عندما لم تقع الحرب

حجم الخط
0

رائد وحش(1) قال الرّجل القاعدُ في الحانة للكرسيِّ الفارغ: ‘عندما تقع الحربُ سيُحبُّ النّاسُ النّاسَ إذ يرجعون شعباً: المعلّمون يضيؤون السُّبوراتِ بالشُّموع.. العشَّاق يحسبون الثَّواني وأجزاءها للعبور إلى بعضهم.. الأمّهات يتقاسمن مؤن البيوت’..قال الرّجل القاعدُ في الحانة للكرسيِّ الفارغ: ‘سيحبُّ النّاسُ النّاسَ والمكانَ، ويكون النّاسُ ناساً، والمكان مكاناً.. فقط عندما تقع الحرب’..قال الكرسيّ الفارغُ: ‘أين تقع الحرب لأجلبَهَا مخفورةً؟؟’.(2)عندما تقع الحرب سوف أنادي الغراب..: يا غرابُ توقّف قليلاً..تعال لبضع دقائق نضحك على العالمِفليس سوى ضحكٍ ذلك الذي يظنه البشر نعيقاً.. : يا غرابُأطلقْ نداءً يجمع أفراد عشيرتكَ على سطوح منازلناحتى تنعقنا طوال الوقت نعيقاً يسخر من الوقتِ..: انعقنا نعيقاً أخيراً..اسخرنا فمن السخرية سوف تخلق الطبيعةُ الطبيعةَ، بعد اندلاع النار من القصف المتواصل على مدار الساعةسنتحوّل بقدرة ما إلى عقاربَ لا تبالي بالقنابل النوويةوعند النهاية سيكون عليناأن نعيد سيرة العالم رويداً رويداًحتى نصل إلى الإنسان..ثم نتابع مسيرة التّطوّر حتى نصل إلى عالمٍ ثالثٍ سعيدٍكعالم الغربان،يا غرابُ..(3)نصطبحُ على الثُّغاءِ وخبطاتِ الأظلافِ المُنْضَمَّةِ متوافقةً وعزفِ الفرقة النّحاسيّة، وحين نستطلعُ ما يجري يجمّدنا الخوفُ: الماعزُ احتلَّ المدينةْ!!بعدَ هدوءٍ أقلَّ من قليلٍيهبُّ الجنونُفنصير في زريبةٍ..تسقط الدّولة مطعونةً بالثّغاء..يقتادوننا واحداً واحداً.. لينينُ يجرّه تيسَانِ.. النّادبة تسحلُ، بينما عيونُنا، نحنُ أهل الحارة، تدمعُ وراء ثقوب الأبواب..وقبل البدء بإخلاء المنازل نهرب. نجد الشّوارع مرصوفةً زبلاً وبرسيماً وعلفاً.أقفز فوقَ فإذا الصّحونُ اللاّقطة قرونٌ. أقفز تحت وإذا مانيكاناتُ المحلاّت معزاواتٍ بالثّياب الدّاخليّة.. أسيرُ بين ما شُيّدَ على عجلٍ من تلالٍ، وبين ما رُفعَ من تماثيل، في السّاحات، لرموز المَاعَزْ..أفكّرُ: لعل الزرائب ملاذٌ!!فإذا بها مخيّماتُ للقطعان المهاجرةْ..عندما لم أجد السبيل سلّمتُ نفسي، وأمامَ عيني التّيسِ الملكِ، وسيّافهِ المحتّارِ بين البلطة والسّكين، سال دمي قبل الذّبح..من موتي رأيتُ جمهوريّةَ الماعز تنتزع الاستقلال..(4)كعادته يتأبّط دفتره وقنيّنة الخمرِ، ويعلنُ للسّابلة: ذاهبٌ لسقاية الزّيتون..في البستان، ما بين رشفته ورشفة الشّجرة، يدسُّ رسالةً طيَّ التّرابْ..منذ عاد يجرّ ظلال كتيبةٍ مبادةٍ جعلَ الزّيتوناتِ رفاقَهُ الموتى..