رام الله ـ «القدس العربي»: أراد الاحتلال من مجزرة الإعدام التي نفذها بحق مجموعة مسلحة ينتمي عناصرها لمقاتلين من حركتي حماس والجهاد الإسلامي أن تكون حدا فاصلا بعد عملية فدائية نفذها شاب مقدسي، لكن من قال إن الفلسطيني المقاوم قابل للكسر حسب المفهوم الإسرائيلي الأمني؟
ورغم أن التقديرات الأمنية الإسرائيلية كانت تشير إلى أن الرد على إعدام خمسة شبان في أريحا مسألة وقت ليس إلا، وتحديدا ونحن أمام ممارسات حكومة بنيامين نتنياهو، جاء الرد يوم الجمعة وبعد الصلاة مباشرة.
وحسب المحلل في الشأن الإسرائيلي محمد علان دراغمة فإن عملية الدهس في القدس وفق اللغة الأمنية الإسرائيلية كانت تعكس مقولة «العنوان كان على الحائط» أي أن الفعل أو الرد المقاوم قادم لا محالة.
ويقر نشطاء بقوة الضربة التي تلقتها مجموعة مخيم عقبة جبر حيث خسرت المجموعة عناصرها دفعة واحدة بعد أن أعلنت عن نفسها بعملية لم يكتب لها النجاح. وبعد حصار امتد لأكثر من أسبوع على إثر محاولة إطلاق النار على مطعم يقع على مفترق البحر الميت (القريب من المناطق الإسرائيلية) وفي منطقة قريبة من سلاسل مطاعم ومقاهي، قرر الاحتلال مطاردة الخلية التي وقفت على العملية التي أطلق عليها الإعلام الإسرائيلي اسم «عملية الطلقة الواحدة» حيث ضخم الإعلام العبري الأمر وأسهب في شرح أن العملية فيما لو حدثت في المكان والزمان لكانت كارثة محققة.
وحسب مراقبين فإن الإعلام الإسرائيلي شكل قوة ضغط كبيرة على الحكومة اليمينية التي لا تؤمن إلا بالقوة والمميتة مع الفلسطينيين فاستهدفت غرفة خشبية بجانب «فيلا» تقع ما بين مدينة أريحا ومخيم عقبة جبر حيث أعدمت الشبان الخمسة وتبين لاحقا أن أربعة منهم من عائلة العويضات وهم أبناء عمومة، وأن إثنين أشقاء.
تمدد أشكال المقاومة
الباحث في الحركات الإسلامية ساري عرابي يرى أن عملية الاستهداف في أريحا واغتيال مجموعة من المقاومة لا تختلف جوهريا عن اغتيال 9 شهداء في مخيم جنين قبل أيام، فإسرائيل أمنيا تتعامل مع مظاهر المقاومة الفلسطينية في الضفة الغربية بجدية عالية، حتى لو لم تنفذ تلك المجموعات عمليات مؤثرة.
وأضاف: «الاحتلال الإسرائيلي يتخوف دوما من مسألة الاستنساخ والتمدد لأشكال المقاومة بفعل ما تمثله من إلهام وإحياء لثقافة وروح المقاومة، وهي بالتالي تريد دفن أي مجموعات مقاومة جديدة في مهدها، فنحن أمام كيان أمني يقوم على القوة وطمأنة الجمهور الإسرائيلي وإثبات الجدارة بحماية الإسرائيليين».
وحسب عرابي فإن الاحتلال يدرك أن أي تسامح مع المقاومة من شأنه أن يتمدد ويتحول إلى حواضن للمقاومة بحيث يصبح أكثر قوة.
وبعد استهداف مجموعة «مخيم عقبة جبر» ظهرت أصوات تطالب بضرورة إعادة فحص النموذج المقاوم الحالي في ظل حجم الخسارات التي تنالها مجموعات المقاومة، عن ذلك يقول الباحث عرابي أن النموذج المقاوم الحالي له سياقات الموضوعية التي يمنحنا إدراكها قدرة على تقديم انتقاد أو نصح لهذا النموذج.
ويسهب قائلا: «العمل المقاوم الحالي جاء بعد انتهاء انتفاضة الأقصى وما تلا ذلك من حالة من الانقسام السياسي، لقد كان لذلك أثر ثقيل على العمل الوطني في الضفة الوطنية، لقد جرفت الحالة الوطنية وساد خطاب الانقسام الذي دفع إلى سياسات اقتصادية وثقافية وأمنية كانت تهدف إلى تحييد الجماهير عن المواجهة وتفكيك فصائل المقاومة».
ويكمل عرابي في تحليله لحالة المقاومة الحالية أن كل العوامل السابقة أدت إلى ظهور حالة مقاومة متأثرة بمجموعة من العوامل منها المعارك التي شهدها قطاع غزة وتطور أشكال المقاومة هناك، وهبات القدس والعمليات الفردية وانتعاش المستوطنين والاعتداءات على الأقصى وفشل مشروع السلطة بحيث لم تعد تشكل أفقا سياسيا.
ويصف الحالة النضالية التي تمر بها الضفة الغربية على أنها قفزة في الفراغ، وجاءت ردا على طرح الشباب الفلسطيني أسئلة على نفسه حول دوره في ظل كل ذلك، وهو ما انعكس على ثلاثة مستويات: الأول عبارة عن هبات شعبية، والثاني عبارة عن عمليات فردية، والثالث الذي تمظهر على شكل تشكيلات مسلحة.
وشدد ان الحالة شهدت مجموعة من الأخطاء في النمط العسكري المقاوم حيث العمل المسلح المكشوف الذي كان له طبيعة استعراضية، ولكنه في المقابل كان مفيدا لكون الحالة تمكنت من إحياء ثقافة المقاومة وشكلت حالة من الإلهام وفرض وقائع مقاومة جديدة بخلاف ما ساد بعد سنوات الانقسام السياسي.
ويؤكد الباحث عرابي أن جواب السؤال: هل مقبول أن يبقى العمل المقاوم على هذا النمط؟ هو أنه فعليا غير مقبول حيث الاحتفاء بالطابع الاستعراضي وخسارة طاقات الشباب المقاوم بالاغتيال والاعتقال «فالمؤكد أن الحالة تتطلب نقلة نوعية، وهو أمر يجب أن يتصاحب بتمجيد المقاومة مع ضرورة تقديم لها كل النصح حتى تطور من أعمالها».
القدس ليست عاصمة للاحتلال
وتوقف مراقبون أمام ظهور مجموعات مسلحة في مدينة أريحا التي تمتاز بكثافة سكانية محدودة وغياب اتصال جغرافي مباشر مع مدن أخرى، ويرى عرابي أن دلالة هذا ظهور تشكيل مسلح مع وجود إرادة لتنفيذ عمليات عسكرية أن حالة المقاومة تتكرس وتتمدد ولا تتراجع، وأن حالة الإلهام وتولد فعل مقاوم من فعل مقاوم آخر أمر مستمر وهو ما يشير إلى أن المقاومة ليست في حالة انحسار على أقل تقدير.
وشدد عرابي على أن عملية الدهس في القدس تعتبر مهمة للغاية لمجموعة من الاعتبارات أولها تدلل على أن القدس التي كانت تمثل منذ 2014 حتى اللحظة شرارة الهبات ودافع مدد لحالة المقاومة في الضفة الغربية، وهو أمر ما زال مستمرا حتى اللحظة، فهي تستمر في القيام بنفس الدور في التأثير والإلهام.
أما السبب الثاني، والحديث لعرابي، فمرده إلى أن القدس تمتلك قدرة من التأثير أكثر في الفعل المقاوم بحكم التداخل بين المقدسيين والمستوطنين، فهذا تداخل مع المجتمع الصهيوني وهو ما يجعل القدرة أكبر على تنفيذ عمليات مقاومة.
أما السبب الثالث فيشير إلى دلالة سياسية مفادها أن كل عملية مقاومة في القدس ترفع شعار أنها ليست عاصمة للاحتلال، وهو أمر يجرح كرامة ادعاء السيادة الإسرائيلية. ورابعا فإن كل فعل مقاوم في القدس يثبت أن محاولات فصل القدس عن محيطها هو سياسة كتب لها الفشل، فالعمليات تثبت وحدة النضال الفلسطيني ووحدة الحال.
وبعد عملية القدس الأخيرة فإن الأرقام تظهر أن تسعة إسرائيليين قتلوا في ثلاث عمليات وقعت في القدس خلال أسبوعين فقط، لكن بالمقابل خسر الفلسطينيون عددا أكبر من الشهداء وتحديدا في صفوف المقاومين في كل من جنين وأريحا وهو أمر دفع بتعالي أصوات داخلية ناصحة تطالب بالبحث عن شكل نضالي ومقاوم جديد.
عن ذلك علق الناشط والكاتب فادي شاهين أنه قبل وبعد عملية القدس بات حديث العامة من الفلسطينيين أن لكتيبة جنين وعرين الأسود في نابلس كلفة بشرية واستنزافا دمويا ما كان لهما أن يسيلا لو أن هذين النموذجين اتبعا أسلوبا فلسطينيا مقاوما انتهجته كتائب المقاومة في فلسطين منذ العام 1936م.
وطالب شاهين بضرورة أن يبدع الفلسطيني حالة مقاومة تأخذ من «حرب العصابات» عمودها الفقري، وأضاف: «إن سفر المقاومة في جنين ونابلس يحوي فصولا من الإبداع في الاثخان في العدو دونما كلفة بشرية باهظة، حيث قدمت كل من نابلس وجنين قديما إلى جانب مدينة طولكرم حالة مقاومة إبداعية حيث كان يتوارى المقاوم بتاتا عن أنظار العدو».
ويطرح الناشط شاهين سؤال: «هل نحن فاقدين للحصانة الفكرية والثقافية والنقدية لنكتب بصوت عال ومدو أن نموذج الانتشار المسلح في شوارع وأزقة المدن في انتظار العدو للتصدي له أثبت فشله في كل انتفاضات الشعب الفلسطيني».
ودعا إلى «ضرورة توقف حالة الانتشار المسلح العلني المكلف دمويا وبشريا ونفسيا ووطنيا، وليأخذ كل مسلح محب لوطنه موقعه المعروف في بطون الجبال وسدور الكهوف أو في بيوت المحبين والمخلصين».
وحذر من ما وصفها بـ«الحقيقة الدامغة» التي مفادها أن حالة التضامن التي يبديها الفلسطيني أمام الشهداء ستتحول مع حركة الزمن إلى حالة إحباط عندما يتكرر القتل في الجانب الفلسطيني بشكل أسبوعي، والإحباط سيتحول إلى يأس بل وسخط جماهيري من مقاومة لم تسلك دروب الرشد ولم تأمر مقاتليها بإطفاء موبيلاتهم.
وختم قائلا: «أعجب كل العجب من صمت العقل الفلسطيني المفكر الذي امتلك خبرة مئة عام في العمل المقاوم، بل وكتب وألف عشرات الكتب والمقالات حول ذلك ثم صمت اليوم حين سال نهر من الدم من خاصرته ما كان له ان يسيل.. رحم الله الشهيد باسل الأعرج الذي كتب بدمه سفر المقاومة بلغة الوعي بقيمة الروح والجسد والدم المقاوم فكتب لنا مقاله الأروع (عيش كالنيص وقاتل كالبرغوث)».