«عندليب الثورة» في سوريا… صوت يتوقف

حجم الخط
0

أطفال يأكلون الساندويشات من كيس نايلون، طفل بائس يمد يده إلى صحن طعام صغير، طفلان يرتكزان على عمود خيمة، امرأة شابة محجبة ترفع يديها بيأس وهي تشير إلى بيتها المهدوم، امرأة مشردة تقطع الخضار لإعداد الطعام لأولادها. وبعد ذلك على الفور تظهر صورة الزعماء، بشار الأسد وحسني مبارك ومعمر القذافي وعمر البشير، وصورة لكفي يدين رسم عليها شعار النصر.
هذا هو الفيلم القصير الأخير الذي نشره عبد الباسط الساروت قبل موته (27 سنة) الأسبوع الماضي في معركة ضد جنود الأسد. الساروت الذي بدأ حياته المهنية كحارس مرمى واعد في منتخب شبيبة مدينة حمص وجد نفسه في سن الـ 19 مقاتلاً في صفوف المتمردين. في فترة قصيرة عُرف بصوته الجميل وبأغنيات الثورة التي قام بتأليفها لصالح المتمردين. «عندليب الثورة»، «صوت التمرد»، «حارس الثورة» هذه الأسماء أطلقها عليه المعجبون به. في السنوات الثماني من نضاله أقام مليشيا خاصة به وترأسها، حاولت قوات الأمن السورية اغتياله ثلاث مرات، وعرضوا جائزة تبلغ 2 مليون ليرة سورية (35 ألف دولار) لمن يقتله. لقد اتهموه بأنه يتعاون مع قوات داعش، رغم أن النصرة، فرع القاعدة، اعتقلته من قبل.
خلال تلك الفترة، استمر في كتابة الأغنيات، وظهر إلى جانب الممثلة السورية فدوى سليمان التي قتلت هي أيضاً. بذلك أراد الغمز إلى وحدة الثورة ـ هو سني وهي علوية، يحاربان معاً ضد نظام الأسد. في العام 2013 تم عمل فيلم وثائقي عنه بعنوان «العودة إلى حمص»، الذي حصل على جائزة في مهرجان سندانس، وأصبح الفيلم الوثائقي الأول الذي عرض أحداث الحرب في سوريا من خلال قصته الشخصية. عندما نشر خبر وفاته في مستشفى في تركيا الذي نقل إليه بعد إصابته، ملأت التعزية الشبكات الاجتماعية، في سوريا وأرجاء العالم. «لقد كان ابناً لجميع الأمهات في سوريا»، كتب صهيب أيوب. «أعلنت أمي حدادها عليه وكأنه ابنها. أمي (70 سنة) وقد لا ترى حمص مرة أخرى في حياتها، فقدت اليوم مثلما فقد كل الأطفال في سوريا، صوت الثورة».
شعراء الثورة من تونس ومصر ومروراً بليبيا واليمن وسوريا، الذين برزوا خلال الثورات والمواجهات العنيفة، الذين قتلوا والذين نجحوا في الهرب من ملاحقة الشرطة، خلقوا تراثاً اجتماعياً ينتشر بين الموسيقى والكلمات البسيطة وتشمله ألبومات حرب هذه الثورات. كثيرون منهم اشتهروا في البلدات التي ولدوا وكبروا وقاتلوا فيها وهم معزولون، وذاع صيتهم في دولهم. وقليلون منهم عرفوا خارج بلادهم. ساروت واحد منهم، شاب وسيم ذو شعر طويل غير مرتب، يرتدي مثل أي شاب في جيله في الغرب، ملابس عسكرية، حيث يضع سترة واقية على جسمه مليئة بمخازن الذخيرة والقنابل ـ يظهر كبطل في فيلم حربي، ولكن في هذا الفيلم قتل أكثر من 600 ـ 700 ألف شخص والحرب لم تنته بعد. عشرات آلاف المقاتلين في جيل ساروت، أعضاء في عشرات المليشيات المنتشرة في محافظة إدلب، ينتظرون المعركة الكبيرة التي بدأت والتي ينوي فيها النظام تدمير بقايا قوات المعارضة. كل مليشيا من هذه المليشيات لها أبطال وأغنيات كتبت لها. أغان للحرية وطموح للنصر، أغان تتحدث عن النضال الذي لن ينته حتى سقوط النظام، وربما سيكون أحدها النشيد الوطني الجديد لسوريا.
هل نحتاج إلى كل هذه الأغنيات الوطنية؟ تساؤل كاتب الأعمدة مصطفى فضل في مقال لاذع نشره في موقع «رصيف 22» في 6 حزيران، يوم ذكرى حرب الأيام الستة «النكسة» للجيوش العربية. وباستهزاء كبير أشار إلى الأغنية المشهورة لعبد الحليم حافظ «عدا النهار والمغربية جاية» من تأليف عبد الرحمن الأبنودي في زمن قريب من استقالة الرئيس المصري جمال عبد الناصر في أعقاب نتائج الحرب. «لكن بعد تراجع ناصر عن استقالته خلال يومين، غنى عبد الحليم أغنية جديدة هي «البندقية تكلمت»، رغم أن البندقية لم تتحدث بعد»، كتب فضل. نعرف الامتحان وغناء أغنيات الحداد والعويل، انتقد. وأخطر من ذلك.. فقد حول الزعماء أغنياتنا القومية إلى وسائل للتجنيد وأمور هامشية، مثل الأغنيات الوطنية التي تطلب من الجمهور التصويت في صناديق الاقتراع لانتخاب الرئيس الحالي. «أمة غير مستقرة سياسياً لا يمكنها إصلاح الوضع من خلال الأغنيات والأناشيد القومية. إذا أردنا الإصلاح فإنا بحاجة إلى أغنيات تنظر إلى الواقع مباشرة وتدعو إلى التغيير وتدافع عن مجتمع تربى على أغنيات مدح اشتراكية ناصر، مثل أغنيات عبد الحليم حافظ. وإن التحول إلى مجتمع السادات الرأسمالي، لا يمكنه مناقشة مشكلاته».
في مصر لا تسمع أغنيات الثورة أو أناشيد الحرية، فقد منعها عبد الفتاح السيسي. في سوريا ما زال هناك دور للشعراء المناضلين من أجل رفع معنويات المقاتلين، لكن قريباً أيضاً سيبقون أيتاماً. أغنية الثورة ستتوقف، أو-مثلما هي الحال في مصر ـ ستخدم السلطة التي ستسيطر عليها وتحولها لخدمتها.

تسفي برئيل
هآرتس 10/6/2019

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية