عندما قال حمدي قنديل اخص علي التقاليد العربية!
سليم عزوزعندما قال حمدي قنديل اخص علي التقاليد العربية!متعة ان تشاهد برنامج حمدي قنديل (قلم رصاص) علي قناة دبي، وهو الخالق الناطق برنامجه (رئيس التحرير)، الذي كان يبثه له تلفزيون الريادة الإعلامية، قبل ان يتم وقفه بقرار، لابد وان يكون قد صدر من اعلي سلطة في البلاد، مع أننا نعيش في أزهي عصور الديمقراطية ـ كما يقول سدنة المعبد في مصر ـ وقد تزامن قرار المنع مع بداية العزف علي اسطوانة الفكر الجديد، والحديث المسهب عن عظمة الإصلاحات عندما تنبع من الداخل، وبدون ضغط من كوندوليزا رايس.حمدي قنديل كان يقدم برنامجه في الـ (ايه ار تي)، قبل ان يتفتق ذهن وزير الإعلام الأسبق صفوت الشريف، عن فكرة الاستعانة به في تلفزيونه سالف الذكر، وذلك بعد ان استشعر الرجل الحرج من جراء الضجة التي أحدثتها قطر بقناة (الجزيرة). وكان الهدف ان نقول ان الحرية في مصر سقفها السماء، ولم لا ونحن نعيش في كنف نظام لم يغلق صحيفة، ولم يسجن صحافيا، ولم يصادر رأيا؟وأصبح برنامج (رئيس التحرير) لحمدي قنديل حديث الناس في كل مكان، مع انه كان يعيد قراءة الصحف، بطريقته، التي هي السهل الممتنع، حيث تظن ان بإمكانك ان تقلده، وعندما تفعل تشعر ان ذلك صعب للغاية، لسبب بسيط وهو انك لست حمدي قنديل.ولان الماء يكذب الغطاس ـ أي مدعي إجادة الغطس ـ فقد نفد صبر أهل الحكم تجاه هذا البرنامج الجريء، الذي يعرض هموم المواطن المصري بشجاعة، والذي زاد وغطي ان حمدي قنديل يهاجم الإدارة الأمريكية. وفي الوقت ذاته أيقنوا ان الريادة الإعلامية لن تعود إليهم ثانية ولو بالطبل البلدي، لأنها تحتاج الي إرادة سياسية، لا يتمتع بها الا شباب واع يدرك لغة العصر الذي نعيش فيه، ونحن بحمد الله ـ الذي لا يحمد علي مكروه سواه ـ نعيش في ظلال سلطة شاخت في مواقعها.. والمصطلح للأستاذ محمد حسنين هيكل، الذي سبق وان كتبت ان حديثه التلفزيوني الأسبوعي عبر قناة الجزيرة أصابنا بالملل، لانه منغمس لشوشته في التاريخ، مع ان الحاضر أولي، لكن بعد الذي جري له مؤخرا اجدني اسحب مطلبي هذا، فأولو الأمر منا لم يحتملوا ما جاء في لقائه مع روبرت فيسك من تعريض بهم، فأغروا به صبيانهم، فقالوا فيه ما قال مالك في الخمر.. فماذا لو كان برنامجه الأسبوعي مهتما بما يجري لنا ولو في الربع قرن الأخير؟لقد استيقظنا من النوم ذات صباح علي خبر وقف برنامج حمدي قنديل.. فقلت: لقد تأخر القرار كثيرا، فالحداية لا تلقي كتاكيت، والذين سجنوا مجدي أحمد حسين وصلاح بديوي بتهمة الكتابة، لن يتحملوا كلام قنديل الذي هو كدوي الرصاص، والذين جمدوا حزب العمل، وأغلقوا جريدة الشعب، لن يطيقوا صبرا ـ ولو حاولوا ـ علي برنامج (رئيس التحرير).وانبعث أشقاها وقال بدون خجل او وجل: أنا أوقفت برنامج حمدي قنديل، ولم يكن القائل سوي أحد الموظفين بالتلفزيون، كان قد تم رفعه الي وظيفة كبري، فلم يصدق نفسه، وظن ان قبوله بحمل تهمة كهذه، سيجعل من رفعوه يبقون عليه. فأطاحوا به ذات يوم، وقبل ان يصدق انه اصبح موظفا كبيرا في مبني التلفزيون المصري (ماسبيرو).لدينا صنف من المعارضة ظريف في مصر، تنحصر معارضتهم في تبرئة الكبار، ولصق التهم بالصغار، فالرئيس يقر قانون حبس الصحافيين ويدافع عنه، وهذه المعارضة تقول ان الجناح المعادي للحريات في السلطة فعل فعلته من وراء ظهر الرئيس، وتطالب سيادته بالتدخل لحماية أبنائه الصحافيين الذين يحن عليهم كما يحن علي ابنه جمال. ويتم التضييق علي الحق في تأسيس الأحزاب، ورفض الترخيص لاثني عشر حزبا في نفس واحد، فتعلق هذه المعارضة التهمة في رقبة آخرين وتحتكم للرئيس. ويعد الرئيس بالاستجابة لمطالب القضاة بعدم سن تشريع يرفع سن الإحالة للتقاعد بالنسبة للقضاة، ثم فجأة وفي يوم واحد يدخل قانون المد الي مجلس الشعب، ويخرج منه الي مجلس الشوري، فيقال ان وزير العدل هو المسؤول، والرئيس لا يرضي بذلك.وعندما كان صفوت الشريف وزيرا للإعلام وهو رجل صاحب نفوذ طاغ، كان هناك من يستعرض ظلما هنا او هناك في ماسبيرو، ثم يحتكم للوزير. ومن افكه ما قيل في موضوع وقف برنامج حمدي قنديل ان قرار الوقف اتخذه هذا الموظف المعترف، وان السيد الوزير لن يرضيه ذلك.. نكتة، مع الوضع في الحسبان ان هناك نكاتا ثقيلة الدم، فالجنين في بطن أمه يعلم ان وقف برنامج بحجم (رئيس التحرير) هو قرار اعلي من قامة هذا الموظف كائنا من كان. المهم، فعلي الرغم من لفت انتباه الوزير الي ما فعله أحد العاملين في بلاطه دون علمه، الا انه عندما علم لم يحرك ساكنا (دعنا نسوق الهبل علي الشيطنة مثلهم)، وذهب قنديل ببرنامجه الي قناة (دريم) الخاصة، وهناك طاردوه الي ان استقر به المطاف في قناة (دبي)، وهي القناة التي كان مقدرا لها ان تكون لها (شنة ورنة) لكن من الواضح ان أصحابها زهدوا في ذلك، علي الرغم من ان بها مجموعة من المذيعين علي درجة عالية من المهنية. وقد تزامل مع برنامج صاحبنا علي ذات القناة برنامج اخر هو الخاص بزميلنا داود الشريان، الذي خسرته (دبي) ولم تكسبه (العربية)، حيث ذهب للقناة الأخيرة نائبا لمديرها العام، واحتفيت بذهابه في هذا المكان الطيب المبارك، الذي يستمد هذه المكانة الرفيعة من انني أشرفه كل أسبوع بما تجود به قريحتي علي الأمة!داود الشريان من افضل الذين كتبوا الزاوية اليومية بالصحف، لكن من الواضح انه محسود، وعندما ذهب لقناة (العربية) قلت انه سينقذها من كبوتها، بعد ان (تدحدر) بها الحال الي منافسة قناة النيل للأخبار في مصر، وهي التي كان مقدرا لها ان تنافس قناة (الجزيرة) في قطر، فنافس موقعها علي الإنترنت موقع الجزيرة نت، أما الشاشة فلا يقدر علي القدرة الا القادر. لكن من الواضح ان داود دخل (العربية) وهتف مع عبد الحليم حافظ: اني اغرق، فكان الرد: اغرق!لو لم يكن لاصحاب قناة دبي الا استضافة برنامج حمدي قنديل لكفاهم، علي الرغم من ان موعد بث البرنامج لا يضع في الحسبان المشاهد في مصر، حيث يبث في يوم الجمعة الساعة الثامنة والنصف مساء بتوقيت القاهرة، وهو موعد ميت، ومن الواضح انه لا يعاد بثه في موعد اخر.. لكن لا بأس، فيشفع لهم انهم رفعوا الحرج عن حمدي قنديل، وما اظنه كان سيوافق علي بث برنامجه من (الجزيرة) بعد مطاردته في مصر، حتي لا يقال انه يتعامل مع أعداء الوطن، وربما يشيع القوم في البرية انهم لم يمنعوا قنديل، ولكنه فضل عليهم أموال قطر، اما في دولة الإمارات المتحدة فان العملية في بيتها، ودبي لا تنافسنا علي الريادة، علي الرغم من ان عندهم مدينة إعلامية، مثل التي عندنا، كان يمكن ان تسحب البساط من تحت أقدامنا بسبب الروتين الحكومي، والتحكمات التي لا معني لها في سياسة القنوات التي تبث من الأراضي المصرية، لولا ان (المعيشة) في الإمارات هي نار الله الموقدة!احتفالية موريتانيا لا يزال حمدي قنديل متوهجا، يمتع مشاهديه وينكد عليهم في الوقت ذاته بما يعرضه، وهو يسحبك معه الي نهاية البرنامج، ولا يجعلك تشعر بما يدور حولك، لولا الفواصل الإعلانية، التي تؤكد من تزاحمها نجاح البرنامج، وهو أمر لا يحتاج الي تأكيد، علي الرغم من الموعد الميت المختار له. ومؤخرا اختلفت مع الرجل وهو يعرض مشهدا من حفل تنصيب الحاكم المنتخب في موريتانيا، فقد غضب لعدم تشريف أي حاكم عربي الاحتفال، واندهشت لغضبه، واندهشت اكثر وهو يعلق (اخص علي التقاليد العربية).. قالها مرتين، وربما ثلاثا!فحضور القادة العرب مراسم الاحتفال الموريتاني هو المستهجن، اما غيابهم فهو الامر الطبيعي، فهم عندما غابوا قد التزموا بالتقاليد العربية التي تحض علي الحياء، وتراه خصلة من الخصال الحميدة، حتي انه ورد في تعريف الإثم انه ما حاك في صدرك وكرهت ان يطلع عليه الناس، وعزوف الزعماء العرب عن الحضور يؤكد انهم علي الرغم من البلاوي التي يرتكبونها صباح مساء الا ان وجوههم ليست مكشوفة، اذ كيف نطلب منهم وهم من المعمرين علي كراسي الحكم، ان يشاهدوا نموذجا رائعا، لم يعرفوه ولم يألفوه؟ كيف يكون مطلوبا منهم ان يشاهدوا حاكما عسكريا لا يتأبد في موقعه، وانما يجري انتخابات برلمانية ورئاسية قبل موعدها، ويخرج من القصر الرئاسي في سيارته الخاصة الي منزله الخاص، ويجلس مكانه حاكم جاء الي القصر عبر انتخابات نزيهة، وهم الذين لم يكفهم انهم في أماكنهم مادام فيهم نفس يخرج وقلب ينبض، وانما يريدون ان يورثوا الأنجال من بعدهم!ان حمدي قنديل لم يكن محقا عندما لام الحكام العرب لانهم لم يحضروا حفل تنصيب الرئيس الموريتاني، ولو حضروا لنكدوا علينا بحضورهم، ولأصابونا بالنكد الازلي، لاننا سنكون في مواجهة بجاحة منقطعة النظير.مذيع أسود برنامج (العاشرة مساء) علي قناة (دريم) ناقش ادعاء حجاج ادول بوجود اضطهاد للنوبة، بعد مؤتمر عقده حول هذه القضية، تردد انه ممول من جهات خارجية. ووجهاء النوبة أنفسهم لهم وجهة نظر سلبية في ادول، وعلي الرغم من هذا فأنا مع حقه في ان يطرح وجهة نظره، وان يعرض ما يراه اضطهادا وقع عليهم، فمن قبل اشتكي فريق من المسيحيين من الاضطهاد الواقع عليهم من قبل السلطة، ولما سمعنا شكواهم اكتشفنا ان التعسف الحكومي الذي يشكون منه في بناء الكنائس، يحدث مثله وان كان بصورة اقل مع بناء المساجد، فالقوم لا يريدون مساجد ولا كنائس، ولا أحزاب ولا شعب.وبمرور الوقت تبين ان شكاوي الاخوة الأقباط هي من باب ادعاء المسكنة ليس إلا، بدليل انهم مع السلطة في الحلوة والمرة، وأصواتهم في الانتخابات وبأوامر كنسية مع الحزب الحاكم، كما كانت أصواتهم مع الرئيس مبارك في الانتخابات الرئاسية. وفي الاستفتاء الأخير الذي قوض ملامح الدولة المدنية، خرجوا وقالوا نعم كما قال لهم البابا شنودة!وبالتالي فليس لهم حق الشكوي من الاضطهاد فلست أنا الذي امنعهم من بناء الكنائس وترميمها، ولست انا الذي اشترط عليهم لترميم دورة مياه في الكنيسة ان يحصلوا علي موافقة رئيس الجمهورية!أدول قال ان النوبيين مضطهدون وقال ان من مظاهر هذا الاضطهاد انه لا يوجد مذيع او مذيعة في التلفزيون المصري بشرته او بشرتها سوداء. وما قاله المذكور يدخل تحت اسم البرنامج التلفزيوني الباهت (كلام والسلام)، فاختيار المذيعين والمذيعات الأحياء منهم والأموات في التلفزيون المذكور يرجع الي قواعد عتيقة عفا عليها الزمن.. انظر الي الشكل الصنمي الذي يظهر به المذيع او المذيعة في التلفزيون المذكور، فلا حركة ولا نفس ولا حتي تكشيرة جميلة مثل تكشيرة جمال ريان فنحن أمام صنم له عينان، وفم يتحرك، والأمر لا شأن له باضطهاد بشرة النوبة، ولكن مرده الي القواعد المتخلفة، والتي تسببت في هروب مذيعين أكفاء للفضائيات الأخري، علي الرغم من انهم ليسوا من النوبة!كاتب وصحافي من مصر[email protected]