عمو جميل وبائعة المناديل وشاعر ينهضون بالعراق!

حجم الخط
20

ثلاث قصص من بغداد تُلهب مواقع التواصل الاجتماعي، وتصل إلى شاشات الفضائيات العربية لتجعل من المشاهدين أسرى الوجع والمأساة والضعف والعجز.
ذلك العجز الذي يقيدنا، فنُقْعَد محبطين أمام كم هائل من المأساة.
نعم إنه الضعف وقلة الحيلة والغضب والظلم. مشاعر تتخبطنا كالأمواج العاتية من كل جهة لتغرقنا في عمق البشاعة الإنسانية. منارة العلم تُطْفِئ أضواءها. بغداد تبكي. المدينة تنتحب. والشعب يثور على الظلم والفساد والرشوة والخراب والسرقة. بغداد مهد الحضارات اغتصبت حضارتها وشرد أبطالها.

من أين نبدأ؟

أنبدأ من قصة عمو جميل؟ إنه رجل عمره خمس وثمانون سنة. رجل من ماء ونور. عالم عراقي يدعى جميل حميد إيليا، رفع المدينة فوق كتفيه، طوّر طائراتها الجوية. عالم رياضيات وخبير في مسائلها. ألقى محاضرات في روسيا وبريطانيا. درس الطب والهندسة وتتلمذ الكثيرون من شباب العراق على يديه. وابتكر ست اختراعات مذهلة. اختبروه مباشرة على الهواء بضرب ثلاثة أرقام بثلاثة أرقام كبيرة وجاءت النتيجة دقيقة كالحاسوب.
يتكلم عدة لغات بطلاقة بلبل مغرد. لكن انتهى به المطاف أن يرمى في “دار الرشاد” للمسنين بحال تصعب حتى على الكافر، بكل القيم الإنسانية. رجل بحجم وطن مزدهر يطلب مساعدة تُخجل أمة بحالها. لا لشيء سوى لصغر حجم طلبه!
لم يرغب سوى ببنطلون جديد بدل ذلك المهترئ، الذي يرتديه. فهو لا يملك سواه. ولا يحميه حتى من برد الشتاء، الذي يتسرب إلى عظامه الهشة.
هكذا دمروا العراق، تحت غطاء الدين البريء منهم. فمعظم العلماء والأكاديميين العراقيين العظماء إما استشهدوا في الساحات وداخل منازلهم أو تركوا العراق وهاجروا إلى أوروبا أو تم اغتيالهم معنوياً كالعم جميل.
نعم، نهبوا العراق، أغنى البلدان وسرقوه ودمروه، وقزموه، ولكنهم لم يتمكنوا من سرقة كنوز من المحبة وفيض النور، الذي يختبئ في قلوب أبطاله وبطلاته.
ومن قصة العم جميل إلى بطلة من نوع آخر، إنها بائعة “محارم” أو “كلينكس”.
فتلك المرأة الفقيرة الخرساء، بائعة تتجول في الطرقات لتبيع مناديلها بعد أن رماها العوز لمصير بائس.
لكنها تأكل لقمتها المغموسة بالذل والتعب بشرف وعفة وعنفوان العراقية.
في أيام المظاهرات استحالت تلك المحارم البيضاء بين يدها إلى حمام من السلام يرفرف ليمسح بريشه دماً وعرقاً وماء مسموماً يحرق وجوه المتظاهرين، الذين هوجموا بوحشية لمجرد أنهم نزلوا إلى الشارع ليعترضوا على نظام خرب البلد ودمر كل ما فيها.
كانت تتنقل برشاقة عصفورة من متظاهر إلى آخر، توزع على الشباب محارمها كرسولة محبة. كملاك من رحمة. تمد يديها لتسقي المتظاهرين أملاً وحباً. هكذا كانت أم الجميع على الطريق. فحين رأت سيارة الإسعاف هرعت إليها بسرعة وبكل ما تحمله من قوة لتقدم المساعدة للجرحى.
وكأن بغداد انتصبت على قدميها لتعانق أبطالها.
لم تلتفت للكاميرا التي كانت تطارد تحركاتها إعجاباً بشجاعتها وكرمها.

لقد نطقت بأفعالها فحركت كل مشاعر العرب!
إمرأة باسلة ستخلد في قلب كل من رآها ولا شيء يعبر عنها سوى تلك الدموع الصافية، التي انهمرت بصمت على وجوهنا ونحن نتأمل يديها الطاهرتين، اللتين تتطاير منهما رسائل بيضاء من بغداد، ملطخة بالدم إلى عالم أخرس!
ولكن هل بغداد أرض الشعر والشعراء ستصمت على وجع أبنائها؟ ألن تصرخ من جوفها قصيدة؟ ألن تتطاير من فمها أبيات شعر تنتصب بقوة فوق صدور شبابها المجروحة؟ ألن يتكاثر شعراؤها في الساحات؟
لا، لم تخذل القصيدة أرضها!
هكذا أطل علينا الشاعر أحمد حسين التميمي من قلب المظاهرات ليردد:
يا موطني لا تستغيث من الأذى
أنت العراق وكيف هكذا تقهرُ.

كان يصرخ كالأسد في وجه الظالمين، ولم يهب الموت، الذي كان على خطوات قريبة منه.
الدخان يغطي المكان وصوت الرصاص الوحشي ينهمر كالمطر، ولكن العراق ينتفض بقصائده وشعرائه. يواجه برجاله الذين يدافعون عن أرضهم بالكلمات ويقتلون آلاف المرات على مرأى من عالم متخاذل يتفرج.
نعم، لقد حملت بغداد بالألم لسنوات طويلة، وكان مخاضها صعباً. وانتظرت طويلاً جدا وهي تتلوى من فرط عذابها. لكنها أنجبت اليوم قصائد جديدة وأبطالاً سيهزمون عرش الطغاة. وستسقط حكومة الفساد والفاسدين.
ها هي بغداد تصنع بأبطالها الحدث. وستعيد من جديد تغيير خارطة تنزف من كل أطرافها.

*كاتبة لبنانية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية