مع بدء عام جديد طرح المصرف المركزي في سوريا نسخة معدنية جديدة من فئة الخمسين ليرة التي يتداولها السوريون عادة في شكلها الورقي.
وبدأ التعامل بالقطعة المعدنية الجديدة اعتباراً من السادس والعشرين من ديسمبر/كانون الأول الفائت إلى جانب الإصدارات الورقية القديمة من الفئة ذاتها والتي تبلغ قيمتها اليوم حوالي عشرة سنتات أمريكية. وتحمل العملة الجديدة شعار “النسر” وهو الشعار الرسمي مع تاريخ الصك على أحد أوجهها، وصورة لصرح الجندي المجهول على الوجه الآخر.
وأفاد بيان صادر عن المصرف المركزي بأن “هذا الطرح يأتي حرصاً على تأمين احتياجات التداول من الأوراق النقدية والنقود المعدنية وحاجة السوق المتزايدة من الفئات الصغيرة ولا سيما فئة 50 ليرة”، وذلك وفق ما نقلته وكالة الأنباء السورية الرسمية “سانا”. ويعبر هذا البيان عن الحاجة الفعلية لطرح العملة المعدنية بعد أن أصاب التلف والاهتراء معظم أوراق الخمسين ليرة المتداولة بين الناس على نطاق واسع.
دلالات طرح العملة الجديدة
أُصدرت عملة الخمسين ليرة الورقية لأول مرة في سوريا عام 1953 وتغير شكلها وحجمها مرات عدة وصولاً لآخر شكل كان متداولاً في الأسواق والذي صدر عام 2009. وكانت قيمتها حينذاك تساوي دولاراً أمريكياً واحداً ولا تزال مستخدمة حتى اليوم.
لكن وقع سنوات الحرب لم يكن إيجابياً على الاقتصاد السوري إذ انخفضت القيمة الشرائية للعملة السورية حوالي عشرة أضعاف بسبب الخسائر الكبيرة التي طالت مختلف القطاعات الاقتصادية في البلاد، وتناقص الاحتياطي من النقد الأجنبي. نتيجة ذلك ارتفع سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار الأمريكي من حوالي 50 ليرة عام 2011 إلى 500 ليرة الشهر الحالي.
ساهم ذلك في تراجع استخدام العملات المعدنية التي تبلغ قيمتها أقل من خمسين ليرة وهي الخمس ليرات والعشر ليرات والخمس والعشرون ليرة، وازدياد تداول عملة الخمسين ليرة الورقية على نطاق واسع، إذ أصبحت مكافئة للخمس ليرات والعشر ليرات قبل الحرب، وهما عملتان كانتا شائعتي التداول بشكل كبير بين شريحة واسعة من السوريين لأمور يومية كدفع أجرة المواصلات العامة أو شراء بعض الحاجيات الرخيصة. ولعل هذا من مفارقات إصدار العملة الجديدة، والتي جاءت بديلة للعملات المعدنية التي طواها النسيان ولم تعد لها أي قيمة تذكر، ولها اليوم اللون والشكل نفسيهما تقريباً.
يؤكد الخبير الاقتصادي السوري جهاد يازجي في حديث لـ “القدس العربي” هذه الفكرة إذ يشير إلى أن المصارف المركزية حول العالم تحوّل عادة من الورق للمعدن العملات المتداولة على نطاق واسع نظراً لإمكانية تلف العملة الورقية بسرعة أكبر من المعدنية، “فكلما كانت قيمة العملة أعلى نراها ورقية حيث يحملها الناس ويستلهكونها بشكل أقل”.
بذلك يشكّل إصدار العملة الجديدة وفق وجهة نظره “إشارة وإثباتاً قطعياً على هبوط قيمة الليرة السورية رغم أنه قد لا يعني من الناحية الاقتصادية أو المالية الكثير حيث تبقى للعملتين الورقية والمعدنية القيمة وإمكانية الاستخدام نفسيهما”.
إضافة لذلك ينوّه محمد حبش، وهو خبير سوري في مجال الاقتصاد والتكنولوجيا، إلى أن التحوّل لعملة الخمسين المعدنية كان الحل الوحيد أمام مصرف سوريا المركزي لتجاوز مشكلة اهتراء العملة الورقية، “فطبع نسخ ورقية جديدة لن يكون مفيداً في ظل استمرار التضخم وزيادة سرعة تداول هذه الفئة بين السوريين لدفع قيمة أصغر الأشياء التي يمكن شراؤها، كما أن تكاليف الطباعة باتت أعلى من قيمة العملة نفسها وفق تصريحات رسمية صادرة منتصف العام الفائت”.
ويضيف أن المصرف لا بد وأن يبدأ قريباً في سحب العملات المهترئة من الأسواق بشكل تدريجي للحفاظ على قيمة الليرة السورية ومنع المزيد من التضخم، “وهو ما شهدناه عام 2003 عند تحويل فئة الخمس والعشرين ليرة من عملة ورقية إلى معدنية”.
ضجة بين المواطنين
طرح العملة الجديدة لم يمر دون أن يثير ضجة بين السوريين سواء خلال أحاديثهم اليومية في الشارع أو عبر مواقع التواصل الاجتماعي فكان الأسبوعان الفائتان كفيلين بتناقل مئات القصص والنوادر حول “الخمسين ليرة”.
فمع اهتراء العملات الورقية من هذه الفئة والمتداولة على نطاق واسع، أصبح من الصعوبة العثور على أوراق جديدة منها، وبات الكثير من هذه الأوراق القديمة أشبه بشريحة بلاستيكية قاسية لكثرة محاولات إصلاحها بواسطة الأشرطة اللاصقة الشفافة، حتى أصبح من الصعب التعرف على شكلها ولونها الحقيقي، ومما دفع البعض للقول بأن “الخمسين ليرة تحتوي أشرطة لاصقة بمبلغ يتجاوز الخمسين ليرة”.
أدى ذلك إلى تراجع تداول تلك الأوراق المهترئة واستبدالها بأغراض عينية لها القيمة نفسها. ففي وسائل النقل العامة قد يلجأ السائق لإرجاع البسكويت أو السكاكر أو العلكة للركاب عوضاً عنها رغم اعتراضهم، وكذلك الأمر في بعض البقاليات. وفي الصيدليات يمكن الحصول على نصف ظرف من مسكّن الصداع الأكثر شهرة في سوريا “السيتامول” إن كان إكمال الحساب للزبون يتطلب إعادة خمسين ليرة، وقد يتم ذلك بناء على طلب الزبون في حال عدم توافر “خمسين” مقبولة المظهر والشكل. أما في الدوائر الحكومية، فكثيراً ما يطلب الموظف من المراجع السماح لعدم وجود خمسينات يمكن إعادتها، وغالباً ما يستسلم المراجع وينسى أمر تلك الخمسين ليرة. البعض يطالب بإعادة بسكويت أو حبات دواء عوضاً عنها كي لا يشعروا بضياع حقهم بشكل أو بآخر.
وبشكل معاكس كثيراً ما يرفض سائقو الحافلات وسيارات الأجرة، وأيضاً العاملون في المحال المختلفة وحتى الدوائر الرسمية تقاضي بعض الخمسينات البالية من الناس. وفي بعض الأحيان تندلع مشادات كلامية بين الطرفين قد تصل حد الضرب في حال الإصرار على إعطاء الخمسين القديمة. “أن نهرّب بعض المخدرات من المكسيك لأمريكا قد يكون أسهل من إقناع بائع سوري بقبض واحدة من هذه الخمسينات” يقول عبد الرحمن في تعليق على ذلك. وتشبّه رنا هذه العملات بأنها “خارجة من حرب داحس والغبراء لشدّة قدمها”.
وبعيداً عن التلف والاهتراء يحنّ سوريون كثيرا لزمن قديم كانت فيه للخمسين ليرة قيمة كبيرة، وكانت فيه للحياة بشكل عام معانٍ مختلفة عن اليوم. فالخمسين قبل الحرب كانت تعني ثروة كبيرة للبعض، يمكن بها شراء وجبة غداء صغيرة، أو قطعة ثياب أو حذاء بنوعية جيدة. ببساطة كانت مصدر سعادة وقناعة لكثيرين.