عزل أنور خوجا ألبانيا عن العالم، وأوصد أبوابها أربعة عقود، وأعادها إسماعيل كاداري إلى النور. حول رئيس ألبانيا السابق بيته، في غيروكاستر ـ مسقط رأس كاداري ـ إلى متحف، لا يتردد عليه سوى مؤرخين أو فضوليين، بينما فتح كاداري بيته، قبل أيام، في العاصمة تيرانا، وجعل منه متحفاً كي نتأمل تجربة أدبية في مصارعة الديكتاتور وبقاياه، رغم مرور أكثر من ثلاثين سنة على رحيله. لقد صرح صاحب «جنرال الجيش الميت»، من أسابيع قليلة، بأن الأدب أحاله إلى الحرية، أما نحن كقراء، فتعلمنا رواياته أن الحرية لا تُكتب في صيغة المُفرد، بل تصاغ في الجمع فقط، لا حرية بدون أن يتحرر الآخر الذي يُقابلنا.
لم يعش إسماعيل كاداري (1936) في جلد كاتب وكفى، بل كان ناطقاً باسم الأغلبية الصامتة في بلده، كان روائياً وصحافياً وأنثروبولوجيا ولا يزال لم يتوقف عند كتابة روايات فقط، بل نصوصا تُقارع السلطة المطلقة. بين خوجا وكاداري، مدينة واحدة، و28 عاماً فارق سن، الاثنان أحبا الشعر، الأول منعه عن شعبه، حين صار قائداً، مثلما منع عنه اعتناق الأديان، والثاني بدأ منه في تأسيس حياته الأدبية. سبق لهما أن التقيا، لكن كاداري سرعان ما أعلن القطيعة واصطف في مواجهته، شرع يكتب في هدم الحكم الذي سيطر على بلده، حظي بشعبية، لكن أعين الأمن لم تتغافل عنه، إلى أن هاجر إلى باريس (1990)، وهناك صرح بكلمات تذكرنا بما قاله يومًا ألبير كامو: «لو خيرت بين الحرية والشهرة، لاخترت الحرية».
في كل واحدة من رواياته، يتشابك تاريخ فردي مع تاريخ البلد، تلك الحكايات الصغيرة التي يبثها كاداري في رواياته تُشبه جداول، تصب كلها في الختام، في التاريخ الجماعي لشعبه. إنه يحول أحاجي ومرويات ألبانية إلى ما يُشبه الميثولوجيا، كل ذلك بدون أن يتخلى عن شعريته. لقد توقف عن إصدار شعر منذ حمل صفة روائي، لكنه لم يمتنع عن تسريبه في نصوصه السردية. غاب عن ألبانيا سنوات، بدون أن يمتنع عن الكتابة عنها، وفي كل مرة ينفي صلة حكاياته بحياته الشخصية: «الأدب والحياة أمران مختلفان. عالمان متوازيان يتصارعان. أرفض أن يُقال إن الأدب يستمد مادته من الحياة. الأدب لا يمكنه أن يعوض الحياة، بينما الحياة يمكنها أن تقتل الأدب». يُدافع عن فكرته كي ينفي عن نفسه تدوين سير ذاتية في رواياته.
بينما الحراك السلمي في الجزائر يتعاظم، والنظام القديم يتحلل، لأسباب باثولوجية وأخرى سياسية، وبينما الثورة المضادة تتحرك في كل الاتجاهات مثل ذبابة عمياء، مع ما يُخالطها من نزعة عنصرية وإقصائية في شيطنة أفراد والإساءة إلى آخرين، وفي وقت يقفز فيه الصراع من الشارع إلى مُحاكمة نوايا البعض، سيكون من المهم أن نعود إلى كاداري، لاسيما إلى روايته «قصر الأحلام». إنها نسخة ألبانية من «1984» لجورج أورويل، لكنها أيضاً رواية تتطابق مع الحالة الجزائرية الآن. في هذه الرواية، تفكر السلطة في ما لم يسبقها إليه أحد: مُراقبة وتفسير ومُحاسبة أحلام المواطنين. يبدو الأمر، من الوهلة الأولى، مستبعداً وغير قابل للتصديق، لكن كاداري وجد التوليفة السردية، كي يكتب عن اللامعقول، في الأنظمة الأحادية. يقود القارئ إلى مبنى شاهق، يعج بالموظفين، ونتعرف على شخصية مارك عليم. رجل شرقي متيم بنظرية المؤامرة الغربية.
من يفسر أحلام الناس ويقمعها يمتلك السلطة، ولا بد أن مارك عليم سيسهل عليه أن يصير جزائرياً، لا نتخيله سوى عسكري في زي مدني، يرافق حشداً من المراقبين، كما في القصر الذي عمل فيه.
كل يوم يستقبل بريد الناس، وما يروونه عن أحلامهم، اعتقاداً منهم أنهم يسهمون في حماية بلدهم، ويتنبؤون بمستقبله وينالون عن ذلك جزاءً، يصفف الرسائل بحسب أهمية الحلم، ثم يُحيلها إلى مكتب مسؤوله، ملتزماً بالأحلام التي قد تتضمن تأويلات سياسية، أو أخرى من شأنها أن تثير بلبلة في المجتمع. ويقوم المسؤول بتحليلها وتفسيرها، من أجل أن يكبح أي نبوءة سوء، أو يستبق أي حدث أو محاولة كسر عصا الطاعة أو الانشقاق عن الحاكم الأعلى للبلد. في هذه الرواية، التي صُبغت بكافكاوية، يروي المؤلف قصة تدور ـ الآن ـ في الجزائر، لعله حين كتبها كان يُحاكي نظام بلده الستاليني، ولم يدر أنه سيأتي يوم يُحاكم فيه جزائريون لمجرد أحلام لهم، يُتهمون بشتى النعوت لمجرد أنهم اختاروا صفاً ضد الآخر في حراكهم السلمي، لم يكن كاداري يعلم أن هناك بشرا ـ في الجزائر ـ يُحاكمون آخرين لمجرد أنهم حلموا بدولة مدنية، لمجرد أن أحلامهم في العدالة باتت على ألسنتهم، ومن حماستهم جاهروا بها، قبل أن تنصب أمامهم لجنة تفسير الأحلام وتأويلها، مثلما جاء في رواية «قصر الأحلام»، التي تروي ضمنياً طبقات السلطة المطلقة، التي لا يهمها تسيير الحياة العامة، بل يهمها أن تقبض على أرواح المواطنين بين يديها. ومن خلال تلك الرغبة في تفسير أحلام وإعادة تفسيرها، وصعوبة الأمر أحياناً، تتفجر شائعات، ويغرق البلد في الفرضيات بدل اليقين.
الرواية مُنعت بعد عام من صدورها (في 1982)، رغم أن مؤلفها حاول إقناع القارئ أن أحداثها تدور في حقبة عثمانية، بينما التوصيفات السياسية والاجتماعية تتطابق مع العاصمة تيرانا آنذاك، فالحزب الشيوعي فهم الاستعارات التي لجأ إليها المؤلف، وفي الجزائر أيضاً الجماعة الحاكمة تلجم لسان من يفكر بصوت عالٍ، وينتقدها بالإشارات، فلا يخفى على أحد أن المواطنين يُحاسبون على أحلامهم وآمالهم وأوهامهم، والحاكم الفعلي، منذ بدء الحراك السلمي، يعلم ما في صدورهم ويُراقب نواياهم.
قصر الأحلام في رواية إسماعيل كاداري، هو نفسه قصر الثورة المضادة، منذ 22 فبراير/شباط الماضي في الجزائر، عمارة ترتفع فيها مكاتب، في هرمية بيروقراطية، ولا شغل لها، طوال اليوم، سوى غربلة ما يفكر فيه المتظاهرون كل جمعة، لا يهم العاملين فيها ما يرفعونه من شعارات، بل يعنيهم ما يفكرون فيه وما يهمسون به في السر.
من يفسر أحلام الناس ويقمعها يمتلك السلطة، ولا بد أن مارك عليم سيسهل عليه أن يصير جزائرياً، لا نتخيله سوى عسكري في زي مدني، يرافق حشداً من المراقبين، كما في القصر الذي عمل فيه، يغربل مواقع التواصل الاجتماعي، كل يوم، ويجمع أحلام الناس على حيطانهم، يلتقط رؤاهم التي يتبادلونها في ما بينهم على الخاص، يغض الطرف عن الرومانسيين والخائفين والمنتظرين، ويكتب تقارير إلى أعلى الهرم عن أصحاب الأحلام الصلبة بالتغيير، كي ينالوا نصيباً من التشويه والإساءة، بحجة أن أحلامهم لا تتماشى مع حلم القائد الأعلى.
٭ كاتب من الجزائر