يمكننا تعريف العنصرية بأنها اعتقاد أو سلوك جائر لدى جماعة ما يجعلها تعتبر نفسها أفضل من حيث العرق أو الجنس أو الثروة أو السلطة من جماعة أخرى ، وللعنصرية عدة أشكال ، فمثلاً هناك العنصرية اللونية التي يمارسها البيض ضد السود ، العنصرية الدينية التي يمارسها أصحاب دين معين ضد أصحاب دين آخر ، العنصرية المذهبية التي يمارسها أهل مذهب ما ضد أهل مذهب آخر ينتمون لذات الدين ، العنصرية الثقافية التي يمارسها أهل ثقافة معينة ضد أهل ثقافة أخرى والعنصرية الاجتماعية التي تمارسها جماعة معينة ضد جماعة أخرى.
أما من حيث التأثير فيمكننا تقسيم العنصرية إلى عنصرية صامتة وعنصرية صارخة، العنصرية الصامتة هي عنصرية خفية لا يتم الإعلان عنها بشكل صريح وهي تسود في أغلب الأحيان ولا يُمكن محاربتها بسهولة لأنها تتخفى في دواخل النفوس. وتتجلى مظاهرها الامتناعية في عدم عقد الزيجات والصداقات بين العنصريين والمتنعصر ضدهم. أما العنصرية الصارخة فتتجلى في القول اللفظي والسلوك العملي العنصري العلني الذي يستهدف المتعنصر ضدهم بشكل مباشر.
من المؤكد أن المظاهرات الضخمة التي اجتاحت عدة مدن في الولايات المتحدة الأمريكية بسبب مقتل عدد من السود في فترة وجيزة على يد رجال شرطة بيض وتبرئة رجال الشرطة البيض من قبل القضاء هي أحدث مثال للعنصرية الصارخة حيث تم استخدام أسلحة مميتة في عمليات توقيف عادية.
وجرى تسليط أضواء الإعلام العالمي عليها بشكل مكثف ولعل أكبر المفارقات العنصرية الصارخة وغير المفهومة التي يتجاهلها الإعلام العالمي باستمرار هي عنصرية صراع البيضان والزرقة في دارفور السودانية ، فالأسود الفاتح والأسود الغامق في دارفور يتعاركان لونياً رغم انتمائهما للإسلام، وكلاهما في نظر غلاة العنصريين البيض في أمريكا من الجنس الأسود الذي يستحق أن تمارس ضده كل أنواع التمييز العنصري!
من المؤكد أن المعركة ضد العنصرية في المجتمعات البشرية لن تنتهي بسهولة فرغم أن كل الدول المعاصرة تمتلك دساتير تدعو للمساواة بين مواطنيها، ورغم أن نصوص الأديان السماوية تدعو للمساواة وعدم التفرقة بين الناس على أساس الجنس أو العرق أو اللون أو الوضع الاجتماعي إلا أن الواقع يؤكد وجود العنصرية الصامتة بكثرة في شكل كامن وغير مؤذ ظاهرياً في أغلب الأحوال لكنها قد تتحول في أي لحظة إلى عنصرية صارخة تنطوي على مخاطر مميتة بسبب انتشار ثقافة الكراهية، ثقافة عدم تقبل الآخر، ثقافة العنف، ثقافة حمل السلاح.
وغني عن القول إن إيماننا الديني وواجبنا الإنساني يحتمان علينا أن نرفض كل أشكال العنصرية ليس بالأقوال المرسلة فحسب بل بالأفعال الايجابية التي تغير النفوس والأوضاع ولو ببطء. فبإقصاء العنصرية من حياتنا إنما نؤسس لمجتمعات تتسم بالعدالة وبالتكافؤ في العيش وبالحياة وتوفر للأجيال المقبلة فرصا طيبة لتطوير تلك المساهمات الإنسانية التي لن تأخذ طريقها للنجاح إذا لم يسندها القانون.
فيصل الدابي المحامي