يبدو أن أي إعلان إسرائيلي عن الانتقال من مرحلة إلى أخرى يترافق مع إنجاز التدمير الكامل لمدن غزة، وإبادة بيوتها ومستشفياتها. فقد أعلن الإسرائيليون عن مرحلة جديدة في الحرب تتضمن اعترافا من المتحدث باسم الجيش دانيال هغاري باستعصاء هزيمة حماس. وتصريحات لغادي إيزنكوت، رئيس هيئة الأركان المشتركة السابق والعضو السابق في حكومة الحرب المنحلة، والتي قال فيها إن حماس فكرة وقد تضطر إسرائيل لمقاتلتها على مدى سنين.
وتعني التصريحات أن مبررات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لدخول مدينة رفح وما حولها والقضاء على ما تبقى من كتائب لحماس، منفصلة عن الواقع. فالجدال الطويل بين الإدارة الأمريكية وحكومة نتنياهو بشأن دخول رفح وتهديدات بايدن بقطع الدعم العسكري عن إسرائيل لو دخلت المدينة، لم يكن هدفه حماية المدينة وسكانها الذين شردوا مرة أخرى، بل وتحقيق أكبر قدر من الانتقام والدمار على القطاع، تماما كما حدث في مدينة غزة وجباليا وخان يونس ودير البلح، وترك المنطقة أطلالا غير صالحة للحياة. وكشفت العملية الإسرائيلية في رفح والتي مضى عليها سبعة أسابيع عن دمار هائل في وقت تعمقت فيه القوات الإسرائيلية في قلب المدينة، مخلفة وراءها دمارا هائلا.
جولات
صحافية بين الأطلال
وحسب صحيفة «نيويورك تايمز» فقد تركت العملية الإسرائيلية المدينة مدمرة ومبانيها محترقة من القصف، وتم تدمير حرق الجانب الفلسطيني من معبر رفح مما قضى على آمال إعادة فتحه من جديد في المستقبل القريب. وأضافت الصحيفة أن صور الدمار في مدينة رفح تذكر بمشاهد الدمار في مدينة غزة وخان يونس، حيث تركت المواجهات بين القوات الإسرائيلية ومقاتلي حماس جزرا من الأنقاض والحفر، فيما كانت يوما بنايات وشوارع. وحسب عمدة رفح أحمد الصوفي «نحن قلقون من عدم صلاحية العيش في المدينة». ونشر صحافيون إسرائيليون يوم الأربعاء تجولوا في المدينة صورا للمباني التي تحولت إلى ركام وشوارع جرفت ومسجدا مهدما. وظلت المدينة منذ بداية الحرب المعبر الرئيسي بين غزة ومصر وكانت الممر الرئيسي لكل الفلسطينيين وشريان النجاة لكل المرضى والجرحى ممن يحتاجون إلى عناية عاجلة. ويقول مسؤول إسرائيلي إن الجيش يتقدم نحو الأحياء التي لم يدخلها من قبل. وزعم الجيش أنه قتل 500 مسلح منذ تقدمه في شرق مدينة رفح. وقال مسؤول إن الجيش فوجئ من كثرة المفخخات، مشيرا أن حماس قضت أشهرا وهي تعد للمواجهة وتفخيخ البيوت. ففي بداية حزيران/يونيو قتل أربعة جنود وجرح آخرون عندما فجر الجيش بناية. وقال عقيد في الجيش «سيستغرق الأمر عدة أسابيع قبل أن نقول: لقد هزمناهم». ومن أجل إثبات مبرره لغزو رفح، جلب الجيش عددا من وسائل الإعلام منها القناة 13 ليشاهدوا فتحة نفق بين حدود غزة ومصر. ومع مواصلة الحرب الدعائية يواصل نتنياهو أكاذيبه عن عدد القتلى وليصور أن شهداء غزة معظمهم مقاتلون إن لم يكونوا كلهم. في وقت يخوض فيه حربا كلامية مع البيت الأبيض، بسبب تأجيل شحنة من القنابل الثقيلة.
حروب متعددة
ووصفت «نيويورك تايمز» (21/6/2024) رئيس الوزراء الإسرائيلي بأنه يخوض حروبا على عدة جهات، بين الجيش الذي بدأ يتملل من طول أمد الحرب في غزة وعدم إمكانية تحقيق وهم النصر الذي يلاحقه نتنياهو، إلى جانب ملاسناته مع واشنطن. وقال «نحن نقاتل على عدة جبهات». وللخروج من العزلة التي فرضتها الحرب في غزة يجد رئيس الوزراء نفسه بأنه على تناقض مع جيشه ومدفوع من حلفائه المتطرفين الذين يطالبونه بمواصلة الحرب وإعادة الاستيطان إلى غزة. ويقول المحللون إن نتنياهو يحاول موازنة عدد من المصالح، فمن ناحية يريد أن يظهر لأنصاره في الداخل أنه قادر على الدفاع عن إسرائيل، وأنه الوحيد القادر لمواجهة واشنطن. ولهذا اختار مواجهة برهانات عالية مع إدارة بايدن. وفي يوم الإثنين تجاوز بايدن معارضة الكونغرس وأقر صفقة طائرات أف-16 بقيمة 18 مليار دولار. وكان رد نتنياهو في اليوم الثاني هو فيديو يشجب إدارة بايدن لأنها أوقفت إرسال قنابل زنة الواحدة منها 2.000 رطل. وصور نفسه بأنه الضحية الذي يستطيع تحمل الهجمات الشخصية في سبيل الحصول على الأسلحة والذخيرة لإنجاز الحرب. ورغم إحباط إدارة بايدن من توجه الحرب، إلا أنه لم يظهر أي ميل لتخفيض الدعم العسكري عن إسرائيل. ويحظى نتنياهو بدعم قوي من الجمهوريين الذين قادوا الجهود لدعوته إلى الكونغرس وإلقاء خطاب أمام جلسة مشتركة نهاية الشهر المقبل. وتظل مشكلة نتنياهو مع الجيش الذي عبر عن رغبة في تخفيض وتيرة الحرب ويرفض نتنياهو المصادقة على الخطط الأمريكية لما بعد الحرب. وفي لقاء مع عائلات الأسرى يوم الخميس أكد لها أنه مستمر في القتال. ويرى إيشان ثارور في صحيفة «واشنطن بوست» (21/6/2021) أن رئيس الوزراء الإسرائيلي يخوض حربا مع كل طرف، وسط تصعيد متزايد على الحدود الشمالية مع لبنان، إلا أنه يبحث عن مواجهات مع الجميع في الداخل والخارج. وكلما وجد نفسه في حرب مع الجيش والمعارضة، مال نحو اليمين المتطرف ممثلا بإيتمار بن غفير وزير الأمن الوطني وبيتسلئيل سموتريتش ومنحهما المزيد من المزايا والسلطات، الأول في سياساته مع السجناء الفلسطينيين والتحريض على احتلال الأقصى. أما الثاني، من ناحية توليه مهام في إدارة الضفة الغربية وتوسيع الاستيطان. ومناورات نتنياهو هي جزء من محاولته النجاة والحفاظ على منصبه والابتعاد عن المحاكمات التي تلاحقه. وشعار نتنياهو حسب والدة أحد الأسرى «النجاة السياسية على حساب الناس والأسرى».
ضم الضفة الغربية
وضمن تغليب المصلحة الذاتية على المصالح العامة ما كشفت عنه صحيفة «نيويورك تايمز» (21/6/2021) عن تسجيل صوتي لسموتريتش وهو يتحدث لمستوطنين في الضفة الغربية أن الحكومة تقوم بجهود قوية لتغيير الطريقة التي تدار فيها المناطق المحتلة وتقوية سيطرة إسرائيل عليها. وسمع سموتريتش وهو يتحدث في مناسبة خاصة بداية الشهر أن الهدف هو منع أن تكون الضفة الغربية جزءا من الدولة الفلسطينية. وقال «أقول لكم، هذا أمر دراماتيكي كبير» و«سيغير نظام دي أن إي» أو الحمض النووي. ومع أن خطط إسرائيل في الضفة ليست سرا إلا أن الموقف الرسمي هو الحفاظ على الوضع القائم، فيما أصدرت المحكمة العليا قرارا بأن حكم إسرائيل للضفة هو بمثابة سيطرة عسكرية مؤقتة على الأراضي، وليس ضما مدنيا دائما يشرف عليه موظفون مدنيون إسرائيليون.
وألقى سموتريتش الخطاب في 9 حزيران/يونيو حيث وضع فيه برنامجا للسيطرة على السلطات في الضفة الغربية وأخذها من الجيش ونقلها لمدنيين تابعين له في وزارة الدفاع. وقد تم تنفيذ جزء من الخطط وبشكل تدريجي خلال الـ 18 شهرا الماضية وتم نقل بعض السلطات من الجيش إلى المدنيين. وقال «لقد شكلنا نظاما مدنيا منفصلا» ومن أجل حرف أنظار المراقبة الدولية. وسمحت الحكومة بدور للجيش حتى يظهر بمظهر أنه هو الذي يدير الضفة الغربية، مضيفا «من السهل هضم السياق القانوني الدولي» و«لن يقولوا بأننا نقوم بالضم». وأكد وزير المالية أن «نتنياهو يقف معنا بالكامل». ولو انهارت حكومة الائتلاف فإن الحكومة التي تأتي بعدها تستطيع وقف العملية، إلا أن التطورات المتعلقة بالضفة الغربية نادرا ما تغيرت بتغير الحكومات. ولن يستغرب الفلسطينيون من تصريحات سموتريتش غير كونها تعبيرا صريحا وواضحا عما يجري على أرض الواقع في الضفة الغربية. فقادة إسرائيل يحاولون ضم الضفة في كل شيء لكن بدون الإسم، ومن خلال بناء مستوطنات في مناطق استراتيجية تمنع تواصل الأراضي الفلسطينية التي ستقام عليها الدولة. وفي الوقت الذي يتزايد فيه الضغط الدولي للاعتراف بالدولة الفلسطينية إلا أن إسرائيل تعمل من أجل تأكيد السيطرة على كامل الضفة الغربية بطريقة تعقد أي محاولة لفك العلاقة معها.
وتتناقض خطوات سموتريتش الهادفة لدمج حكم الضفة بإسرائيل مع ما تدعيه الولايات المتحدة أنها تحاول وقف إطلاق النار في غزة ثم البحث عن مسار يقود إلى الدولة الفلسطينية، وتعزيز عمليات التطبيع مع الدول العربية وخاصة السعودية التي تشترط اعترافها بإسرائيل بإنشاء دولة فلسطينية. ويقول «هدفي، وأعتقد أنه هدف كل شخص هنا، هو أولا وأخيرا منع نشوء دولة إرهابية في قلب دولة إسرائيل». وقال إن أهم إنجازاته هي تحويل الكثير من مهام الجيش إلى المدنيين. وقد منح المدنيين صلاحيات واسعة بشأن إنشاء المستوطنات والجهات القانونية التي تتعامل مع المستوطنات. كما وجرد القيادة العسكرية في الضفة الغربية من القدرة على إصدار قرارات لمنع بناء المستوطنات وتأمين 270 مليون دولار من وزارة الدفاع لحماية المستوطنات في الفترة ما بين 2024- 2025. وتحدث عن اقترابه من انشاء فرق أمن تقوم بتدمير سريع للمباني في الضفة الغربية والتي أنشئت بدون تصريح إسرائيلي.
انتهت إسرائيل
وتظهر حروب نتنياهو الداخلية والخارجية وخضوعه الكامل للمتطرفين الحال الذي وصلت إليه إسرائيل، بشكل دفع توماس فريدمان المعلق في صحيفة «نيويورك تايمز» (18/6/2024) للقول إن إسرائيل التي نعرفها قد ولت. وذكر بمقال كتبه في عام 2022 بعنوان «ولت إسرائيل التي عرفناها» وتعرض لانتقادات عندما نشره، مع أن الأحداث أثبتت خطأ نقاده، فالوضع الآن أسوأ من ذلك: «فقد ولت إسرائيل التي عرفناها، وإسرائيل اليوم في خطر وجودي».
وأكد أن إسرائيل تواجه قوة عظمى إقليمية، إيران، تمكنت من وضع إسرائيل في قبضة ملزمة، باستخدام حلفائها ووكلائها: حماس، وحزب الله، والحوثيين، والميليشيات الشيعية في العراق. وفي الوقت الحالي، ليس لدى إسرائيل أي رد عسكري أو دبلوماسي. والأسوأ من ذلك أنها تواجه احتمال نشوب حرب على ثلاث جبهات ــ غزة ولبنان والضفة الغربية ــ ولكن مع تطور جديد خطير: فحزب الله في لبنان، على النقيض من حماس، مسلح بصواريخ دقيقة قادرة على تدمير مساحات واسعة من البنية التحتية الإسرائيلية، من مطاراتها إلى موانئها البحرية إلى جامعاتها إلى قواعدها العسكرية إلى محطات توليد الكهرباء. وكعادته عبر عن حرصه على إسرائيل برد المشكلة إلى نتنياهو الذي يحرص على البقاء في السلطة لتجنب احتمال إرساله إلى السجن بتهم الفساد، ولذلك باع روحه لتشكيل حكومة مع المتطرفين اليهود اليمينيين الذين يصرون على أن إسرائيل يجب أن تقاتل في غزة حتى تقتل آخر حمساوي وتحقيق النصر الكامل. وقال إن حكومة الحرب التي شكلها نتنياهو انهارت الآن بسبب افتقاره إلى خطة لإنهاء الحرب والانسحاب الآمن من غزة. ويتطلع المتطرفون في ائتلافه الحكومي إلى خطواتهم التالية للوصول إلى السلطة. وعلق قائلا إنهم تسببوا بالكثير من الضرر لحد الآن، ومع ذلك، لم يتوصل الرئيس بايدن واللوبي المؤيد لإسرائيل ايباك والعديد من أعضاء الكونغرس إلى فهم مدى راديكالية هذه الحكومة. وقرر رئيس مجلس النواب مايك جونسون مع زملائه الجمهوريين مكافأة نتنياهو بشرف التحدث أمام اجتماع مشترك للكونغرس في 24 تموز/يوليو. ووقع كبار الديمقراطيين في مجلسي الشيوخ والنواب على الدعوة، لكن الهدف غير المعلن لهذه الممارسة الجمهورية هو تقسيم الديمقراطيين وإثارة الإهانات الصاخبة من ممثليهم الأكثر تقدمية، الأمر الذي من شأنه أن ينفر الناخبين اليهود الأمريكيين والمانحين ويحولهم نحو دونالد ترامب. وشدد فريدمان بأن نتنياهو يعلم أن الأمر كله يتعلق بالسياسة الأمريكية الداخلية، ولهذا السبب فإن قبوله للدعوة للتحدث يمثل عملا من أعمال الخيانة لجو بايدن – الذي سافر إلى إسرائيل لعناقه في الأيام التي تلت 7 تشرين الأول/أكتوبر. وقال فريدمان إنه لا ينبغي لأي صديق لإسرائيل أن يشارك في حفلة السيرك هذه. مضيفا أن إسرائيل تحتاج إلى حكومة وسطية براغماتية يمكنها إخراجها من هذه الأزمة متعددة الأوجه – واغتنام عرض التطبيع مع السعودية الذي تمكن بايدن من هندسته. ولا يمكن أن يتحقق هذا إلا بإزالة نتنياهو من خلال انتخابات جديدة – كما دعا زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ، تشاك شومر في آذار/مارس. كما أوضح المقال أن هذه الحكومة كتبت هدف ضم الضفة الغربية في اتفاق الائتلاف، فليس من المستغرب أنها أمضت عامها الأول في محاولة سحق قدرة المحكمة العليا الإسرائيلية على وضع أي ضوابط على صلاحياتها. كما تنازل بيبي عن السيطرة على الشرطة والسلطات الرئيسية في وزارة الدفاع للعنصريين اليهود في ائتلافه لتمكينهم من تعميق سيطرة المستوطنين على الضفة الغربية. وشرعوا على الفور في إضافة وحدات سكنية استيطانية في قلب تلك الأرض المحتلة بأرقام قياسية لمحاولة عرقلة قيام أي دولة فلسطينية هناك. ويرى فريدمان أن سيطرة سبعة ملايين يهودي على أكثر من سبعة ملايين فلسطيني بين البحر والنهر سيكون جنونا في زمن السلم، فكيف في زمن الحرب وقد أصبحت إسرائيل وحيدة على نحو متزايد، فمن هو الحليف الذي قد يرغب في المشاركة في هذه الأجندة؟
وتابع قائلا لهذا السبب فإنه يتفق مع كل مقالة كتبها رئيس الوزراء السابق إيهود باراك في صحيفة «هآرتس» يوم الخميس الماضي: إن إسرائيل تواجه «أخطر وأشد أزمة في تاريخ البلاد» وحذر باراك من أنه إذا سمح للحكومة الحالية بالبقاء في السلطة، فإن إسرائيل لن تجد نفسها عالقة في غزة فحسب – مع استمرار حماس في القتال وعدم وجود شريك عربي لمساعدة إسرائيل على الخروج من هناك – بل وستجد نفسها على الأرجح «في وضع صعب». حرب شاملة مع حزب الله في الشمال، وانتفاضة ثالثة في الضفة الغربية، وصراعات مع الحوثيين في اليمن والميليشيات العراقية في مرتفعات الجولان، وبالطبع صراع مع إيران نفسها.
ويعلق فريدمان قائلا: «يجب على كل أمريكي أن يقلق بشأن ذلك. إنها وصفة لجر الولايات المتحدة إلى حرب في الشرق الأوسط لمساعدة إسرائيل، وهو ما سيكون بمثابة حلم روسي وصيني وإيراني يتحقق».
ويرى أنه لا ينبغي لوزير الخارجية أنتوني بلينكن، الذي قام بثماني رحلات إلى إسرائيل منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر، أن يقوم برحلة أخرى من دون موافقة إسرائيل وحماس على خطة واضحة لإنهاء الحرب. فلو فعل هذا فإنه يهين سلطته وسلطة الولايات المتحدة «هذا هو وقت توجيه تحذير نهائي. ويتعين على بايدن أن يخبر إسرائيل بأنها ينبغي لها أن تقبل مطلب حماس الرئيسي: إنهاء الحرب تماما الآن والانسحاب من غزة مقابل عودة جميع الأسرى الإسرائيليين».