عملية نبع السلام: تعزيز للدور التركي في سوريا وحماية أهداف السياسة في المنطقة

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

 في خضم الأسئلة الكثيرة والحملة الإعلامية المحمومة ضد العملية التركية في شمال سوريا والتجادلات السياسية المحلية في الولايات المتحدة حول قرار الرئيس دونالد ترامب تغيير مسار الحرب الأهلية بمكالمة هاتفية مع الرئيس التركي رجب طيب اردوغان غاب المعنى الحقيقي للعملية، فتركيا تقول إنها تهدف لإقامة منطقة آمنة ترسل إليها اللاجئين السوريين على أراضيها وذلك للتخلص من العبء السياسي الذي بات هؤلاء يسببونه للحزب الحاكم واردوغان نفسه. ولكن أنقرة لم تقل كيف ستعيد توطين لاجئي سوريا في مناطق ليست التي جاءوا منها بعد اندلاع الحرب ضد الرئيس بشار الأسد والحرب الوحشية التي شنها ضد شعبه. أما الهدف الثاني والأهم بالنسبة لتركيا فهو الموضوع الكردي الذي بات يؤرقها منذ تجاهل إدارة باراك أوباما مشاعر بلده وبدأ بالتعاون وتسليح جماعات الحماية الكردية المرتبطة بحزب العمال الكردستاني “بي كي كي” وكان هذا سببا في التحول في السياسة التركية من سوريا التي بدأت بدعم مطلق للمعارضة السورية ودعوة لرحيل الأسد، إلى تنازلات وتعاون مع الطرفين الداعمين للأسد وهما روسيا وإيران.

وقررت تركيا، بموافقة روسية على الدخول متأخرة في شمال سوريا لمنع تمدد الجيب الكردي وتحوله لكيان مستقل يشكل تهديدا على أمنها، أولا في جرابلس ومن ثم في عفرين، حيث لم يعد هناك أمل للكيان الكردي الذي هو تحت الإنشاء التمدد إلى غرب الفرات. وباتت مسألة أكراد سوريا وتعاون جناحهم العسكري بل قيادته من قادة “بي كي كي” بمثابة الفوبيا للرئيس اردوغان الذي كان مصرا وبأي ثمن على وقف العملية ويتحين الفرص مع أوباما وأخيرا مع ترامب المسكون بهاجس المحاكمة التي تلاحقه بسبب الفضيحة الأوكرانية ومخاوفه على حملة الرئاسة العام المقبل وهو الذي منحه الفرصة في المكالمة الشهيرة يوم 6 تشرين الأول (أكتوبر).

حسابات اردوغان

ويبدو الموقف التركي من سوريا مختلفا من الكيان الكردي في شمال العراق الذي أقام علاقات جيدة مع قيادته وقوته. وتخشى أنقرة من ظهور كيانات كردية في المناطق التي يعيشون فيها (العراق وسوريا وتركيا وإيران) بحيث يدفع الأكراد في مناطق الجنوب التركي للانفصال. وفي المقابل تريد تركيا تخفيف العبء الذي تتحمله منذ بداية الحرب الأهلية السورية والنفقات المالية والخدمات التي تقدمها لأكثر من 3.5 مليون لاجئ سوري مما زاد من السخط العام وسط تراجع الاقتصاد وزيادة البطالة وأزمة الليرة. وهذان السببان كافيان لأي دولة تريد الدفاع عن سيادتها التفكير بعمل ما لمعالجة القضية، لكن علينا أن نضيف إليهما الحسابات المتعلقة بالقوة السياسية الإقليمية والمصالح التركية طويلة الأمد في المنطقة والتي لعبت دورا مهما في دفع تركيا لشن عملية “نبع السلام”. وترى شيرين هانتر في مقال نشره موقع “لوبلوغ” (18/10/2018) أن علاقة الصداقة بين اردوغان والأسد تحولت لعداء باندلاع الانتفاضة. فقد كان الرئيس التركي حانقا على الأسد لرفضه عام 2008 جهوده للتوسط بينه وإسرائيل ما سيجعل من اردوغان رجل السلام في المنطقة على خلاف إيران المشاكسة. وكانت تركيا ترى برحيل الأسد فرصة لها لدعم نظام سني صديق لها يعزز موقعها في المنطقة إلى جانب مصر. إلا أن حسابات أنقرة لم تكن في محلها، فنظام محمد مرسي لم يعمر إلا سنة واحدة فيما صمد نظام الأسد بمساعدة موسكو وطهران. ومن هنا فعملية “نبع السلام” هي رسالة للنظام السوري كما هي للأكراد، مفادها أن أنقرة لن تقف مكتوفة الأيدي وهي تراقب تطور الأحداث في سوريا بطريقة تترك آثارها على المصالح التركية. وأصبح هذا العامل ملحا عندما بدا أن الولايات المتحدة تقوم بتخفيف وجودها في المنطقة وتسحب قواتها من سوريا. وفي غياب الولايات المتحدة شعرت تركيا أنها لن تسمح للنظام السوري المدعوم من روسيا وإيران شغل الفراغ الذي ستتركه الولايات المتحدة. ومن هنا فالسبب الرئيسي للتدخل التركي هو محاولة تأكيد دورها في مصير البلد النهائي.

