بغداد ـ «القدس العربي»: يشتغل الكاتب عمَّار السواد على منطقة في الفكر العراقي لا يقربها كثيرون، فهو يربط بين السياسي والاجتماعي ويعيد قراءة البنية المجتمعية مرتكزاً على مرجعيته الدينية والثقافية. فالسواد الذي هرب من العراق وهو لم يتجاوز الستة عشر عاماً، بقي يبحث في التحولات التي مرَّت على هذا البلد، ومن ثمَّ ما دفع الديكتاتورية للاستفحال في جسده، ليحطمها أخيراً حتى لو كانت على يد قوات أجنبية. لكن المعضلة الأكبر هي التي جاءت بعد الاحتلال الأمريكي وتحول الديمقراطية الجديدة إلى وبال على المجتمع الذي كان يحلم بمستقبل واضح المعالم.
في حوارنا هذا، حاولنا أن نقف على أهم التحولات التي طرأت على المجتمع العراقي منذ أربعينيات القرن الماضي وحتى الآن، ثقافياً واجتماعياً وسياسياً:
٭ كيف يمكن قراءة البنية الفكرية التي أنتجت الثقافة العراقية الحالية؟ هناك من يرى أنها بنية منقطعة عما أنتج في الثقافة العربية المؤسسة، في حين يرى آخرون أنها استمرار لكنها لاقت انحرافات غيرت من مسارها؟
– لا يمكن فصل الخلفيات الثقافية التي أنتجت الثقافة العراقية بشكل كامل عن عموم العالم العربي، بالتأكيد هناك تداخل، فلا يمكن فصل الحركة الثقافية العراقية في الستينيات أو الخمسينيات وحتى في الأربعينيات، عن الحراك الثقافي والسياسي في العالم العربي. لكن لو أردنا مقارنة هذا الارتباط بارتباط آخر مثل الثقافة السورية مع الثقافة العربية، سنجد أن العراق أقل تأثراً وأكثر استقلالاً.
العراق يبدو أكثر البلدان العربية الرائدة ثقافياً استقلالاً عن محيطه العربي، فهو بالتأكيد متأثر، لكنه أيضاً يمتلك عوامل خاصة أخرى تلعب دورها في خلق بنيته الثقافية. فهو مثلا خارج ما يعرف بعصر النهضة في القرن التاسع عشر، لم يكن جزءاً من السجال آنذاك، بل كان يعيش سجالاً من شكل آخر، لم يبرز إعلامياً ولم يلق الاهتمام الكافي. وأظن أن هذا بسبب الطبيعة المذهبية والقومية المختلفة في العراق عن البلدان الأخرى، وبفعل التداخل جغرافياً مع إيران، لهذا فإن المؤثرات مختلفة.
جيل الأربعينيات العراقي غير مرتبط بالثقافة العربية بأية حال، هو يغرد بعيداً، أسماء مثل علي الوردي، جواد علي، بدر شاكر السياب، نازك الملائكة… وغيرها هي بالعادة متأثرة بالمنجز الثقافي الغربي، استفادوا من ذلك المنجز من دون التأثر بمعطيات النهضة العربية. ومن السهل أن يكتشف المتابع للثقافة العراقية بعد الأربعينيات، إنها ثقافة ذات طابع يساري وليس قومياً، فرغم المد الناصري والخطاب القومي السائد في الخمسينيات، تميزت الثقافة العراقية بأنها يسارية أكثر من كونها قومية.
ربما يمكن تصنيف العراق كبلد متأخر في نهضته الثقافية، بالقياس إلى مصر وسوريا ولبنان وتونس، فالسجال الثقافي في هذه البلدان بدأ قبل بغداد بفترة ليست قصيرة، برغم أن العراق يعدُّ الأول أو الثاني في ظهور الصحافة، لكن التواصل الثقافي بينه وبين أوروبا بدأ بعد الحرب العالمية الأولى وتأسيس الدولة، وهذا بسبب بعده عن البحر المتوسط، واقترابه أكثر من الثقافة الشرقية، بينما البلدان المتوسطية بدأت مشوارها منذ القرن التاسع عشر… والسبب الآخر أن المؤسسة الدينية المتمثلة بالنجف كانت اللاعب الرئيس في حركة الوعي العراقي، وهي مؤسسة لم تشهد اصلاحات جادة ولا أصوات جدلية تخلق وعياً مختلفاً أو ثقافة أبعد من الدين.
إلا أن نهضته الثقافية كانت مميزة بظهور جيل الأربعينيات ذي الحضور القوي والفاعل، والذي خلق انقلابات في بعض جوانب الثقافة، ليس في العراق فقط، بل في عموم العالم العربي، السياب ونازك نموذجان مهمان في هذا الصدد.
٭ هل ما زالت الآراء التي طرحها علي الوردي بخصوص البنية الاجتماعية العراقية صالحة حتى الآن، أو أن المجتمع تغير إلى عدم صلاحية تلك الآراء، ونحن بحاجة ماسة لظهور علماء اجتماع مناسبين للمرة الحالية؟
– المجتمع العراقي بعد علي الوردي شهد تغييرات كثيرة، إلا أنها بقيت تدور في فلك ما رآه وما أصَّل له، فالبنية الاجتماعية التي تعرضت لمتغيرات بفعل السياسة والمتغيرات الآيديولوجية العديدة التي عاشها العراق، لم تشهد انقلاباً جوهرياً… إنما حصلت تغيرات في السطح، بل تعززت المشكلات القديمة وبرزت بشكل أكثر، وتسببت بتغييرات ديموغرافية وسياسية عديدة.
عندما يتحدث الدكتور الوردي عن الحروب المناطقية والقبلية وغيرها في المجتمع العراقي، فإنه يشير أيضاً إلى الحرب الطائفية أو المذهبية المستعرة علانية وخفاء في العراق منذ العام 2003. وعندما يقول إن الديمقراطية الأنسب للعراق هي ديمقراطية تعتمد التمثيل على أساس النسبة السكانية لكل الطوائف، فإنه يعي مبكراً لواقع العراق الطائفي، وعندما يؤسس في أكثر من كلام إلى أن العهد العثماني ما زال هو اللاعب الرئيس في عصره، فإنه يشير أيضاً إلى أنه ما يزال لاعباً في عصرنا (الصراع العثماني الصفوي). إن دراسة في طبيعة المجتمع العراقي الذي كتبه الوردي في الستينات يشبه إلى حد كبير واقعنا، الواقع المربك بين الحداثة والبداوة، بين الدولة والدين، بين الريف والمدينة.
كما أن تركيز الوردي على العشائرية وطبيعة الشيخ الريفي في مجتمع العراق، يمكن أن يكون دائماً مفيداً حتى في الوقت الحاضر، فخصائص شيخ الريف القريب عادة إلى النظام السياسي، والموسوم بالملق والتزلف لا يختلف عن شيخ العشيرة الريفي الموجود في الوقت الحاضر.
وعندما يصنف الوردي البصرة بأنها أبعد المدن العراقية، عدا بغداد، عن البداوة، فإنه يؤسس للبصرة المدينة الوحيدة التي ما تزال تقاوم قيم البداوة. ما يزال كتاب دراسة في طبيعة المجتمع العراقي مهماً وأساسياً، وما تزال أسطورة الأدب الرفيع قادرة على تكسير ثوابت «النرجسية» الثقافية…
٭ ما زالت الثقافة العراقية محصورة بما يعرف بـ»النخبة»، لكن هذه التسمية انفرطت الآن، وربما عُدّت تهمة بسبب انغلاقها بعيداً عن المجتمع… كيف يمكن إعادة الثقافة إلى المجتمع، وأيهما ابتعد عن الآن: الثقافة أم المجتمع؟
– باستمرار الثقافة في العراق بعيدة عن المجتمع، لأنها فعل شعري، أو أن المسيطر عليها عراقياً هو الشعر، وهذا الفعل الشعري خصوصاً بعد الانقلابات الشعرية العديدة التي حصلت منذ عقود، ليس مهماً لدى المجتمع وليس مقروءاً، فالناس لا تقرأ قصيدة النثر، وليست معنية إلا ببعض الأبيات الخالدة من التفعيلة، هي بالعادة مهتمة بالشعر الشعبي لأنه يمثلها، وهذا ليس جديداً. لهذا إن الثقافة العراقية بسبب انغماسها في الشعرية، لم تكن فاعلة، إلا بحدود ما خاضته من اصطفافات سياسية وأيديولوجية في الستينيات وما بعدها، وهذا ليس لأنها ثقافة، بل لأنها نخبة أرادت أن تلعب دورها الآيديولوجي، وتضرب على وتر الاصطفافات العراقية منذ نهاية العصر الملكي.
الثقافة العراقية، خصوصاً في العصر الجمهوري، لم تدخل عنصراً في خلق الوعي، إنما كانت شريكاً في صناعة الأيديولوجيا في السياسة، أي أنها جزء من حطب النار المستعرة في صراع الستينيات وما بعده، لم تكن لاعباً مميزاً عنها. كما أن غياب الفعل الفكري، وأيضاً الثقافة باعتبارها منتجة للوعي غير السياسي، بعد علي الوردي، أدت إلى ابتعاد الثقافة عن الخوض في المجتمع، والدخول في عمقه. والديكتاتورية هي الأخرى قامت أيضاً بالكثير لتكريس دور المثقف لصالحها، وإبعاد المثقفين غير الموالين لها عن التأثير…
ربما، يبدو المثقف اليوم أكثر قدرة على التأثير من السابق، أولاً لأن الشعرية تراجعت لصالح السرد، وأيضاً لوجود وسائل الإعلام التقليدية والحديثة، والفضاء الحر نسبياً بالقياس إلى العهد الديكتاتوري، إضافة إلى أن الاشتغالات الثقافية باتت أوسع من السابق، وبات النقد أكثر قوة ووضوحاً. لكنه دوره ما يزال محدوداً على شريحة معينة، ولم يتحول إلى فعل اجتماعي.
٭ أكدت في أكثر من مقال أن ما يحدث الآن من سياسيات الأنظمة العراقية الحاكمة تقترب كثيراً إلى الأنظمة الديكتاتورية السابقة، لكن ألا ترى أن هذه الأنظمة حتى وإن كانت ديكتاتورية، أنها جاءت عبر صناديق اقتراع ديمقراطي، وهو ما أعطاها شرعية هذه الديكتاتورية الجديدة؟
– الديمقراطية ليست صناديق اقتراع، الديمقراطية منظومة كاملة تتكون من سياسات ومناهج وقيم، وهو ما افتقرت إليه العملية السياسية في العراق بعد العام 2003، نحن حتى الآن نعتمد الديمقراطية الشكلية، ديمقراطية الانتخابات، ما يحصل بعد الاقتراع ليس مهماً، المهم من ينتخبه الناس، وهذه الأزمة التي حصلت مؤخراً حول قضية الولاية الثالثة جزءاً من هذا الواقع السيئ.
دائما يذكر نموذج هتلر الذي جاء عبر الانتخابات… هذا النموذج قابل للتكرار في أي حالة أخرى، بطريقة وأخرى… فحتى الديكتاتوريات المعروفة في تاريخنا العراقي والعربي، كانت تحظى بدعم شعبي، لكنها دكتاتوريات. ربما في الحالة العراقية يصعب نشوء دكتاتورية كما حصل في عهد صدام، إلا أن الخوف يبقى قائماً.
لكن من جانب آخر، إن الديكتاتورية والطائفية ليستا المشكلتين الوحيدتين، هناك أيضاً مشكلة الديكتاتوريات المتناثرة، أو الديكتاتوريات التي تتقاسم النفوذ الطائفي والقومي، هذه المشكلة تمثل اليوم جزءاً من مأزق عراقي لا يقف عند حد، ويجعل العراق رهن التوجهات التي يتحكم بها أفراد.
إن ورثة صدام هم مستبدون لم يجدوا الفرصة لأن يتحكموا منفردين بالواقع كله، لكنهم تقاسموا النفوذ بينهم بطريقة جعلت منهم كلا يشبه الديكتاتور الوحيد، مع مشكلة إضافية هي أنهم يرهقون البلد بألم الانقسام والشقاق المتطرف.
حتى الآن نعاني من مشكلة تشخيص هذه الحالة، المثقف اليوم مثله مثل غيره مسكون بالمخاوف من الديكتاتورية بصيغتها الصدامية، لكن الأمر يتجاوز صدام حسين هذه المرة، هناك ابتكار عراقي جديد في الديكتاتورية، على المثقف التعامل معه، ونقده ومواجهته، وهو ما لم يحصل حتى الآن… أو حصل على مستويات محدودة.
٭ ما زال عمل المثقفين العراقيين في ظل الأزمات الحالية مقتصراً على إصدار البيانات والاستنكار على صفحاتهم في مواقع التواصل الاجتماعي، في الوقت الذي كان المثقفون مؤثرون في الشارع العراقي في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، كيف يمكن أن يكون المثقف فاعلاً؟ وما الذي ستغيره الثقافة في مجتمع بدأ ينبذها ويعدها خارجه عنه؟
– أشك بأن المثقفين كانوا مؤثرين في الشارع خلال الستينيات، هم كانوا جزءاً من مشهد أيديولوجي مؤثر، لم يكن لأي منهم التأثير لولا الآيديولوجيا، أي أن العقائد هي التي تخلق وليس هم، لهذا من الصعب أن تجد تأثيراً لفوزي كريم يشبه تأثير سامي مهدي في البعثيين أو فاضل العزاوي في الشيوعيين، لأن الأول لم يكن جزءاً من الاصطفاف، وهذا يجعله خارج سياقات التأثير.
أن تاريخ الثقافة في العراق لم يكن مؤثراً، بل كان متماهياً مع الفعل الشعبي والسياسي، وهذا يجعله جزءاً من أدوات الواقع. أشك بأن البلاد عرفت عصراً ثقافياً مؤثراً، برغم كل ما يقال عن انتشار قراءة الصحف في السبعينات، ومقولة أن العراق يقرأ، فالأمر لا يتجاوز حدود التأثير الاعتيادي لوخزة صغيرة.
أما الآن، فأصدار البيانات والمنشورات ليس بذي أهمية، كونها نادرة الانتشار، لكن ما حصل في الانتخابات حول التيار المدني ودعم المثقفين لهذا التيار، ربما يعد مؤشراً لتأثير محدود جداً، قابل للتطوير، غير أنه محدود ما لم يخرج من إطار صفحات الفيسبوك.
إن المثقف اليوم يحتاج أن يلعب دوره في الإعلام التقليدي، أن يقدم خطاباً مختلفاً، لكن للأسف المثقف غير الصحافي في العراق ما يزال خجولاً في التعامل مع الأحداث السياسية والمجتمعية، عكس المثقف المصري، فالفنان العراقي مثلاً، لا يتحدث بالسياسة، ولا يحلل، بينما للفنان المصري دوره في هذا الاتجاه.
لذا، إن المهم في المثقف العراقي أن يفكر بمضمون خطاب جديد، وبوسائل جديدة، وبإعادة قراءة لواقع مجتمعه.
صفاء ذياب