة في معان كثيرة متمأسسة، والسجع والطباق والجناس مع تقدير جم لحالة الصمت الواضحة التي لم تكن فقط خيمت على (الحمودي) روائياً، بل على (عمر عبدالعزيز) إنسانياً، في عالم يكثر فيه الكلام ويتوالد فيه الثرثارون.
كلمة أخيرة .. ماذا أراد أن يقول لنا الراوي هنا !؟ سؤال بالطبع اجاباته متعددة، هل فعلاً أرادها سيرة عائلية ؟. أم أن غموضاً جديداً أراد الراوي إضافته على شخصيته المتأملة والمتألمة في ذات الآن !. هل عذابات المنفى والترحال وتعدد الوجوه أوحت للكاتب بمثل هذا التوثيق؟ عادة ما تغيب الحبكة عن مثل هذه الأعمال السردية، وتتقطع خيوط تماسها، كونها تميل إلى النقل الواقعي للأحداث، ولكن في (الحمودي) وجدنا نقلات متقنة، مختصرة، سلسة، تكشف لنا أدب الرحلات بصورته الفيزيائية والفلسفية، ما يغيب كثيراً في أدب الرحلات.
* أكاديمي وروائي قطري
أحمد عبد الملك