فؤاد أبو حجلة
لم تكنِ العاصفةُ شديدة القوة!! صحيحٌ أنها اقتلعت بعض الأشجار، ونبشت بعض القبور القديمة!! ولكن القرية خرجت منها سالمةً، فهل يستطيعُ الراهنُ أن يُبْرِأ ما تكسّر من روحٍ علي عتبات القربان الوثيق؟
هل يستطيعُ الحبّ أن يزُاوِجَ بين أملين خافقين، وينتحي بنا إلي جادة الأمنِ والحبور؟
أن يعبر بنا نحو ملكوته المتدفّقِ بآياتٍ ساجدة، ومسبحة بحمد الله؟
ها هي قد حضرت!! لكن كلَّ شيءٍ فيها غائبٌ ومرتبك.. كلُّ خليةٍ تنطقُ بلعنةِ المنفي الذي أمضَّ ستارنا وأرهقه فانفضح فينا شوقنا، ولهفتنا إلي الهدوء، فبتنا ليلتنا في عراء الروح نلتمسُ القبس، ونلهج بدعاءٍ حارقٍ لمولي الأستار أن يحفظ لنا حبة الخردل التي بقيت في اليقين العَذْب، وهل تُزهر هذه الحبةُ في حديقتنا المُجدبة، فينتشي ما علِقَ فينا من فرح!… محوتُ كل العبارات التي نقشتها علي أحجار ذلك الصرح الذي ابتنيتهُ بكلماتي، وبدأت أفكّر بعباراتٍ أخري أكثر قرباً من هامةِ الناس العاديين، شعرتُ أنني كنتُ أخاطبُ أعمدةً من رخام، بينما كانت أجسادنا من طين، والطين هو الأساس الذي تعمّد بالخطيئة، ونزلَ إلي هذه الأرض كي يُكفّر عن خطيئته!! أغتنمُ فراري من نفسي، كي أجولَ قليلاً في عذابي الثقيل، ألامسُ الكمد بيدٍ ترتجف، وليلٍ طويل، كلُّ ما في هذا المكان يستيقظ علي زفراتي، ويسعل من دخان سجائري التي تحترق، وتحرق معها لامبالاتي، كنتُ لا مبالياً أحترف الهروب من عذاب الأخبار والصور المنتشرة علي صفحات الدمار، أنفردُ بفكرةٍ عابثة كي لا أتمادي في الحزن!! وأخاطب نفسي: لماذا كلُّ هذا اليأس؟!
وهل تراكمت حيرتي غباراً في مهبِّ المنافي؟
لا أعرفُ سرَّ الكحول، ولا حتي زفرات الميتين علي أعتابِ الغواني.. أنا مؤمنٌ قصير القامةِ في صحافةِ الآخر، وداخلُ نفسي عمرانٌ كبيرٌ ومهيب، ولكن، أما آن لهذا الغرب الداكن الخضرة أن يُدرك عُمقَ افتتاني بهذا الغيب الأصيل؟
، فمن أجل هذا الغيب أحبُّ الموتَ والحياة، فهما سيان عندي وتوأمان وُلِدا كي أكون ولا أكون!! أمارس فعل الموت كي تعيش الحياة، وكي تزدهر.. ألا يفهمُ الآخرُ أنني سعيدٌ بهذا الحدث رغم تشوّه الصورة، وانكماشها في مخيلته؟
ألا يرتدع قليلاً عن سرقة ِ وأكلِ أعنابي قبل أوانها، لكي يقولَ فقط بأنني حامض!! لماذا كلُّ هذا التكالبِ إلي قصعتنا، وهم ينعتونها بالجفاف الروحي والحسّي؟
، إذن عليكم أن ترحلوا عن أكتافنا اليابسة، وعن حواسّنا السادسة، كي ترونا وكي نراكم، أما هذا التحدّي المجّاني فإنه يقود الخليقةَ إلي تغيير المسار، ولكن عبرَ بوصلتنا نحنُ. يرانا العالم كرةً ملتهبةً تغزو السماء بحقدٍ بربريٍ ولكنه لا ينتظر اللحظة التالية حتي يري تشتُّتَ الألوان البهيج في ألعابنا النارية!! هل يفهمُ الجالسون وراء حواسيبهم أسرارنا الصغيرة تلك؟
كلما حاولتُ الهروبَ من هذه المعزوفة الضّالة وقعتُ في أنغامها، وغممها!! أحاول التنصّلَ من أفكاري حتي تواتيني القدرة علي ابتلاع اللقمة الناشفة، فلستُ بقادرٍ في ذات اللحظة علي العيش ضمن نطاق الحروف الهاربة من قاموسين مختلفين، ومتحاربين!! أريدُ هدنةً من الوقت كي أري ما أريد.
كاتب من فلسطين يقيم في باريس