عندما تحولنا من عرب إلى أعراب

حجم الخط
0

هنالك حقيقية يجب الا نتجاهل مرارتها وهي ان عرب اليوم لم يعد لهم مكان من الاعراب السياسي والعسكري على وجه الخصوص لا إقليميا ولا دوليا، فسياسيا ليس لهم وزن وقيمة في موازين القوة الاقليمية والدولية، لدرجة ان قوى الخارج والإقليم تعقد الصفقات والاتفاقيات بمعزل عنهم وتحت بصرهم، اتفاق ايران وامريكا مثال، وعسكريا – وهذا الأخطر – بات انتهاك الأمن القومي للعرب مباحا باسم محاربة إرهاب لم يعرّف لا قانونيا ولا دوليا، فباتت القوة الامريكية تصول وتجول في الارض العربية بطيار وبدون طيار مستبيحة السيادة والاستقلال الوطني، اليمن وليبيا مثال صارخ، بترويج انهــــما خرافــــة ماضوية لم تعد متداولة في زمن تسوق سياسي مفتوح تحدد سعره المصالح المجردة من ‘هرطقات’ الوطنية.
السؤال هنا ما الذي أوصل العرب لهذا الوضع الشاذ ضعفا وعجزا حتى لردة الفعل وليس الفعل؟
عندما يتآكل مفهوم الأمة وتفكك مفاصلها من ناحية، ويتحول مكونها من كتلة الى اجزاء متناثرة من ناحية اخرى، تضعف بنيتها وتترهل قواها، وهو ما ينعكس على مكوناتها حين ينفرط عقدها فتكون ضعيفة هشة تسهل السيطرة عليها، وهذا هو حال العرب اليوم الذي تمخض عن تآكل كينونتهم كأمة، تفككهم الى أعراب لم يعد يربطهم رابط قومي ولا توحدهم قضية، فتفرقوا، كل كيان يبحث له عن هوية سياسية وأمنية منفردا، ومظلات بدلا من المظلة العربية بعد تعرضها لثقوب نتيجة لتقافزهم بعيدا عنها.
وصول العرب لهذا التفكك والتآكل القومي، جاء نتيجة لمتغيرات متتابعة نحتت بنية الأمة، بدء من خديعة اتفاقية سلام مدريد عام 1991 التي كان هدفها احداث تخلخل في الموقف العربي، تبعها إجراء ‘تطهير’ للعرب من مبادئهم العربية القومية، بما تفرضه من التزامات وطنية لتجفيف عروق الأمة من انتمائها القومي، وهو ما تحقق، بكل اسف، حين تحلل كيان الأمة العربية لقطيع اعراب تناثر لتتلاقفهم القوى الإقليمية والدولية بعد فك ارتباطهم بقضاياهم القومية، واكبر شواهده انه لم تعد تجمع اعراب اليوم قضية واحدة، بما فيها قضية فلسطين التي تخلى عنها الجميع، بل وتسابقوا للتبرؤ منها، وإسقاطهم لالتزامات مواثيق الجامعة العربية، كالمقاطعة ثم المقاومة، ليحل محلها التزام ان السلام هو خيار استراتيجي.
بعد عقدين من بدء تحلل كيان الأمة، حدث ما سمي بـ’الربيع العربي’ الذي لم يكن فقط أملا بإسقاط أنظمة القهر والتسلط والتوريث، بل لاستعادة واستيقاظ روح الأمة، بعد ان جمع الشعوب العربية هم واحد، هو الثورة على الظلم وكسر الخوف واستعادة السيادة والقرار، الا ان المؤسف والمحزن ان ذلك الربيع العربي لم يترك ليتشكل وتتفتح زهوره كما كان الأمل، بل تناثر شوكه حين تسلقته ‘نخب’ في طور المراهقة السياسية، برزت فجأة ولم تسلم من الشكوك والارتياب لتتصدر مشهده بلا خبرة، وأخرى خرجت من مدافنها وهي في حالة ذهول طامعة بسلطة. والنتيجة تحول ربيع الأمل الى صراعات فئوية وحزبية دفعت بلدانها لتفريغ وخلط سياسي باسم ديمقراطية فوضوية، تكاد تكون البيئة الملائمة لتنفيذ ‘الفوضى الخلاقة’ التي بشرت بها بكل وقاحة وفجاجة كوندوليزا رايس، توطئة لنسخة اخرى من ‘سايكس بيكو’ تعيد رسم خريطة المنطقة العربية جيوسياسيا.
في ظل هذا المشهد العربي الكئيب، ليس هناك من مخرج الا بعودة لربط مفاصل الأمة من جديد، وهذا لن يكون على يد قيادات أصابها الخوار، ولا اخرى لم تعد نقية حتى لو خرجت من رحم الثورة، بل من خلال استمرار زخم الشعوب بروح ثورة مستمرة تفرض إرادتها وتتولى إدارتها مباشرة حتى لا يبيعها السماسرة.

كاتب سعودي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية