عندما تأتي الرياح الأمريكية بما تشتهي سفن الغاز الروسية!

إبراهيم نوار
حجم الخط
1

استباقا للقائه المنتظر مع بوتين، قرر جوزيف بايدن تخطي العقوبات التي فرضها ترامب على خط أنابيب غاز السيل الشمالي الثاني، أو «نورد ستريم- 2» الذي يربط روسيا، أكبر مصدر للغاز الطبيعي في العالم، بألمانيا، أكبر مستهلك للغاز في أوروبا. خط الأنابيب الذي كان يخضع لعقوبات مشددة، تشمل كل الشركات المشاركة في تمويله وتنفيذ أعماله، بما فيها الروسية والأوروبية لم يتوقف العمل فيه على الرغم من انسحاب بعض الشركات خوفا من العقوبات. واستطاعت الشركات الروسية مع خمس شركات أوروبية تشارك في رأسمال شركة السيل الشمالي الثاني، أن تلتف على العقوبات وأن تواصل العمل معا، حيث تزيد نسبة التنفيذ الفعلي حاليا عن 95 في المئة وتعمل سفينتا مد خط الأنابيب الروسيتين بمعدل انجاز يبلغ كيلومترا كل يوم. الشركات الخمس هي شل البريطانية- الهولندية، وام أو في النمساوية، وانجي الفرنسية، واثنتين من كبريات شركات الطاقة الألمانية هما يونيبر وونترشل.

شرودر يدير السيل الشمالي

قرار بايدن بتخطي العقوبات الأمريكية يعني عمليا أن خط الأنابيب، من المرجح أن يكتمل قبل نهاية صيف العام الحالي، وتشغيله في أقرب وقت ممكن قبل بداية 2022. ويبلغ طول الخط حوالي 1230 كم تحت سطح البحر، في المياه الإقليمية لروسيا وفنلندا والسويد والدنمارك وألمانيا، ويهدف لتزويد أوروبا بامدادات إضافية من الغاز الروسي تقدر بنحو 55 مليار متر مكعب سنويا، أي أنه سيضاعف كمية الإمدادات الحالية التي تمر عبر خط السيل الشمالي الأول، لتصل إلى 110 مليارات متر مكعب سنويا. وقد أشارت التقديرات الأولية إلى أن التكلفة الاستثمارية للخط تقدر بنحو 11 مليار دولار. ولم تجد روسيا صعوبة في توفير التمويل اللازم، حيث تشارك في التمويل شركة غازبروم الروسية، كبرى شركات الغاز الطبيعي في العالم، مع الشركات الأوروبية الخمس. وقد أسست الشركات الست شركة مستقلة مقرها سويسرا تتولى إدارة وتشغيل خط أنابيب السيل الشمالي، يرأس مجلس إدارتها المستشار الأسبق لألمانيا جيهارد شرودر زعيم الحزب الاشتراكي الديمقراطي سابقا.

المخاوف الأمريكية

تخشى الولايات المتحدة أن يؤدي تنفيذ خط الغاز الشمالي الثاني إلى تكريس اعتماد أوروبا على الغاز الروسي، وأن تفقد استقلالها في مجال الطاقة، الأمر الذي قد يترك آثارا استراتيجية سلبية على التحالف الغربي بشكل عام. وكان لدى الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب دافع آخر وهو سعيه إلى فتح سوق الطاقة الأوروبية لصادرات الغاز الأمريكي.
كذلك فإن جماعات حماية البيئة في ألمانيا ودول أوروبية أخرى كانت تعارض إنشاء السيل الشمالي الثاني الذي يمتد تحت مياه بحر البلطيق بموازاة الأول، بسبب أضراره المحتملة على البيئة البحرية. كما تضم المعارضة أنصار الطاقة المتجددة، الذين يدفعون بأن تزايد اعتماد أوروبا على الغاز الروسي الرخيص، قد يؤدي إلى التراخي في برنامج التحول إلى الطاقة المتجددة، وهو ما يهدد تقليل الانبعاثات الكربونية بنسبة 90 في المئة في منتصف القرن الحالي عما كانت عليه في العام 2005.

الحجج المؤيدة للخط

تعتمد أوروبا بصورة متزايدة على استيراد النفط والغاز والفحم من الخارج، ومع التحول إلى مصادر الطاقة المتجددة والنظيفة، فانها أصبحت في حاجة للتخلص نهائيا من محطات الكهرباء التي تعمل بالفحم، التي تسهم بنسبة 20 في المئة من إنتاج الكهرباء. وعلى الرغم من كل جهود تطوير مصادر الطاقة المتجددة مثل طاقة الرياح والشمس، فإن الغاز الطبيعي يعتبر حتى الآن البديل الأقرب ليحل محل الفحم في محطات الكهرباء الجديدة.
وقد استوردت دول الاتحاد الأوروبي في العام السابق للأزمة الاقتصادية المترتبة على وباء كورونا حوالي 496 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي. وتصدرت روسيا قائمة الموردين بنسبة 40 في المئة، تليها النرويج بنسبة 18 في المئة ثم الجزائر بنسبة 11 في المئة. وتقدر وكالة الطاقة العالمية، إنه حتى مع استقرار الطلب على الغاز، فإن المعروض من الإمدادات من داخل أوروبا سينخفض بنسبة 2.5 في المئة سنويا، بسبب تقادم وتراجع انتاج الحقول في بلدان مثل بريطانيا والنرويج. ولذلك فإن أوروبا ستضطر إلى المزيد من الاعتماد على الغاز المستورد. كذلك يقدر الاتحاد الأوروبي أن الغاز الروسي الرخيص يسهم في تخفيض تكاليف الإنتاج وأسعار الكهرباء بما يحقق زيادة رفاهية مواطني دول الاتحاد. كما أنه يوفر أيضا درجة عالية من أمن الطاقة نظرا لقدرة روسيا على توفير إمدادات هائلة.
وتتمتع روسيا بموقع متميز على خريطة إمدادات الطاقة الأوروبية، حيث توفر لها 40 في المئة من الواردات من الغاز الطبيعي، و30 في المئة من النفط و42 في المئة من الفحم. ولا شك أن روسيا ليس من مصلحتها أن تخسر حصتها من الفحم بدون تعويض ذلك بامدادات إضافية من الغاز الطبيعي، وهو ما يحققه السيل الشمالي الثاني.
وإلى جانب المكاسب التجارية سيحقق السيل الشمالي الثاني لروسيا مكاسب استراتيجية كثيرة، من أهمها في الوقت الحاضر الضغط على الحكومة الأوكرانية، التي تحصل على رسوم عبور للغاز الروسي تصل إلى 2 مليار دولار سنويا، ستخسرها في حال توقف مرور الغاز الروسي عبر أراضيها. وتقول روسيا أن الخط الأوكراني انتهى عمره الافتراضي، وأن انشاء السيل الشمالي الثاني هو أكثر جدوى من إعادة تأهيله.

مزاحمة الغاز العربي

يمثل الاتحاد الأوروبي سوقا طبيعية للدول العربية المصدرة للنفط والغاز، خصوصا المطلة على البحر المتوسط. ويتيح انخفاض إنتاج أوروبا من النفط والغاز والتحول من الفحم إلى الغاز والمصادر المتجددة فرصة للمصدرين العرب، خصوصا قطر وليبيا والجزائر، لزيادة تواجدهم هناك ، أو الدخول إليها والحصول على نصيب معقول من السوق، مثلما هو الحال بالنسبة مصر، التي تبحث عن أسواق مضمونة لصادراتها من الغاز. لكن الإمدادات العربية، تعاني من تأثير مخاوف عدم الاستقرار أو الانقطاع، مثلما هو الحال بالنسبة لليبيا.
وتملك مصر بنية أساسية قوية لاستخراج ونقل تصدير الغاز، كما تملك محطات للإسالة على البحر المتوسط في ادكو ودمياط، ما تزال تحت مستوى التشغيل الأمثل، وهي تستطيع في الظروف الراهنة أن تفتح أسواقا للتصدير إلى بلدان مثل فرنسا وتركيا واسبانيا وكرواتيا والمجر وبلغاريا، خصوصا وأن هذه الدول من مصلحتها تنويع مصادر الاستيراد، كما أن المجر وكرواتيا تعارضان خط السيل الشمالي للغاز الروسي، وجرت بينهما وبين مصر محادثات في خصوص استيراد الغاز.
ومع أن قطر تعتمد على أسواق التصدير الآسيوية أكثر من غيرها، فإنها أيضا تسعى إلى تطوير مكانتها في سوق الغاز الأوروبية. وفي هذا السياق فإن شركة قطر للغاز أبرمت عددا من الاتفاقيات طويلة المدى تصل إلى 30 عاما، شملت تأجير منشآت لاستقبال الغاز المسال وتخزينه في بلجيكا وفرنسا وبريطانيا، حتى تصبح لاعبا مهما في سوق العقود الذي يستوعب نحو 10 في المئة من صادراتها حول العالم، إضافة إلى ذلك ترتبط قطر باتفاقيات طويلة الأجل للامدادات مع دول مثل إيطاليا وإسبانيا وبريطانيا. ويتمتع الغاز المسال القطري بقدرة تنافسية عالية، مع مزايا وفرة ومرونة الإمدادات ووسائل النقل بواسطة ناقلات الغاز المبردة المملوكة لقطر.
وفي السياق نفسه فإن الجزائر التي تمد أوروبا بنحو 11 في المئة من احتياجاتها من الغاز الطبيعي، تعمل أيضا على الاستفادة من الزيادة المتوقعة في الطلب الأوروبي على الغاز بتأثير التعافي الاقتصادي والتحول من الفحم إلى الغاز في محطات الكهرباء. وكانت الإمدادات الجزائرية قد انخفضت في العام الماضي بنسبة 25 في المئة تقريبا بسبب تداعيات أزمة كورونا لكنها تزيد الآن بسرعة وتستعيد مكانتها.

التأثير على غاز شرق المتوسط

في سعيها لتنويع مصادر استيراد الطاقة، تتبنى دول الاتحاد الاوروبي، خصوصا دول جنوب أوروبا وعلى رأسها اليونان وإيطاليا مشروع انشاء خط أنابيب بحري بطول 1900 كم لتوصيل الغاز من حقول إسرائيل وقبرص في شرق البحر المتوسط إلى إيطاليا، وربطها بشبكة الغاز الأوروبية. وتقف الولايات المتحدة بقوة وراء هذا المشروع نظرا لأهميته الاستراتيجية. وتبلغ الطاقة التشغيلية المتوقعة للخط حوالي 10 مليارات متر مكعب سنويا، أي ما يقل عن 10 في المئة من طاقة خطي أنابيب السيل الشمالي الأول والثاني، وهو ما يجعل غاز شرق المتوسط مصدرا مكملا وليس رئيسيا لامدادات الطاقة مقارنة مع السيل الشمالي. وتقدر التكلفة الأولية لإنشاء خط شرق المتوسط حوالي 6.7 مليار دولار. ونظرا لارتفاع تكلفة الإنتاج من الحقول العميقة في شرق المتوسط، فإن الغاز الطبيعي الروسي سيظل أرخص كثيرا. وفي حال إتمام وتشغيل السيل الشمالي الثاني، فإن الحاجة إلى خط شرق المتوسط ستصبح أقل الحاحا، وربما لا يرى النور أبدا.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية