عندما تؤجل الثورة فالبديل «حكم رشيد» معقم من الفلول!

هيأت نفسي لتناول ظاهرة الإقبال الأسطوري على شراء «شهادات استثمار» قناة السويس الجديدة، وضخ 64 مليار جنيه في أقل من عشرة ايام ودلالاتها وتأكيدها على القدرة المتنامية لعموم المصريين على تحدي واقعهم المأزوم وتجاوزه، واستئناف البناء والتعمير، والوصول به إلى منتهاه، والظاهرة في ذاتها جديرة بالتشجيع والتقدير في ظروف حصار الحديد والنار الذي يواجه المواطن من لحظة يقظته صباحا حتى خلوده لنومه ليلا.
زحف الشعب على المصارف وضخ المليارت المطلوبة بسرعة فائقة وزمن قياسي، وذلك دليل حيوية وثقة في المستقبل، وما يعلق عليه من آمال على العائد المتوقع على الجيوب والاقتصاد الوطنى. وهذه الظاهرة حملت رسالة تشير إلى أن الظهير الشعبي للسيسي ما زال على حاله. وظهير بهذا الحجم وله طبيعة اقتصادية يشجع السيسي على عدم التحسب كثيرا للمواءمات السياسية وغير السياسية والضغوط الداخلية والخارجية، التي تحد من الانطلاق وتغل الأيادي، فتنضبط الحكومة ولا تترك على هواها. وهذه الظاهرة مثلت أكبر تحد لحكومة المقاولين ورجال المال والأعمال.. حيث أظهرت إمكانية اعتماد الدولة على التمويل الشعبي لمشروعاتها العامة؛ دون حاجة إليهم، إنها ظاهرة جديرة باهتمام الباحثين والدارسين.
حكومة إبراهيم محلب موروثة من رئاسة القاضي الجليل عدلي منصور المؤقتة، وتحولت إلى حكومة دائمة بعد إقرار الدستور، الذي منح رئيسها صلاحيات واسعة؛ جعلته شريكا؛ ليس على طريقة يوسف والي، وكان رجل مبارك القوي؛ وزيرا للزراعة ونائبا لرئيس الوزراء، وأمينا عاما للحزب الوطني المنحل؛ واستمر في منصبه الوزاري أكثر من عشرين عاما، وحين استدعي للتحقيق في وقائع فساد عصر مبارك، وانهيار الزراعة، والتوقف عن زراعة محاصيل استراتيجية؛ كالقمح والقطن والأرز، واستبدالها بمحاصيل ثانوية كالكنتالوب والفراولة! وخضوعه للدولة الصهيونية،‮ وإرسال أكثر من 02 ألف بعثة مصرية لتل أبيب لـ«التدريب» على أساليب الزراعة الحديثة! واستيراد وزارته أسمدة مسرطنة كان الرد: إنه ليس مسؤولا فـ«الوزارة مجرد سكرتارية لدى الرئيس»!!، وتراجعت قوته بعد تولي جمال مبارك «الرئاسة الموازية» ومع ذلك أُغلق ملف يوسف والي، ولم يجد من يفتحه إلا عقب ثورة 52 يناير/كانون الثاني 1102.
لا يعيب النظام السياسي الجديد في مصر أن تكون السلطته التنفيذية موزعة بين رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، إنما العيب في التناقض والتسليم بإن «الثورة مؤجلة حتى إشعار آخر»، كما أشرنا في مقال سابق؛ بسبب العنف المسلح والعمل على إسقاط الدولة، والقبول بغياب الثورة، ولو مؤقتا، لسبب أو آخر يرتبط بالإقرار بحضور السياسة، بدون وجهها السابق؛ بقباحاته وانحرافاته وفساده، فتحمل وجها آخر لـ«الحكم الرشيد» تعكسه النظم المعاصرة، ومصر لم تصل لذلك بعد!.
والسيسي كرئيس دولة منتخب عليه تذليل العقبات التي تقف في طريق «الحكم الرشيد»، وتعقيمه من الفلول واللصوص والطابور الخامس والمطبعين والمصهينين. وتبدو المواءمات السياسية وغير السياسية تقف حائلا بين السيسي والحكم الثوري، ويبدو أنه عوض ذلك بتعزيز ضوابط الدولة، وسنحت الفرصة لتسلل الثورة المضادة إلى حكومة إبراهيم محلب بشكل أبعدها عن «الحكم الرشيد»، ومن السهل اكتشاف ذلك من اختياراته ومصالح دوائره، واستطاع تمكين المنظومة القديمة من المواقع والمناصب الرسمية والحزبية حتى استعادت تأثيرها المالي والسياسي والإعلامي وتوجيه الرأي العام، وأضحت حكومة في اتجاه معاكس للدولة و«خريطة الطريق»!!
وإذا كنا قد وعدنا بفتح ملفات رجال المال والأعمال وكشف عدائهم للدولة، وهو دور لا يقل عن دور الجماعات المسلحة، فننوه هنا إلى أمرين.. أولهما: أن مصر لا تخلو من رجال مال وأعمال يعون دورهم الاجتماعي والاقتصادي، ويسلمون بضوابط الدولة وليس الخروج عليها، وأعرف بعضهم، وكثيرا ما ناقشتهم في ذلك. وفي مناقشة مع أحدهم قال: نحن ندين لنظام الستينات «وما أدراك ما الستينات» لأنه وضعنا في إطار صحيح؛ كأحد مكونات التحالف الحاكم في ذلك الوقت باعتبارنا «رأسمالية وطنية»، واستطرد أعتبر نفسي «رأسمالي وطني.. أرعى مصالحي وأفي بالتزاماتي للدولة، وأعلي من شأن الشعب والمجتمع»، قلت: هذا يعطيني مفتاحا لتفسير دفاعك عن ثورة 1952 وتميز دورك في ثورتي يناير ويونيو؛ ضحك ولم يعلق.
آفة الحكومة المصرية في أصرارها على «النوم في أحضان الذئاب»؛ هذه سمة غلبت على كل الاختيارات وتعيينات المسؤولين، حتى رؤساء الجامعات وعمداء الكليات أصبح اختيارهم مسؤوليتها بعيدا عن إرادة أعضاء هيئات التدريس، وهي إنتكاسة تحتاج إلى معالجة جادة، وهكذا جاء اختيار «المجلس الاستشاري لعلماء وخبراء مصر» هذا الشهر، وقد يبدو ذلك خارج سياق المال والأعمال، إلا أنه يعكس نهجا في الاختيار يأتي خصما من حساب علماء وخبراء الداخل، وعلماء درسوا وتأهلوا في الاتحاد السوفييتي السابق واليابان ودول شرق أوروبا والصين وغيرها، وبعض من اختيروا على علاقة عضوية بدوائر غربية؛ بالتجنيس أو بالعمل والتعاون العلمي والمهني، وهذا ليس طعنا في الكفاءة العلمية والمهنية إنما للفت الانتباه إلى تطلعات متناقضة تلعب الدور ونقيضه، ولا يستقيم أن يكون الإنسان بوجهين أو يحمل «قلبين في جوفه»؛ أحدهما للبلاد التي يحمل جنسيتها الجديدة ويقدم لها ما تطلب ويزيد، أما البلد الأم فله الكلام والشعارت والأحاديث المرسلة.
ومن بين هذه الهيئة الموقرة ذوي قدرة على تسويق النفس، بجانب وجود خبرات في مجال الزفات (جمع زفة) الدعائية والإعلامية لشخصيات بعينها كتلك التي تصاحب أحمد زويل وفاروق الباز كلما حل أحدهما أو كلاهما على مصر، وتقام لهما المهرجانات، على المستويين الإعلامي والحكومي؛ احتفت بهما كل الرئاسات؛ من مبارك وطنطاوي ومرسي ومنصور السيسي؛ تجاهلوا شهداء العلماء والخبراء؛ لم يلتفت إليهم أحد .
هل كُرم علي مصطفى مشرفة؛ الملقب بـ«إنشتاين العرب»، وأغتيل بالسم، في عام 1950؟ هل هناك مسؤول يتذكر سميرة موسى، المعروفة بـ«ماري كوري الشرق»؟، وأغتيلت وهي تستعد للعودة بعد زيارة لجامعة سان لويس بولاية ميسوري الأمريكية، ورفضها عروض البقاء؛ قبلت دعوة لزيارة معامل نووية في كاليفورنيا، وفي الطريق قتلت في حادث سيارة في 15 آب/أغسطس 1952 قيدته الشرطة الأمريكية ضد مجهول!.
وتوالت الاغتيالات في ستينات وسبعينات القرن الماضي واغتيال العلماء الألمان في مصر؛ واغتيال يحيى المشد في باريس عقابا على تعاونه مع العراق في بناء المفاعل النووي وتوقيع اتفاقية تعاون نووي مع فرنسا في منتصف السبعينات، واعترف قادة الموساد بالجريمة، وقام الطيران الصهيوني بعدها بقصف المفاعل العراقي!!
واغتيل نبيل القليني، وسعيد سيد بدير، وسمير نجيب، وجمال حمدان عالم الجغرافيا، الذي راح ضحية تفجير غامض في مطبخ مسكنه، أشارت أصابع الاتهام حينها إلى الموساد. ولحق بهم علماء وخبراء عسكريين؛ منهم ضحايا طائرة مصر للطيران رحلة 990، في عام 1999 قتل فيها 217 شخصا بينهم 33 عالما وخبيرا عسكريا، بالإضافة إلى علماء وخبراء عراقيين لحقوا بأشقائهم المصريين!
لم تهتم حكومة مصرية واحدة بفتح ملف هؤلاء والتحقيق في ملابسات اغتيالهم! وما زال الملف مفتوحا من جانبنا.

٭ كاتب من مصر يقيم في لندن

محمد عبد الحكم دياب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية