الكاتب المسرحي عبد الإله بنهدار في عمل مستقى من تاريخ المغرب قُبيل الاستعمار:
الرباط ـ ‘القدس العربي’ ـ من الطاهر الطويل: بينما يكثر الحديث في المشهد المسرحي المغربي عن التجريب وإلغاء النص المكتوب والكتابة بالجسد، وبينما يحاول البعض إلغاء التأليف المحلي والعودة إلى الاقتباس الذي كان منطلقا للمسرح المغربي قبل أزيد من خمسين سنة؛ في هذا الوقت يحرص عدد من الكتاب المسرحيين المغاربة التأكيد على أهمية النص مرتكزا للعرض المسرحي المتكامل وللفرجة متعددة الزوايا، باعتباره حاملا لقضايا وخطابات وقيم فكرية وجمالية واجتماعية وسياسية مختلفة.
الكاتب المغربي عبد الإله بنهدار ينتمي إلى هذه الطينة الإبداعية التي تؤمن بأصالة الفعل المسرحي حتى وإن اكتسى طابع التجديد والتجريب، فرغم أنه يُصنَّف من الجيل الجديد، فإنه يمدّ جسورا رفيعة مع سابقيه من الكتاب المسرحيين أمثال عبد الكريم برشيد وأحمد الطيب العلج ومحمد تيمد ومحمد مسكين والمسكيني الصغير وسعد الله عبد المجيد ومحمد قاوتي وغيرهم.
وما يسترعي الانتباه في تجربة هذا الكاتب أمران اثنان، أولهما أنه تربى في كنف المسرح منذ فترة مبكرة من حياته، عبر احتكاكه المباشر مع عدد من الفرق المسرحية الموجودة بمدينة مراكش، وثانيهما أنهم يجمع بين التأليف المسرحي وكتابة القصة والرواية والبحث الأكاديمي وكتابة سيناريوهات الأعمال الدرامية التلفزيونية. وقد عزز عبد الإله بنهدار ريبرتواره الأدبي مؤخرا بإصدار نص مسرحي اختار له عنوان ‘الروكي بوحمارة’. ويأتي هذا العمل الجديد ضمن مشروع مسرحي يشتغل عليه الكاتب يتكون من ثلاثة أجزاء بدأها بمسرحية ‘قايد القياد الباشا الكلاوي’، ليغطي بذلك مرحلة مهمة من تاريخ المغرب تمتد من عهد السلطان المولى الحسن الأول إلى عهد السلطان مولاي يوسف (من أواسط القرن التاسع عشر إلى أوائل القرن العشرين). ومثلما يوضح المؤلف نفسه، فهذا المشروع لا يُعتبر تأريخا بقدر ما هو بحث في الشخصيات التاريخية التي تصلح كمحرك للفعل الدرامي على خشبة المسرح. يرى الكاتب المسرحي الدكتور عبد الكريم برشيد في تقديمه لهذا الكتاب/ النص المسرحي، أن عبد الإله بنهدار يعيد اليوم للكاتب المسرحي دوره وألقه، ويعيد له اعتباره داخل المؤسسة المسرحية، وذلك باعتبار أنها مؤسسة ديمقراطية، تقوم على الحوار الداخلي، بين الأصوات أولا، وبين المكونات المتعددة للمسرحية ثانيا، وبين الفنون والعلوم والصناعات الني تشكل بينة المسرح والمسرحيات ثالثا. ويضيف برشيد قوله إن بنهدار بهذه المسرحية ‘الروكي بوحمارة’ وبالمسرحية التي قبلها ‘قايد القياد’ يعيدنا إلى الزمن المسرحي الحقيقي، أي إلى الشعرية المسرحية، وإلى الزراعة المسرحية التي تبدأ أساسا بالبذور، وهل تكون هذه البذور إلا النصوص المسرحية الحقيقية، والتي يمكن أن نعيد زراعتها في كل زمان ومكان، لتعطينا عطاء مسرحيا جديدا ومتجددا؟