إيران وروسيا

 ويضاف إلى هذا العامل الإيراني، فتركيا رغم العلاقات الودية الظاهرة إلا أنها لا تكن الحب العميق لطهران لأنها ترى فيها المنافس الحقيقي على التأثير في المنطقة وربما مناطق القوقاز ووسط آسيا. ولم تكن تركيا سعيدة بالتغيير السياسي في العراق الذي سمح للشيعة لعب دور مهم في مصير البلد. ومع أن التبادل التجاري التركي مع العراق اليوم أضخم من الإيراني إلا أن تركيا ليس لديها ذلك التأثير السياسي في بغداد كذلك الذي تتمتع به طهران. ومن هنا ففكرة تقوية إيران موقعها في دمشق بعد رحيل الأمريكيين لم تكن مستساغة للأتراك. ومن هنا فوجود قوي داخل سوريا يعطي أنقرة القدرة على موازاة تأثير طهران. وينسحب هذا على روسيا التي تتسم علاقتها معها بالتأزم والتنافس في الحد الأقصى ولهذا لا تريد تركيا ترك سوريا بالكامل للروس.

العامل العربي

وفي السياق نفسه لا تريد تركيا اندماجا سوريا في محيطها العربي الحقيقي بحيث يؤثر على طموحاتها. وستجد نفسها أمام وضع صعب في ظل تأزم علاقاتها مع السعودية ومصر والإمارات. واستفادت تركيا من الخلافات العربية- العربية مثل أزمة حصار قطر وقبل مقتل خاشقجي كانت على علاقة جيدة مع السعودية واستفادت من التوتر العربي- الإيراني لصالحها. ولا ننسى في كل المسألة صورة اردوغان نفسه وطموحاته، فنبع السلام التي أدت لشجب دولي وما قال الكثيرون عنه خيانة أمريكا لحلفائها الأكراد الذين قاتلوا في الحرب ضد تنظيم “الدولة” هي عن رؤية اردوغان لقدر تركيا في المنطقة. وبعد وصول نائب الرئيس الأمريكي مايك بنس ووزير الخارجية مايك بومبيو إلى أنقرة في 17 تشرين الأول (أكتوبر) أعلن عن “وقف إطلاق” النار حسب بنس و “تعليق” الأعمال القتالية حسب مولود تشاوش أوغلو، وزير الخارجية التركية الذي اعترض باعتبار أن الأكراد ليسوا طرفا شرعيا ليصدق عليهم وقف إطلاق النار. والخلاف الكلامي يشي بأن تركيا لا نية لها الخروج من المناطق التي دخلتها خلال الأسبوعين الماضيين في القريب العاجل. فالموقف التركي في أبعاده الإقليمية ليس منفصلا عن رؤية اردوغان للتاريخ وأخطاء الغرب التي ارتكبت بحق الدولة العثمانية، فهو يرى أن الولايات العثمانية السابقة هي المجال الطبيعي لتأثير أنقرة، أي من دول البلقان إلى شمال افريقيا، فهو لا يطمح لتوسيع المجال التركي بالسيطرة على الأراضي ولكن التأثير. ووجدت تركيا مثل غيرها من دول الإقليم فرصة في الأوضاع التي حفزها الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 حيث تغير حال الشرق الأوسط وانهارت فيه حكومات وحدثت فيه ثورات. وفاقم الغرب أخطاءه في ليبيا وسوريا مما منح دول المنطقة فرصة للتنافس. وموافقة الولايات المتحدة على وجود تركي دائم في شمال- شرق سوريا يعني أن عملية “نبع السلام” هي عن أهداف تركيا طويلة الأمد في المنطقة. وكما تقول هانتر فعلينا النظر للعملية التركية على أنها مرحلة جديدة تتكشف أمامنا عن التنافس والتناحر وربما الحروب الإقليمية. وتأتي بعد عقدين من السياسة الأمريكية الواهمة التي أربكت النظام الإقليمي وقررت في لحظة خاطفة الخروج من حروب الشرق الأوسط اللانهائية أو السخيفة كما يراها ترامب. والمتابع لتصريحاته وتغريداته يكتشف أن الرئيس الأمريكي الذي ورث تركة صعبة من سلفيه أوباما وجورج دبليو بوش يتعامل مع المنطقة كرمال ودم. وأمام الوضع المعقد الذي تعامل معه ترامب لم يكن لدى الولايات المتحدة أبدا سياسة متناسقة للتعامل مع سوريا ومشاكل المنطقة مثل ليبيا واليمن وحتى العراق، فعلى خلاف روسيا وإيران اللتان قاتلتا لهدف بسيط وهو بقاء الأسد، دخلت أمريكا سوريا بعدد من التوقعات والأحلام المثالية كما يقول المحلل ستيفن وولت في مقال نشرته “فورين بوليسي” (17/10/2019) من الإطاحة بالأسد وهزيمة الجهاديين إلى بناء ديمقراطية ليبرالية ولم يتحقق منها أي هدف. ومن هنا يرى أن السيناريو الأسوأ لسوريا والقابل للحل هو انتشار قوات الأسد في شمال سوريا، ما يعني وحدة البلاد الطبيعية كوسيلة للحد من التأثير الروسي والإيراني.

نهاية النظام العالمي

 ويناقش وولت أن هذين البلدين باتا يستنزفان المال والدم في بلد لا يشكل قيمة استراتيجية له. ويعتقد أن الرابح الأكبر من الهزيمة الأمريكية في سوريا ليس الأسد ولا روسيا وإيران بل الصين التي أحكمت علاقاتها مع دول المنطقة وانشغلت ببناء اقتصاد من الطراز الأول فيما أنفقت أمريكا أموالها على حروب عبثية وأهداف لا تتحقق وبات لديها رئيس يتعامل مع الشؤون الخارجية كتعامله مع مقاولاته وشققه، وهو ما تشي به رسالته الساذجة للرئيس التركي اردوغان.  طبعا يمكن للمراقب ان يتحدث عن ملامح أخرى كشفت عنها العملية التركية من الجانب الأمريكي، فتخليها عن حليف يعني التقليل من مصداقيتها، وهي نوتة عزفت عليها كل التحليلات الصحافية، مع أن أمريكا كما قال وولت وغيره تحالفت في الماضي مع أطراف وتخلت عنهم، وهناك أمثلة حاضرة من خليج الخنازير في كوبا إلى فيتنام. والوضع مؤلم للأكراد الذين ظنوا بسذاجة أن القوى العظمى ستدعم حلمهم بالدولة ولم يتعلموا من دروس التاريخ، فبناء دولة لهم يعني تغيير شكل الشرق الأوسط الذي ظهر بعد الحرب العالمية الثانية وكانوا ضحاياه مع الفلسطينيين والعرب الذين ثاروا على الباب العالي. وبالمعنى الحقيقي فما يهم ترامب هو النجاح في الانتخابات وتغيير النقاش حول محاكمته، وقد نجح ولم تتأثر شعبيته بين القاعدة الانتخابية حسب بعض الاستطلاعات. ومنذ مجيء ترامب وهو يعمل على تفكيك النظام الدولي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية. وقوض تحالفات أمريكا الدولية وخرج من معاهدات وشن الحرب الاقتصادية واستخدم سلاح العقوبات والجدران لعزل أمريكا. ولديه جواب على كل شيء هو “تدمير الاقتصاد” وهذا واضح من رسالته الساذجة لتركيا. وبتدميره اقتصاد الدول يقوم بتدمير النظام الدولي الذي عملت أمريكا وحلفاؤها في الغرب على بنائه بعد نهاية الحرب العظمى الثانية. وأهم من كل هذا فلا أحد يثق اليوم في أمريكا ترامب حسب مجلة “إيكونوميست” (17/10/2019) فعندما تخسر الثقة من الصعب أن تستعيدها، لأن ترامب قوة قيم أمريكا ومثلها المتعلقة بحقوق الإنسان، وهذه لم تكن في حساباته، فهو منذ البداية يميل للديكتاتوريين والحكام الأقوياء، ولعل موقفه “المذعن” حسب توصيف الصحافة الأمريكية من اردوغان نابع من كونه رجلا قويا.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية