عندما افاقت بغداد من ليلها الاول تحت الاحتلال الامريكي قبل احد عشر عاما ، لم تكن تدري ان الثمن الباهظ الذي دفعته لتوها متمثلا في مئات الاف من الضحايا الابرياء، لن يكون سوى بداية لمرحلة من المعاناة غير المسبوقة في تاريخها المزدحم بالازمات والجروح التي ترفض ان تلتئم.
اما كيف وجدت هذه الذكرى بغداد؟ فهذه مأساة مستقلة لا يمكن توصيفها في هكذا عجالة.
ولا شك في ان عهد نظام صدام حسين شهد من بين ما شهد من اخطاء وخطايا، العديد من مظاهر الفساد بين المنتمين للنخبة الحاكمة. لكن حقيقة ان الامور نسبية تجعل البعض يجادل بأن ‘طاعون الفساد’ الذي يضرب العراق حاليا، والذي يحمل لواءه ‘المحررون’ الذين دخلوا على ظهور الدبابات الامريكية، قد يرفع بالمقارنة الفاسدين في العهد السابق الى مرتبة ‘القديسين’.
وللمفارقة المضحكة المبكية في آن، تستضيف العاصمة العراقية في ذكرى احتلالها امؤتمرا دوليا لمكافحة الفسادب بحضور 30 دولة عربية وأجنبية، وهو ينعقد بعد شهور . وهو ينعقد بعد اعلان منظمة الشفافية الدولية أن العراق واحد من خمس دول عربية احتلت المراكز الاولى بين الدول الأكثر فسادا في العالم، وتضم الصومال والسودان وليبيا وسوريا، وأشارت إلى أن القائمة ضمت 177 دولة.
وفي محاولة للهروب الى الامام، زعم رئيس الوزراء نوري المالكي من على منصة المؤتمر، إن لديه امعلومات مؤكدةب عن أن أموالا عراقية تم تهريبها من قبل نظام الرئيس السابق صدام حسين لعدد من الدول،’داعيا جميع الدول إلى مساعدة العراق باسترداد هذه الأموال.ولم يوضح المالكي حجم هذه الاموال او الاسماء التي اودعت في حساباتها بالخارج، او حتى اسماء الدول التي هربت اليها تلك الاموال. كما لم يبين اسباب سكوته طوال سنوات حكمه عن تلك االاموال المهربةب.
وبدلا من ان يحدثنا السيد المالكي عن اسباب تبوؤ العراق هذه المكانة المتقدمة على لائحة الفساد العالمية، ولا فخر، طوال سنوات حكمه السعيد، لجأ الى هذه المزاعم المرسلة لحرف الانظار عن حكومته التي هي ‘الراعية الرسمية للفساد’ في البلاد.
بل ان استمرار الفساد اصبح احد شروط بقاء هذه الحكومة. ويرجع ذلك الى استخدامها للعقود التجارية والاستثمارية كرشاوى لشراء الحلفاء وتحييد الخصوم. ناهيك عن تكريسها للفساد كثقافة حتى في المعاملات التي لا تكون طرفا فيها.
لقد اصبحت بغداد ‘مدينة الفساد’ حسب وصف تقرير صحافي بريطاني. لا شيء يمكن ان يحدث دون ان تدفع رشوى. بدءا من الحصول على وظيفة الى الخروج من السجن او تفادي دخوله بشراء الاحكام القضائية.
وبالطبع اذا اضطر احدهم ان يدفع عشرات الآلاف من الدولارات للحصول على وظيفة حكومية، فان همه الاول وربما الاخير سيكون استرداد تلك الاموال باي طريقة سواء بالرشاوى او الاختلاس.
انه فساد يولد فسادا حتى اصبح الفساد ‘دولة داخل الدولة’ لا يمكن القضاء على احداها دون الاخرى.
كل هذا الفساد، المشهود له عالميا، ولا نسمع عن مسؤول واحد ادين او سجن في قضية فساد؟
فهل السبب هو ان المالكي اصدر مرسوما سريا لهيئة النزاهة (يفترض ان تكون مستقلة)، بعدم احالة اي مسؤول في حكومته للقضاء بتهمة الفساد وسط تواطؤ واضح من البرلمان الذي اصبح مرتعا اخر للفساد بسبب الرواتب والمزايا المادية الخيالية للنواب، وبالطبع ما خفي اعظم؟
وحتى يبقى (ماخفي) مخفيا، لن تتنازل حكومة المالكي عن السلطة بسهولة، حتى مع اعترافها الضمني بالفشل في مواجهة الارهاب الذي يودي بنحو الف قتيل شهريا، وحتى مع استمرار ازمة الكهرباء في بلد يعوم على اكبر بحيرة من الاحتياطي النفطي المؤكد في العالم، فيما ينحدر نحو ثلث ابناء شعبه الغني تحت خط الفقر، في نتيجة طبيعية للفساد المستشري والمتحفز لالتهام اي ثمرة من ثمار التنمية (ان وجدت).
ومع اقتراب استحقاق الانتخابات العراقية، فان المواطن العراقي، ان اراد، يستطيع ان يأخذ المبادرة بيده، لوضع الفاسدين في المكان الوحيد الذي يليق بهم، والا فلا يلومن الا نفسه.