ويستطرد قائلا: ‘لقد اختار هذا المؤلف الكاتبة انطلاقا من التاريخ، وتحديدا من حقبة تاريخية مهمة فيه، والتي هي نفس هذه الحقبة التي نعيش اليوم تداعياتها، ونستظل بظلها، أو نحترق بنارها، والتي تبدأ مع بداية القرن العشرين، والتي كانت مرحلة للتلاقي والصراع والتلاقح والتثاقف والتجاذب والتنافس والتسابق، وكانت مرحلة انتقالية بامتياز، أي الانتقال من النظام السياسي والثقافي والاجتماعي المغربي القديم إلى النظام الجديد، والذي ساهم الآخر في صناعته وتأسيسه كما هو معروف اليوم، ونعرف أن المسرح الحق، وفي جميع مراحله التاريخية، قد كان دائما نقدا ونقضا، وكان تدميرا وتأسيسا، وكان مبشرا بالقيم الجديدة، وهذا ما نلمسه في هذه المسرحية، فهي تقبض على أهم المنعطفات والانقلابات وأخطرها في تاريخ المغرب الحديث، وهذه المرحلة هي التي يسميها المغاربة بمرحلة (السيبة) أي الفوضى، ونعرف أن هذا النظام الجديد قد ولد من رحم تلك الفوضى القديمة، وأن هذا الوضوح قد ولد من ذلك الغموض، ومن تلك الأجواء الملتبسة، وهي بهذا مرحلة للمخاض والولادة، ولادة المغرب الجديد، ولا شك أن هذا الكاتب المسرحي قد اقتنع بالحقيقة الأساسية التالية، وهي أنه لا يمكن فهم هذا الواقع التاريخي الجديد إلا بفهم خلفياته وفهم شروطه الذاتية والموضوعية وفهم السياقات السياسية والاجتماعية والثقافية التي ساقته.’ويؤكد عبد الكريم برشيد أننا أمام كاتب مسرحي من هذا الزمان، وأمام مسرحية أهم فيها هو عمقها وغناها، وهو مخاطرتها في قراءة التاريخ قراءة عالمة وفاهمة وجديدة، والمسرحية غنية بمشاهدها الحية، وغنية بأحداثها التي وقعت، أو التي يمكن أن تقع، كما أنها غنية بديكوراتها الطبيعية، والتي تتوزع على مدن هي فاس ومراكش وتازة ووجدة، ويتجلى هذا الديكور ـ الطبيعي والمسرحي معا ـ عبر مناظر داخلية وأخرى خارجية كثيرة ومتنوعة، حتى كأن الأمر يتعلق بشريط سينمائي أو بكتابة تلفزيونية، الشيء الذي يجعل هذا العمل الدرامي قابلا لأن يقدم على المسرح أو أن يصور للشاشة الصغيرة أو الكبيرة.
من جهته، يقول الصحافي والكاتب عبد العزيز بنعبو في كلمة حول العمل: ‘بصدور هذه المسرحية، يؤكد عبد الإله بنهدار مغربية الكتابة لديه، كما يؤكد إصراره على مسرحة التاريخ إن صح التعبير. فالمسرحية السابقة واللاحقة أي ‘قايد القياد’ و’الروكي بوحمارة’ هما نبش في ذاكرة مغربية مليئة بالأحداث التي تصلح للمسرح و السينما والدراما. لكننا نجد أنفسنا فقراء أمام هذا الغنى التاريخي الذي يصنع البعض من جزء بسيط منه الفرجة الكاملة ويضيفون إليه الكثير حتى تخاله بحرا من الاحداث. نحن لدينا هذا البحر لكننا نفتقد إلى غواصين من طينة بنهدار. نفتقد إلى بحارة يخوضون غمار أمواجه ليعكسوا لنا الصورة كما هي دون رتوشات. فتاريخنا وظفه البعض من غير المغاربة، وأعطونا فرجة تابعناها على قنواتنا كما لو أننا لا نملك مبدعين يستطيعون أن ينقلوا إلينا ما عاشه أجدادنا. مسرحية ‘الروكي بوحمارة’ أهميتها ليست في مضمون القصة أو تفاصيلها، لكن أهميتها في الإشارة القوية التي أرسلتها على ثرائنا بل بذْخنا التاريخي الذي لم نوظفه بعد ولا زلنا ننتظر.’تبقى الإشارة إلى أن للمؤلف عبد الإله بنهدار نصوصا مسرحية متعددة: ‘صرخة من سراييفو’، ‘آه لو ينطق الصبار’، ‘البقيعة’، قاضي حاجة’، ‘ومن بعد’، ‘صياد النعام’، ورواية ‘وتشابكت الخيوط’ (بالاشتراك مع علي الميساوي)، وسيناريوهات أفلام تلفزيونية وسينمائية: ‘آسفة أبي’ و’أولاد البلاد’ (إخراج محمد اسماعيل’ ، ‘شهادة ميلاد’ (إخراج الجيلالي فرحاتي)، ‘بلاستيك’ (فيلم قصير من إخراج عبد الكبير الركاكنة’، بالإضافة إلى مجموعة من النصوص القصصية وكذا بحث ميداني حول ‘التراث الشعبي بهوارة’ وآخر حول ‘العلاقات الاجتماعية والاقتصادية بين اليهود المغاربة وأمازيغ الجنوب بأسيف المال وأمزيز ناحية مراكش’.