عندما لا يقرر السياسيون

حجم الخط
0

ينبغي للمرء أن يكون أعمى كي لا يلاحظ المسيرة التي اجتازتها المحكمة العليا في العقدين الاخيرين. من سلطة قضائية إلى سلطة كادحة. اختراع جديد برعاية الديمقراطية الاسرائيلية. السياسيون يركلون الكرات، والمحكمة في دور حارس المرمى يصدها بكلتا يديه ولا يهم ما هي شدة الركلة ـ من مشاريع القوانين، إلى صفقة الغاز وحتى القرارات التنفيذية المتعلقة بعمل الجنود في الميدان. تكون احيانا محقة في نظري، واحيانا ـ مثلما في منع هدم المنازل أو «نظام الجار» ـ مخطئة. ولكن حتى هنا هذا وصف للواقع كما هو.
السؤال الذي يجب أن يطرحه من تعز عليه الديمقراطية هو هل هكذا يكون من الصواب العمل في الديمقراطية السليمة. ففي الماضي كان السياسيون ينتخبون كي يقرروا، إما ينجحون أو لا. أما اليوم فقد أخذت المحكمة العليا على عاتقها مجال الخطأ. ولا يوجد مثل هذا المجال لانه يتوقف في محكمة العدل العليا.
يوجد قضاة في القدس، مثلما قال بيغن، ولكن هذا لا يعني أنه لا يمكن الجدال في الفاعلية القضائية. فليس ثمة حقيقة مطلقة. المتدين الذي يريد أن يفهم هذا فليذهب ليتعلم في دائرة الدين في الجامعة. أما الملحد التام فنوصيه بان يتعلم التاريخ. ونوصي طلاب القانون بمحاولة حل لغز العلاقات بين المكاتب المختلفة للمحامين والمؤتمرات السنوية في ايلات.
ان محاولة عرض معارضي الفاعلية القضائية على اعتبار أنهم يحاولون اضعاف الديمقراطية هي محاولة سخيفة. فالمبالغة هي خبز الضعفاء (ولا يهم أي اوصاف يستخدمون)، فهذا لا يجعلها صحيحة. ما العمل، آييلت شكيد محقة: المحكمة العليا توجد اليوم في كل مجال.
خلافا لاقوال على نمط موطي يوغاف وجرافة دي ـ 9، فان شكيد تتحدث ديمقراطية، تجادل ديمقراطية وتطرح حججا منطقية. من يعتقد انها مخطئة، فليشرح كيف يمكن خلق ديمقراطية لا يكون فيها أي قرار حكومي إلا إذا اجتاز المحكمة. متى يكون قرار القيادة السياسية مستقرا ومتى يكون متهاويا. متى تتدخل المحكمة ومتى لا تتدخل. ما هي القواعد؟ لن تجدوا أجوبة لانها غير موجودة.
بشكل عابث، فان المذنبين المركزيين في هذا الواقع من الغموض هم السياسيون الذين يشتكون من الفاعلية القضائية. فتحت الطاولة هم الذين تعاونوا مع سيطرة المحكمة العليا على مجالات السياسة التي ليست لها، وفجأة تفاجأوا في أن يكتشفوا بأن في صفقة الغاز بالذات ـ عندما يتخذون القرارات ـ يثور المخلوق على خالقه.
طريقة سياسة السوق. بداية تكون هذه قوانين لغرض العناوين في الصحف. سياسيون صغار من الائتلاف يخترعون قوانين ليس هناك أي نية في تطبيقها، فيخلقون جدالا إعلاميا. وعندما يكون الضجيج كبيرا جدا فإنهم يرفعونه بالخطأ إلى فوق. واذا كان الحديث يدور بالصدفة في مواضيع اليمين ـ اليسار، فمن شأن الضجيج أن يورط رئيس الوزراء ايضا. فحين يكون يسار في الحكومة تكون القصة بسيطة. يترك لهم العمل الاسود. هكذا كانت تسيبي لفني هي كابح نتنياهو في الحكومة السابقة. وقد استمتعت هذه، وهذا لا ينقص. اما عندما لا يكون يسار، فالمنطق السياسي يقول بان من الافضل عدم الاستبعاد (كي لا يثار غضب الناخبين) وانتظار المحكمة العليا كي تنقذ الموقف.
ولو كان هذا ينتهي هكذا، لقلنا حسنا. غير أن المشكلة الاكبر توجد «في مناطق قدرة الحكم»، هكذا دعتها آييلت شكيد وليس مؤكدا أنها كانت ترغب في ان تلمس الموضوع. لخمسين سنة لم ترغب اسرائيل في ان تقرر في مصير المناطق. المناطق التي ضمن الاجماع، مثل غوش عصيون، تبقى مناطق صمت. وتقرير أدموند ليفي بقي في المداولات منذ أن كتب ـ وعلى ما يبدو لم يتمكنوا من البحث فيه.
في القدس خمسة احياء توجد خارج الجدار منذ عقد، في كل مرة يحتاج فيها الناس هناك إلى الخدمات يتوجهون إلى محكمة العدل العليا. اسرائيل لا تبتلع ولا تلفظ. احد لا يريد أن يقرر في البناء غير القانوني للبدو في النقب رغم «صيغة برافر». شباب المدارس الدينية الاصوليون يتواجدون في ترتيب غريب وعديم المنطق بالنسبة للتجنيد منذ عهد بن غوريون، وليس للحكومة القوة لتقول شيئا. في علاقات الدين والدولة، يتصرف الائتلاف وكأن محكمة العدل العليا هي الملاك المخلص. واذا ما تصرفوا حسب مطالب الاصوليين، فسيطلقون يهود الولايات المتحدة في الغالب، اما إذا قرروا خلاف ذلك ـ فسيخاطرون في الحياة السياسية. وهكذا فان محكمة العدل العليا، كما يقول ميثاق استر، تشكل النجدة من مكان آخر.
شكيد لا تهدم ولا تطعن المحكمة من الظهر، كما تقول تسيبي لفني في تحذيرها الهستيري. فهي تعرض واقعا اشكاليا ـ كل كلمة حقيقية ـ غير أنها هي أيضا مسؤولة، كوزيرة في الحكومة، عن نصيبها فيها.

يديعوت 5/4/2016

يوعز هندل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية