عندما كُتب دستور الولايات المتحدة الأمريكية اتجهت أنظار الآباء المؤسسيين نحو كتاب جون لوك ‘مقالتان عن الحكومة’ والتي ركّز فيها على ثلاثة حقوق رئيسية ‘حقّ الحياة، حقّ الملكية، حقّ الحرّيّة’ وبالفعل فإننا بقراءة سريعة للدستور الأمريكي ووثيقة الحقوق الصادرة بعد سنتين من التصديق على الدستور أي في 1791 نجدّ أنّ تركيبة العلاقة بين السلطات الثلاث (التشريعية والتنفيذية والقضائية) قد تم رسمها لمنع سيطرة أي سلطة أو حتى احتمالية قدرتها أن تسيطر على الدولة ككل، وقد كانت المقولة الشائعة هي أنه ‘لا يوقف الطموح إلا الطموح’ وبذلك يكون الحفاظ على حقوق الشعب والولايات المتحدة من سلطة مركزية ديكتاتورية أمراً مضموناً.. اليوم وفي العام 2013 لا تزال الولايات المتحدة الأمريكية هي المصدّر الرئيسي لهذه المفاهيم، فلا يوجد دولة في العالم تستطيع القول أنها أكثر دفاعاً عن الرأسمالية أو عن الليبرالية أو أكثر حرّيّة ‘داخل أراضيها ومع مواطنيها’ من الولايات المتحدة الأمريكية، ولا يوجد من يستطيع الجدال في أنّ الكثير من سكان العالم يصبون للهجرة إليها سواءً للعمل أو للتمتع يوماً بجنسيتها، إذاً وبالرغم من أي تحفّظ قد نبديه نحن كعرب على ما فعله بنا الأمريكان في الماضي أو اليوم أو ما قد يقومون به في الغدّ فلا بدّ أنهم قد قاموا بما استطاعوا أو بما رأوا أنه الخير لمواطنيهم. ونتوقف اليوم نحن كسوريين للسؤال ‘ما الذي يقوم به اليوم آباء السوريين المؤسسون’ فباعتبار أننا في ثورة تحرير من الطغيان والاستبداد وقد مرّ الفرنسيون والأمريكيون قبلنا بنفس هذه التجارب من البديهي أن نسأل ‘ما هي المبادئ الأساسية التي سندافع عنها إلى الأبد في سورية؟’ ما الذي يراه هؤلاء الآباء المؤسسين الذين يجوبون شاشات التلفاز بالزعيق والنحيب والعويل، وأطفال سورية تجوبهم رشاشات النظام؟بالنسبة لمواطن سوري مسكين فقد رأى أنّ آباؤه الذين يؤسسون اليوم، يؤسسون لقصورهم على قبره، ويبيعون قوته تماماً كما باعه النظام، فهذا المواطن يتذكّر تماماً كيف تمت عملية شراء أساطيل المرسيدي التي تعتبر عقدة كل سوري وفيلا الصبورة التي تعتبر حقد كل سوري ورحلات لندن وسفاري زيمبابوي التي تعتبر كوكب آخر بالنسبة للمواطن السوري! آباؤنا المؤسسون يحتقرون بؤس هذا المواطن.. و بالتحديد على أبواب السفارات العربية والأجنبية، كل منهم يتسوّل عدة مئات.. عدة مليارات.. عدة رفوش وعدة دفن.. وعدّة عجن للطحين الذي سرقه الكثيرون منهم من فم جائع هو ذاته ذاك المسكين المواطن السوري!آباؤنا المؤسسون يشدّون شعور بعضهم ويتناطحون ونحن نتحسّر أحياناً على شهيد كان علماً ووساماً تفخر به سورية، وأحياناً أخرى نتحسّر على صور لمن اعتقدنا أنهم زعامات تاريخية، قضوا سنين طوال من أعمارهم في المنفى أو في المعتقل، ولكن ربما عندما يواجه الإنسان عجزه فهو يواجه عريه وعندما يواجه عريه يستمرّ بالتعرّي حتى تعمى الأبصار عنه.. .تعرّى كل زعماء هذه الثورة وباتت يتيمة.. لا آباء لثورتنا، إنها ثورة أطفال.. ثورة بريئة من أي قدرة على المساومة وأي قدرة على مجاراة قذارات السياسة بما فيها اللعب الدولية المخزية، إنها ثورة أحلام صغيرة.. ثورة جيل ضائع وتائه ومهجر وعبقري وصاحب أجمل أرض في هذا الكون.. قد نكون جهلة لا نعرف أن نكتب مبادئ برّاقة ومبتكرة كجون لوك وروسو ولا نعرف أن نعبّر عن مآسينا وبؤسنا في كتاب يخلّده التاريخ كفيكتور هوغو ولكننا صادقون، لم نتمنى لسورية ما يهذر به الكثيرون اليوم بأنه ذنبنا.. لا لتقسيم سورية أو لتطييفها أو لصوملتها أو للبننتها، كل ما نعرف القيام به قد فعلناه، لقد رسمنا سورية بأهلها أنفسهم لا نبدّل فيهم رمش عين، وقد رسمنا سورية بعظمتها التي لا جدال فيها ولا نستبدل تاريخنا بتاريخ أمم الأرض كلهم بما فيه حقبة النظام السوري، فهو بقسوته وبفشله وبتضحيته بسورية بكاملها اليوم نتيجة لآباء مؤسسين كهؤلاء الذين يقسمون بأنهم غيره وهم هو لا يختلفون عنه سوى بأنه هو جالس وهم ينتظرون. أما نحن، ثورة الأولاد سنحاول أن نخترع للتاريخ أمثولاتنا الأبدية، لكن على العالم أن يكون رحيماً قليلاً معنا فنحن وحيدون مع أفكارنا، قد نخطئ كثيراً لكننا حتماً سنصل.. سنصل أو ما تبقى منّا سيصل.. ليكون اباً وليكون أماً وليكون ذاته طفل الثورة السورية الخالدة.. . عمّ سيدافع السوريون؟ بالتأكيد لن يدافع عنكم.. سندافع عن سورية الشعب.. سورية المواطن السوري. رشا لؤي الجنديqmn