القاهرة ـ “القدس العربي” ـ من كمال القاضي: الحالة الراهنة للسينما المصرية تنذر بمزيد من التدهور اذا ما ظلت معطيات التجارة هي حجر الزاوية في العملية الانتاجية باستثناء عدد قليل من التجارب الجيدة التي تحدث صدي ايجابيا محدودا علي المستوي النقدي لا يخرج في تأثيره عن حيز النخبة، فيلما أو اثنين علي مدار العام، كما هو الحال بالنسبة لفيلم عمارة يعقوبيان أو ملك وكتابة أو الآباء الصغار والأفلام الثلاثة تجارب متناثرة جاء عرضها متفرقا، حيث المسافة الفاصلة بينها تحوي عشرات الأعمال الأخري، تتشابه في الغثاثة والوهن وتحمل ثقافة جمهور مختلف، ربما يتعامل مع السينما بوصفها رافدا للتسلية فحسب، فيما يعتبر هذا الجمهور من وجهة نظر المنتجين القوام الرئيسي للايرادات، ومن ثم فالحاجة اليه ضرورة حتمية لا ينبغي التخلي عنها تحت اغراء الجودة أو الرهان الموضوعي كما يطلق المثقفون، إذ لا يتأثر المنتج عادة بامتياز الجوائز التي تحصل عليها الأفلام الجيدة من المهرجانات المحلية والدولية لأن ذلك التميز يصب في خانة التقدير الأدبي ولا يترجم الي بنكنوت الا في حالات قليلة يعود مردودها في الغالب علي البطل والبطلة والمخرج، وهو ما يمثل ثمة حساسية للمنتج الذي يعتبر نفسه خارج حسبة التقديرات المعنوية، ألم يكن التقدير مرتبطا في شق منه بالجوائز المادية التي تأتي من بعض المؤسسات السينمائية لدعم الفيلم العربي، وأتصور أن هذه الاشكالية هي السبب المحوري في اعتبار الايرادات مقياسا حقيقيا وتراجع القيمة الأدبية!
وعملا بهذه القاعدة المقلوبة تسابق المنتجون علي انتاج الأفلام التجارية وتفشت عدوي التسول والارتزاق السينمائي وخرجت عشرات الأفلام تؤكد الاتجاه وكثر حديث النجوم في وسائل الاعلام عن الايرادات الخرافية لأفلامهم، وكيف أنها أعادت الحياة الي السينما المصرية بعد مواتها، وعليه بدأت معامل التفريخ في مضاعفة انتاجها فكانت أفلام مثل كتكوت، علي سبايسي، كلم ماما، ظرف طارق، حاحا وتفاحة، قشطة يابا – وكلها شكلت موجة امتدت طويلا ولا تزال موجودة الي الآن، فهناك حاليا أفلام جاءت تنويعا علي هذا العزف منها عن العشق والهوي، عليا الطرب بالتلاتة، ثُمن دستة أشرار، وغيرها من آيات الهذيان والهذل، ولعل الأخطر في الظاهرة الرديئة أنها توصد أبواب دور العرض أمام التجارب الناضجة أو بالأحري لا تشجع المخرجين الجادين علي انجاز أعمال ذات قيمة خوفا من المنافسة الشرسة التي تخلقت بفعل السعار المادي وارتفاع مؤشر الايرادات الي حد تجاوز السقف التجاري المتعارف عليه، فعلي سبيل المثال فيلما خلي بالك من زوزو وأبي فوق الشجرة وهما لنجمين كبيرين عبدالحليم حافظ وسعاد حسني ومخرجين لهما باع طويل في صناعة السينما حسن الامام وحسين كمال.
هذان الفيلمان برغم نجاحهما المذهل وقيمتهما الفنية العالية لم يصلا من حيث الايرادات الي الرقم الذي وصل اليه فيلم كتكوت والبالغ حوالي 20 مليون جنيه، مما يدل علي الاختلاف الجذري – النوعي في ذوق الجمهور منذ فترة السبعينيات وحتي الآن، غير أن الأفلام التي أنتجت في منتصف التسعينيات وحصلت علي العديد من الجوائز مثل: القبطان للمخرج سيد سعيد والنجم محمود عبدالعزيز، أرض الخوف لداود عبدالسيد وأحمد زكي لم يستمر عرضهما في دور العرض غير أسابيع قليلة جدا، برغم أن الأخير رشح لجائزة الأوسكار وهي أعلي جائزة سينمائية عالمية، مما يؤكد أيضا أن هناك مسافة طويلة تفصل الجمهور عن السينما الفكرية التي تهتم بتنشيط الوعي الثقافي، وأتصور أن السياسة الاعلامية للتلفزيون المصري لعبت دورا كبيرا في صرف نظر العامة عن القضايا الحقيقية، اذ ركزت بوعي شديد ووفق برنامج دقيق علي الترف وروجته بقوة كسلعة رئيسية علي جميع المحطات المحلية والفضائية، الأمر الذي أدي بالتراكم الي انشغال السواد الأعظم من الناس بالشكل علي حساب المضمون فبات الاهتمام بالفيديو كليب هو محور الثقافة الجمعية بعد اختلال التوازن وفقدان السيطرة علي حركة الكاسيت والفيديو وظهور مئات الأصوات والوجوه الجديدة، وهذا بالطبع كان له أثره السلبي علي ذهنية الشباب المستهلك الرئيسي للسينما وأفرز ثقافة شكلانية طغت علي الجوهر وحالت دون الابتكار والابداع وكرست للتقليد والاستنساخ في كل من السينما والأغنية، ولم يكن هناك حد فاصل سوي تجربتين هما سهر الليالي، و أحلي الأوقات للمخرجين هاني خليفة وهالة خليل، وللأسف لم يشكلا تيارا فيما بعد وظلا كجزيرتين معزولتين، غير أن تيار الوعي الحقيقي خلقته السينما الروائية القصيرة التي استطاعت أن تدخل السباق وتنتزع الجوائز وتفرض نفسها كبديل صحي لحالة الفوضي، ولعل من أهم الأفلام القصيرة واشهرها فيلم صباح الفل لشريف البنداري الذي حصل علي الجائزة الذهبية من مهرجان روتردام الهولندي، حيث نجح فيما أخفقت فيه الأفلام الروائية الطويلة في مهرجانات عالمية أخري!
وبقي الرهان معقودا علي هذه النوعية القصيرة اذ ظلت الحالة السينمائية علي ما هي عليه ونشطت حركة المقاولات الجديدة التي عُرفت في فترة السبعينيات وعمل علي رواجها مخرجون مثل ناصر حسين وشريف حمودة وغيرهما، وهي ذاتها الحركة الراهنة مع الفارق في أنها أصبحت هي القاعدة وغيرها الاستثناء، وأتصور من وجهة نظري أن المسؤولية تقع في هذا الشأن علي الجمهور قبل المؤسسات الانتاجية باعتباره المتحكم في هذا النشاط والداعم له فاقباله علي شباك التذاكر يمثل الدعم الأكبر لموجة الاسفاف، وفي نفس الوقت يقوض فرص التغيير ويفرض الركاكة والرداءة بقوة رأس المال، وليس معني ذلك اعفاء بقية الأطراف من المسؤولية فالرقابة مسؤولة مسؤولية أدبية والمنتج والمخرج والممثل كلهم يتحملون جانبا من هذا الوزر، ان ثمة جريمة ترتكب في حق السينما والمجتمع يتسبب فيها كل المشار اليهم وتعود آثارها عليهم، ولكن أحدا من هؤلاء لن يستطيع التغيير وحده.