‘عميل واللا مش عميل؟’

حجم الخط
0

عناية جابر

الأسرى اللبنانيون المحررون من السجون الاسرائيلية احتاروا بأمرهم. اجتمعوا الاسبوع الماضي لكي يدرسوا كيف يردون على ظاهرة اطلاق العملاء في لبنان. تريث الأسرى في الرد، أضنتهم الحيرة، ونحن جميعنا حيارى معهم.

حيرتهم، حيرتنا، غير نابعة على ما اظن من حكم قضائي عادل أوغير عادل. القضاء لمن يعرف بالقانون، ليس بالضرورة العدل. القضاء له قانونه الخاص وما أبعده في غالب الاحيان عن العدل. القضاء له أحكامه الشكلية ومنطقه الداخلي وهو أعمى بهذا المعنى. يقرأ النص بالشكل، يستأنس بالسابقة القانونية، باحكام سابقة ثم يطلع علينا بأحكام سوريالية تدفع سامعها-وحتى الناطق بها احياناً- الى الضحك المبكي.

حيرتنا ليست بنت القضاء، هذا اذا كان القضاء ُمنزّهاً كما جاء في الكتب، فكيف اذا كان جزءا من حيرتنا وتساؤلاتنا. الأسرى مرتبكون كما يتبدى لي، لا لأن محكمة ما قررت الافراج عن عميل للعدو، بل لأن العميل هذا عميل جماهيري شعبي. العميل زعيم شعبي تستقبله الجماهير الغفيرة على الاكتاف ُيرش له وعليه الارز والزهور. العميل، في العادة، وعلى ما نسمع، سرّي يعمل تحت الطاولة وفي الخفاء، إلا عندنا فهو خطيب المنابر يوزع الرسائل الودية والعدائية يمنة ويسرة. العميل، في العادة، يتمتع بخجل ما يدعه يهرب من بلاده بعد الافراج عنه ليستقر في بلاد بعيدة لا تعرف عنه شيئا، إلا في بلادنا حيث يتسابق الكبير والصغير لإستقباله بطلاً تؤخذ معه الصور التذكارية.

الاسرى المحررون من السجون الاسرائيلية حيرى لانهم طرحوا على انفسهم كل هذه الاسئلة حتماً ولعلي فعلاً أسمع تساؤلهم عن ضرورة وجودهم من عدمه في هذه البلاد؟

الاسرى المحررون وغير المحررين، مثلنا، أُسقط في يدهم. فالعميل، عادة، خائن لوطنه لمصلحة وطن آخر، وطن الاخرين، خائن للداخل لمصلحة الخارج. هو اذا خائن ‘لنا’ وعميل ‘الآخــــر’. ضــــدنا ومعهم. ضـــــدنا ‘كلنا ‘ ومع الآخــــر ‘كله’. او على الاقل هذا ما تقوله القواميس اللغوية عن العميل. العميل جاسوس ايضًا. ‘يتعاطى’ مع العدو، عدونا، ينقل اليه اخبارنا أسرارنا، حميميتنا قوتنا ضعفنا.

بالمختصر هو مع العدو وضدنا فلماذا نستقبله بالزهور في بلادنا الجميلة؟ لماذا يخرج العميل من السجن زعيمًا شعبياً؟

أحد الاسرى دعا الى ‘موقف وطني جامع’ضد العملاء’ حماية ‘للقيم الوطنية’. الأسرى المحررون يرون الى البلاد وطنا يجمعنا كلنا. يوحدنا كلنا. انهم يعتقدون بوجود داخل وخارج وحدود ما بينهما. انهم يعتقدون بوجود حدود يسمونها جغرافية في القانون الدولي. الاسرى المحررون وطنيون وحيارى مع ذلك من ظاهرة جماهيرية العميل الخائن للوطن. وهل تنصر الجماهير عميلا لو كانت فعلا مقتنعة بخيانته لها؟ كيف تحدد الجماهير العميل؟ هل هو خائن ‘الوطن’ أم خائن القبيلة؟ وهل الخائن هو نفسه في الحالتين؟’تعالوا نفترض اننا لسنا شعباً بعد، وأننا ما زلنا جماعات قرابة، فهل الخارج عندنا هو هو الخارج عند جميعنا؟ وبكلام اوضح وأوقح الخائن الجاسوس عند القبيلة هو خائن الوطن ام خائن القبيلة؟ وهل القبيلة تعترف بوطن خارجها اصلا؟ اليس الخائن هو خائن بيت’ بو مالحة’ لصالح ‘بيت بو قعقور’؟ اليس ‘الخارج’ في هذه الحالة ذريعة نستخدمها كشيطان لا بد منه من اجل الاستقواء على بيت بو مالحة او العكس؟ هل كان يمكن بيت بو مالحة ان يستقبلوا احدهم على الاكتاف لو ‘تزوج’ فقط من بيت القعقور؟ حتى لا اقول خانهم. حيرة الاسرى أفهمها جيدًا. هي حيرة الوطن وحيرة المعتقدين به. غير ان وطن القبيلة والطائفة حدوده أضيق مع الاسف. اما الخارج عندهما فليس بالضرورة خصماً او عدواً او صديقاً، انه جميعها معا لكن حسب ظروف الصراع مع ‘الغريم’ المحلي، العدو الوحيد الدائم المعترف به رسمياً. الصراع ضد الغريم هو الصراع الاساسي وكل خارج ينفع. في هذه اللحظة او تلك حليف اليوم قد يصبح عدو الغد. لا تحالف ولا خصام مبدئي مع’ المجتمع الدولي’ إلا بناء على موقفه من العائلة -الغريم- كما قال جلال خوري في مسرحية ‘الرفيق سجعان’ في بداية سبعينات القرن الماضي.

وطن الجماعة ‘القرابية’ وجودها.

حدوده الجغرافية حدودها.

اقتصاده اقتصادها. مصلحته مصلحتها. أما ‘الاسير المحرر’ فوطنه هو ‘العام’ هو وطن ‘الشعب’. مصطلح الداخل والخارج عندهما ليس هو هو. ولذلك تحول العميل ببساطة الى وجهة نظر.

وطالما أن القبيلة قبيلة، والقرابة قرابة وأن الخائن لم يخن الجماعة لم يخن الا الوطن فقط، فاننا سوف نبقيه زعيما لنا ونحمله على الاكتاف ونرش الارز والورود وأيضاً بحضور بعض زعماء القبائل الحليفة الاخرى. أولسنا بحاجة الى داخل واحد نقتنع به جميعنا، هو الوطن، ننتمي اليه كلنا كشعب لكي نوحد الخارج ونرى اليه بنفس العين ونفس المصلحة؟

قيل يوما ان ‘العميل لا طائفة له’. واذا كان له طائفة هل تبطل عمالته؟’

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية