لا تُسارعوا في نعي عمير بيرتس. من المحظور علينا أن نفقده. مهما تراجعت مكانته في الاستطلاعات حيث يقف بعيدا من وراء عامي ايلون وايهود باراك، ولن يتمكن من الوصول الي رئاسة حزب العمل، إلا انه يحظر رغم ذلك اختفاؤه من الخارطة الجماهيرية في اسرائيل. لبيرتس ما زال هناك دور هام في حزبه وفي المجتمع الاسرائيلي، ولذلك يحظر سحق قوته من خلال الانتخابات التمهيدية القريبة.
عليه أن يدفع ثمن مسؤوليته عن تلك الحرب الاجرامية، ولكن في ظل المرشحين الآخرين الذين كان بعضهم قد تسبب في اخفاقات أمنية وسياسية طويلة لا تقل جسامة عنه، من المهم أن يواصل بقاءه في قيادة حزبه. من لا يستطيع أن يصوت لباراك بسبب صمته المتعجرف الذي لا يطاق في الاشهر الأخيرة، ولا يستطيع أن يصوت لايلون بسبب مواقفه السياسية الغامضة خصوصا في قضية السلام مع سورية ـ ملزم بالتصويت لبيرتس بقلب مرتاح ونية خالصة. اذا كان العقل يطالب بالتصويت لباراك فالقلب يطالب بالتصويت لبيرتس، رغم كل شيء. حتي اذا لم يكن علي رأس الحزب، فمن المهم أن يكون معسكره الثاني في أهميته. رغم عدم الود بين بيرتس وباراك الذي يعتبر المرشح الوحيد القادر علي جلب النصر لحزب العمل، يبقي الجمع بين المعسكرين هو الأمر الصحيح الآن لحزب العمل الذي لم تسنح أمامه منذ زمن طويل مثل هذه الفرصة لاحداث التغيير.
لم تكن لبيرتس فرصة قابلة للتحقق. باعتباره سقط داخل حمام الحرب بعد مدة قصيرة من تعيينه، يعتبر هو الضلع الأقل تحملا للمسؤولية في اخفاقات هذه الحرب. رئيس هيئة الاركان هو الذي بادر لهذه الحرب، ورئيس الوزراء هو الذي صادق عليها، وبذلك كان من الصعب التوقع من وزير الدفاع الغض أن يقف في وجه هذا الاندفاع في مواجهة رئيس وزراء ومؤسسة عسكرية قوية ورياح دافعة لأشرعة العداء وبعض العراقيل من جانب رفاقه في الحزب وفي ظل العنصرية الطائفية العميقة التي أظهرته في مظهر هزلي سخيف كما لم يحدث مع أي أحد من صناع الحرب الآخرين – لم يكن غريبا انجرافه نحو تلك الدوامة الفظيعة. من الصعب الاعتقاد أن أحدا ما آخر في مكانه كان ليستطيع مواجهة مثل هذه الضغوط بصورة أفضل منه. وبالفعل بيرتس الاشهر الاولي في المنصب، خصوصا بعد الحرب، كان وزير دفاع مُهانا عديم الثقة تائها. هو كان ضحية اخري من ضحايا الحرب. من الممكن الاعتقاد انه لولا اندلاع تلك الحرب لشهدنا أمامنا وزير دفاع من نوع آخر. لو أعطوه عدة اشهر اخري من التدريب والتعود علي المنصب من دون تلك الحرب الملعونة لنما وترعرع مع المنصب.
في الاشهر الأخيرة عاد بيرتس الي نفسه. في سلسلة مقابلات مثيرة للاعجاب في التلفاز والصحافة أطل علينا مرة اخري عمير بيرتس الذي عرفناه، وتقريبا بيرتس الذي أردنا أن يكون. هذا هو الوقت الملائم للتذكير بتميزه، هذا التميز الذي لم يتراجع، بالمقارنة مع باقي المرشحين للقيادة القومية. بيرتس هو المرشح الوحيد الذي يعرف مربعات وحارات سديروت أكثر من ناطحات السحاب في منهاتن. هذا تميز نادر عندنا. ليس مقربا من أصحاب رؤوس الاموال، ولا صنيعا في الجهاز الأمني والعسكري الذي يتسبب في الافساد والتشويه، ولا مشتبها بالفساد. القائد الوحيد الذي نما وترعرع في مدن التطوير الفقيرة، مع علامة مسجلة تحمل اسم السلام الآن. بامكان بيرتس أن يجسر الهوة بين النُخب العليا التي تخاف من بنيامين نتنياهو وبين الجماهير التي قد تقوم بالتصويت له.
صحيح أن تأييده يبدو غريبا الآن في ظل الجوقة الجماهيرية المتناغمة التي حددت مصيره منذ زمن، ولكن اذا كان ايهود اولمرت يدعي أنه هو وحده القادر علي التصويب، فبيرتس مرشح ملائم أكثر منه بأضعاف المرات لهذه المهمة. هو علي الأقل وصل الي منصبه مع رؤية واضحة. صحيح أنه لم يفعل شيئا تقريبا لتجسيد هذه الرؤية، ولكن مقابلاته الأخيرة قد برهنت علي أنه لا يحاول التنصل منها. اذا منع الآن اقتحام الجيش الاسرائيلي لغزة النازفة فسيبرهن ذلك ايضا من خلال الافعال.
ايضا الحديث عن قلة تجربته جدير بالدراسة: ذلك لانه ما الذي فعله اولئك المجربون؟ من الذي قام بارسال الجيش الاسرائيلي الي مهمات بوليسية واحتلالية طوال سنين مع إهمال دوره كجيش؟ ومن الذي أهمل الجبهة الداخلية؟ ومن الذي فعل كل شيء حتي يمنع فرصة السلام؟ المجربون بالطبع. هم ايضا الذين دفعوا من اجل شن تلك الحرب، وهم الذين يدفعون الآن لشن “عملية كبري” في غزة. من المحظور إبقاء الحكم في أيديهم فقط. هل يعني ذلك أن علي بيرتس أن يخوض المعركة للوصول الي الحكم؟ ربما ليس الآن، ولكن ليس ايضا – لا سمح الله – الذهاب الي البيت.
جدعون ليفيمراسل مختص في حقوق الانسان(هآرتس) ـ 20/5/2007