عندما اعلن نجيب محفوظ تعبه من الحياة

حجم الخط
0

عبد الرحمن مجيد الربيعي

هل يمكم للمرء ان يتعب من الحياة فيتمني مغادرتها؟ هذا السؤال قادني اليه حديث نقل عن الراحل الكبير نجيب محفوظ حيث عدد تعبه من اشياء كثيرة يعيشها ويعانيها فردد: تعبت من.. ومن.. واخيرا تعبت من الحياة!

اعتقد ان من يقول مثل هذا الكلام لا يتفوه به الا عندما يحس بانه ليس هناك شيء اراده ولم يحصل عليه، ولعلي هنا اتساءل: هل اراد محفوظ حقاً كل ما حصل عليه وعمل من اجل ذلك بالدأب النملي الذي لم يحد عنه؟

هل توقع نجيب محفوظ مثلا ان يكون اول عربي يحوز علي اكبر جائزة في العالم للادب وعن الرواية دون غيرها من الاجناس الادبية والتي هي في المحصلة الاخيرة جنس ادبي غربي بمعزل عن محاولات بعض النقاد والباحثين في البحث عن جذور لفن القص في ادبنا العربي؟

ومن يعود لكلمته التي القيت نيابة عنه في احتفال تسلم الجائزة سيجد اعترافه وهو يخاطب لجنة الجائزة بانهم منحوها له عن فن ادبي تعلمناه (منكم) ويقصد هنا الغرب!

نجيب محفوظ كان كتوما علي اشياء كثيرة في حياته ومنها زواجه واسرته. واذكر هنا ان المرحوم يحيي حقي روي في احدي رسائله لابنته ـ وقد كان رئيسا لمحفوظ ـ بانه ما ان ينتهي من العمل الرسمي حتي (يهرب) ولا يحبذ ان يوصله احد الي بيته، ولا يتحدث عن اسرته او يعطيهم رقم هاتفه فيحيي حقي كان متزوجا من سيدة فرنسية تحب التزاور ومشاركة زملاء زوجها المناسبات!

وقد روي يحيي حقي هذا بتعجب واستغراب، وبدا ذلك لمن قرأ الرسالة التي وردت في كتاب رسائل يحيي حقي الي ابنته نهي مع اعترافه بأهمية منجز محفوظ الروائي وكان يؤاخذه علي تقمص دور الموظف المطيع، ويذكره بأنه كاتب كبير حتي يخفف من هذا الانضباط.

ربما كان محفوظ قد عمل من اجل هذه الجائزة ولكنه لم يبح بما اراد لاحد، ترك الامر بينه وبين نفسه وهو هنا علي النقيض من آخرين، احدهم كان يوعز لبعض مريديه بتهيئة حملة اعلامية قبل اعلان الجائزة بانه اقوي المرشحين لها حتي اصبح الامر مسلمة لا تناقش، وعند اعلان اسماء الفائزين نجد هناك من يكتب: كان فلان اقوي مرشح لها!

ووجدنا كيف ثار القاص يوسف ادريس رحمه الله عند اعلان النتيجة وكتابته مقالات وادلائه بتصريحات نارية ضد محفوظ مشككا بقيمة اعماله مؤكدا وبنرجسية لا حدود لها انه المرشح الاقوي لهذه الجائزة وانهم اعطوها لمحفوظ لانه يؤيد كامب ديفيد ويستقبل المستعربين الاسرائيليين.. الخ.

نعم، لقد نال محفوظ الجائزة ولم يقل احد انه ليس جديرا بها بل كل ما قيل ان هناك من هم جديرون بها من معاصريه، وقالها هو بنفسه في تصريحاته بعد الجائزة وقبلها. وتمني لو ان طه حسين او توفيق الحكيم او العقاد قد حاز عليها في حياته وكانوا من الاسماء التي يجري تداولها بقوة وترشيحهم قدم من عدة جامعات ومؤسسات ثقافية مصرية وعربية ومعهم اسماء اخري من الشعراء خاصة، البياتي، ادونيس، درويش، نزار قباني.

اذكر وقتها ـ اي عام 1988 ـ انني كنت في بغداد التي هيأت نفسي لمغادرتها حتي اجل غير مسمي عندما جاءني هاتف من اذاعة مونت كارلو لأعطي رأيي بفوز محفوظ بهذه الجائزة. ولم اشك لحظة في ان الموضوع مجرد مداعبة من صديق. واعطيت رأيي واعتبرت ان الفوز هو فوز للرواية العربية كلها واعتراف عالمي بها من خلال عميدها، واقوال اخري لا اتذكرها الآن.

وعندما وصلنا القاهرة بدعوة من رئاسة الجمهورية المصرية لحضور الاحتفال التكريمي لمحفوظ اعلمني الصديق الروائي يوسف القعيد ـ وهذا ما اسعدني كثيرا ـ ان اسمي مع اسمي جبرا ابراهيم جبرا وعبد الوهاب البياتي قد اشر عليهما محفوظ بنفسه لتوجيه الدعوة لنا عندما قدمت عن القوائم المقترحة لاسماء المدعوين. وجدنا امامنا عددا كبيرا من ادباء العالم عدا الادباء العرب وادباء مصر وكانوا سعداء الي ابعد حد وجاؤوا بأريحية عالية.

واذكر ان المحتفي به وعندما اخذ منه التعب مأخذه جلس في قاعة جانبية وهو يرتدي البدلة اياها الكورية الطراز او الصينية ـ لا ادري ـ بدون رباط عنق، واخذ يتلقي التهاني وهو جالس اذ لم تعد له القدرة علي المطاولة في الوقوف.

كان من الحاضرين الكاتب الامريكي الملون اليكس هيلي صاحب رواية الجذور التي تحولت الي مسلسل شهير، وقد عرفته من خلال صوره التي مرت بي، ويبدو انه اراد استكمال احتفاله المحفوظي فتوجه نحو مقهي الفيشاوي الشهير الذي اقتطعت اجزاء منه وفقد وسامته الاولي التي كان عليها في روايات محفوظ، وهناك جلس وامامه الشيشة وهو ينفخ فيه بانتشاء ظاهر.

كانت تلك الايام الألذ، لنا نحوها حنين لا يُحَدّ.. بيننا وبينها ثمانية عشر عاما، ما اسرع جريان الزمن، بأي سرعة يجري بحيث يصبح العام وكأنه يوم واحد.

هل كان محفوظ ابن الخامسة والتسعين محقا عندما تعب من الحياة؟! ان كان كذلك فها هو في مستقره الاخير وقد نال راحته منها، عليه الرحمة!

اما الذين يقرؤون رواياته فستظل تؤرقهم اسئلتها!

كأنه قام بتلغيم الارض بكلماته قبل انسحابه منها.

كاتب من العراق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية