عندما تكون أمسيتك عراقية: تداعيات مشاهد لفيلم دم ماسي
مهند الهاشميعندما تكون أمسيتك عراقية: تداعيات مشاهد لفيلم دم ماسي كانت أمسية اعتزمت فيها الترفيه عن النفس ونفض هموم الأيام عن أكتافي لأشعر بانسانيتي المنتهكة بكثرة العمل ومتطلبات الحياة والملل والروتين وغيرها من مسببات ارتفاع ضغط الدم والسكري. ورغم تأخر الوقت فان ذلك لم يحل دون الاصرار علي الذهاب الي دار للسينما علي الأقل. كان الهدف الأول والأخير الانقلاب علي الواقع لسويعات قليلة وتنصيب حكومتي الخاصة لأكون قائد تلك اللحظة وذلك المكان الذي أكون فيه مخيرا غير مسير.خرجت وعطري يفوح وهندامي متكلف سعيا خلف أمسية الانقلاب علي الواقع، متنشقا عبير نسمة ليلية تمردت علي ريحها لتسعدني لثوان معدودة، ولم يدر بخلدي للحظة انني يمكن أن ينتهي بي المطاف وأنا ألعن السينما والحياة، ناهيك عن شتم كل ما صادفه نظري من اشخاص اتهمت عيونهم الحاسدة بتفويت فرصة التمتع بلحظات الاستقلال والسيادة تلك.دخلت دار السنيما بهدوء فرحا بأنني لم أنتظر طويلا لوصولي قبل عرض الفيلم بدقائق وتعلوني ابتسامة هانئة بقلة الازدحام والمنغصات ممن يتخذون صالات السينما جزءا مكملا لرحلة العلف اليومية. بدأ عرض الفيلم الذي يتحدث عن حكاية الماس والدم والحرب أيام الحرب الأهلية في سيراليون، وقد اخترته بالحاح لما صاحب الاعلان عنه من ضجة زادت اللهفة لمشاهدة احداثه. كانت بدايته مخضبة بدماء الأطفال والنساء في احدي قري سيراليون النائية وقطع لأطراف اطفال أبرياء وضياع لحلم أب اراد لأبنه أن يتجاوز واقعه المؤلم ويبني له مستقبلا أفضل، وتسير احداث الفيلم ويتزايد تقاطر الدموع من عيني وتتعالي حشرجاتي المكبوتة ألما علي أبرياء تمزقهم الحرب الأهلية، ويولغ في دمائهم كل تاجر حرب وزعيم ميليشيا وشركة عالمية فضلا عن النفسيات المريضة الشاذة. ماس ثمنه دم بريء، ويد طفل مقطوعة وهو يحارب في صفوف ميليشيا يغتصبه قادتها لتتشوه طفولته التي هي كل ما يملك، ونساء ثكلي وانسانية منتهكة حتي العظم من اجل يكون هناك في مكان ما علي الأرض تاجر حرب انتهازي حقير يبيع الماس الذي تتأنق به أمرأة ما في حفل ما لشرب الشاي في مكان ما من العالم دون أن تعرف ان ثمنه رأس طفل صغير في مناجم الميليشيات في سيراليون. احداث الفيلم تتسارع ودموعي تتقاطر، وأخرج من الفيلم واجما لا أجد كلمة تعبر عما شاهدته، أصعد سيارتي وأغادر دار السينما وأنا اغالب دموعي الرجولية المحرجة ويمر امام مخيلتي شريط لأحداث الفيلم وبجانبها احداث العراق مقارنا بينهما، ماس سيراليون ونفط العراق، عروش وكراسي تتقاتل عليها الميليشيات والأحزاب في بغداد، وقتال بين ميليشيات وحكومة سيراليون علي الحكم، يد طفل مقطوعة وأم مقتولة مقابل الولاء للحكومة أو الميليشيات في سيراليون، وتفجير انتحاري وسط سوق شعبي للفقراء مقابل الولاء للشيعة أو السنة في بغداد، وتاجر حرب يكنز الملايين من ماس خالطه دم العبيد الأبرياء في سيراليون، ودولارات مال عام ملطخة بدماء كهول وصغار بغداد تبني قصورا في لندن لقادة بغداد الجدد، ونفط منهوب من قوي عالمية تتقاتل للسيطرة علي مصادر الطاقة في العراق، وتبقي اكثر الحقائق رعبا التي يكشفها لك الفيلم هي مدي رخص حياة ذلك الانسان الذي يكد ذووه ويسهرون الليالي عبر عشرات السنوات ليجعلوا منه انسانا افضل فتأتي رصاصة اطلقها نكرة ضمن صفوف الميليشيات لينهي كل شيء في لحظة. وجوه مقارنة كثيرة بين احداث ذلك الفيلم المفجعة واحداث العراق عقدتها في ذهني وأنا اقود سيارتي ودموعي تلح علي بالسؤال، أهذا هو ما انتهي اليه حالنا كعراقيين بعد عقود العذاب من حكم صدام.وصلت منزلي ونزلت من السيارة وانا احاول قبل ان أدخل البيت ان اتناسي ما ألم بي من كدر وألعن مبتسما تلك اللحظة التي قررت فيها الترفيه عن نفسي بمشاهدة ذلك الفيلم الموجع، حاولت قدر الامكان أن أخرج نفسي من حال الكآبة تلك بالأكل ومشاهدة القنوات الفضائية ونشرات الأخبار العالمية، ولكن يبدو أن لا مفر فقد بادرتني أحدي القنوات العالمية بايراد تقرير في نشرتها عن حال اللاجئين العراقيين في سورية، وكيف باعت بعض العراقيات راغمات شرفهن في بارات وملاهي دمشق من اجل قوتهن وقت عيالهن بعد ان تقطعت بهن السبل في أرض اللجوء، فتأملت بعيون حياري تلك الليلة التي بدأت بحلم صغير في الترفيه عن النفس وانتهت باستعراض واقع العراق المر ومقارنته بسيراليون وحربها الأهلية وأنهار دماء الأطفال والنساء والشيوخ ممن لا ناقة لهم ولا جمل في حرب الكراسي الطائفية، وصولا لحال بعض العراقيات من عزيزات العرب اللائي دفعهن جوعهن الي أحضان الرذيلة في أرض اللجوء في وقت يتمرغ فيه أسياد بغداد الجدد بثروات العراق المخلوطة بالدم. ولكن لا يحق لي أن اتذمر فما دمت عراقيا لا يجوز أن اتوقع اكثر من أمسية عراقية بأمتياز.كاتب من العراق2