منذ عاد؛الأرض صندوق بريدِهِيدسّ مكاتيبَهُ تحت جذورهاوفي اليوم التّالييفضُّ التّراب ويكتب الرّدود..عندما شبَّ الحريق في البستانقرأنا رسالته الأخيرة في بريد الرّماد..في الحربِ يتوّقف كذب الأخبار!!في الحربِ نعرف كيف سيُكتب التّاريخ!!في الحربِ نعرّيهم، هؤلاء الذّين لن يستشهدوا إلا في سبيل جعلنا شهداء!!في الحربِ نعذر الموتَ والموتى!!في الحربِ نكونُ ونحدثُ!!بعدَهَا لم يعدْ غريباً؛ زيتونةٌ سائرةٌ، جهة البستان، تتأبّط الدّفاتر والخمر..بعدها لم يعد غريباً زيادة الزيتونات واحدةً..وما بعد بعدها، علمُهُ عند الزّيتون،فيا ويلكم.. يا ويلكم من قيامة الزيتون..!(5)ها هو ذا يملأ جدران قبره:راجلاً عند بوّابة القدس، أتذكّر الناصريّ وأضحكُ، لا بدّ من حمارٍ ليستقبلني البلديّون بأغصان الزّيتون!!ها هو ذا يطرّز حواشي كفنِه:أودّع إسطنبول فور دخولها، ما من طمأنيّنةٍ لابن أربعة قرون من الاحتلال. جمالٌ قاسٍ في مرايا حصّتي من حوض الأبيض المتوسّط. ماذا فعلتُ لها؟ سرقتني من حياتي وأركبتني قطار ‘السّفربرلك’!!ها هو ذا يدّق الخطوات، جيئةً وذهاباً، كعقرب ساعةٍ يعدُّ أوقاتاً لا تعدّ في زنزانة الأبديّة.خطواتٌ تتصادى في الفراغ فتزيده فراغاً، مثل نقاط الماء تسقط لتمدّ من أجْل السّجن!!ها هو ذا يفكّر بينما اليدانِ تحفنانِ ماءً:كنتُ فلاحاً في هافانا، أزرع قصب السّكّر وأتحدث عن كاسترو بحماسة كوبيّةٍ..لا شأن لي بنيويورك.. لن أدخلها، هوت شخصيّتها مع البرجين، وبانت أنيابها تحت دخان حروب الإرهاب..أنا فلاحٌ، والفلاح لا يجرؤ إلا دخول بيت خلاسيّةٍ علمته التانغو مقابل تعليمها الدّبكة..ها هو ذا الدّلوّ يمتلئ بآخر حفنةٍ فيدلقه على رأسه ليصحو.. وكأن الموت مجرّد غيبوبةٍ!!هو ذا، الآن، يكتب على حوافي الجريدةِفي زاوية المقهى:’الشعب يريد…’وحين يبدّلها ساخراً:’شكراً.. الشعب يريد الرّصاص’يسقط النّظام!!هو ذا، الآن،بيتاً.. بيتاً..حارةً.. حارةً..يصنع الثّورة من جثمان الجريدةكلعبة كلماتٍ متقاطعةٍ.(44)لا أقوى على فعلٍ لكنّي أرىإذاً سأقول ويكون حسبي ما رأيتُ بأنه ما فعلتُ..رأيتُ أني لم أعد أرىلا ناساً ولا حياةًبل موتاً يشلّ العين إينما وقعتويقعدها بلا كرسيّ مدولب..رأيت أني لم أعد أني ولا سواي..فقئتْ عيناي كي لا أرى ولا أقولُلذا سأقولُ ما لا أرىلأرى وأقولُ..مقاطع من قصيدة طويلة بنفس العنوان، تصدر قريباً عن دار ‘كاف’ في عمّان.شاعر فلسطيني، دمشق[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية