أليك بولدوين
لم يكن الممثل الشهير أليك بولدوين (63 عاما) يتوقع أن يكون الشخصية الرئيسية في دراما حقيقية، جعلته الشغل الشاغل للصحافة العالمية، فأثناء تصويره لفيلم عن رعاة البقر في ولاية نيومكسيكو الأمريكية حول حادثة إطلاق نار أدت خطا إلى مقتل أحدهم، وتبعات ذلك، أعطى مساعد المخرج المسدس للممثل بعد إبلاغه بأنه آمن ومحشو بطلقات فارغة بشهادة مسؤولة الأسلحة. وكان المشهد يشمل تصوير الممثل وهو يصوب المسدس باتجاه الكاميرا ويطلق النار. وهذا ما فعله أليك بولدوين، لكن المشهد كان أكثر واقعية مما تخيله الجميع، حيث أصيب المخرج ومديرة التصوير بعيار ناري وسط ذهول الحضور. وأدى ذلك إلى مقتل مديرة التصوير، أما المخرج فأصيب فقط. وعلى الرغم من أن الصحافة العالمية تكلمت عن طلقة واحدة، فقد يتعلق الأمر بطلقتين، حيث أصيبت مديرة التصوير في المعدة، بينما أصيب المخرج في رأسه. ولم تكن هذه المصورة سوى الرابعة ـ في تاريخ السينما الأمريكية ـ بين المصورين الذين قتلوا أثناء التصوير حيث توفي مصور فيلم «رجال مثل هؤلاء خطرين» Such Men are Dangerous (1930) عندما ارتطمت طائرتان استخدمتا لتصوير الفيلم، ببعضهما في الجو، ما تسبب في مقتل كل من كان على متنهما. وتوفي مصور فيلم «مشروع ساحرة بلير» Blair Witch Project غرقا عندما سقطت طائرته بالقرب من ساحل فلوريدا، وتوفي مصور فيلم Skiptrace (2014) غرقا أيضا أثناء تصوير أحد مشاهد الفيلم الذي كان من تمثيل جاكي تشان.
الغريب في الأمر أن الكثيرين اعتبروا هذه الحادثة الخطيرة شيئا جديدا، بينما في الواقع، لم تكن الأولى أو الأكثر مأساوية في صناعة السينما، التي طالما عانت من سوء احتياطات السلامة، وقلة كفاءة بعض العاملين فيها، ما أدى إلى مقتل أكثر من ثلاثمئة وخمسين شخصا، وهذه بالطبع ليست المشاكل الوحيدة التي تضر بهذه الصناعة. وتوفي عدة عاملين في صناعة السينما بالرصاص لأسباب مختلفة، إذ قُتِلَ مسؤول الصوت في فيلم وثائقي باسم «شرطة» Cops برصاص الشرطة أثناء تبادل لإطلاق النار بين الشرطة ولصوص مسلحين في أحد مطاعم الوجبات السريعة عام 2018.
كان أول من سقط صريعا بطلقة «صديقة» في عالم السينما عام 1915 في فيلم «الرهينة» The Captive، الذي كان من إخراج سيسيل بي دميل، عندما قام الممثلون بإطلاق النار باتجاه باب موصد برصاص حقيقي لإعطاء المشهد طابعا واقعيا، ثم أمر المخرج الممثلين بإبدال الرصاص الحقيقي بآخر فارغ وإطلاق النار باتجاه الباب بعد فتحه، وإذا بأحد الممثلين يسقط صريعا برصاصة في الرأس، حيث أغفل الممثل الذي أطلق النار عليه وجود طلقة حقيقية في بندقيته.
الحادثة الشهيرة للممثل براندن لي (ابن بروس لي) عام 1993 حيث قتل بطلقة حقيقية لم يلاحظ أحد انها كانت في المسدس.
وتعتبر الإصابات الناجمة عن إطلاق النار الأكثر تداولا في الصحف لسبب ما، حيث يعرف الكثيرون عن حادثة الممثل جون أيريك هيكسام، الذي كان يتسلى بلعب الروليت الروسية بمسدس مليء بالرصاص الفارغ اثناء استراحة بين مشاهد تصوير مسلسل شهير باسم Cover Up. وكان هذا الممثل الشاب يجهل أن الرصاص الفارغ يكون قاتلا، إذا كان قريبا من الجسم، ولذلك أصيب إصابة قاتلة في راسه. وهناك بالطبع الحادثة الشهيرة للممثل براندن لي (ابن بروس لي) عام 1993 حيث قتل بطلقة حقيقية لم يلاحظ أحد انها كانت في المسدس.
إذا كان إطلاق النار خطأ في مواقع التصوير الأكثر تداولا في الإعلام، فالواقع مختلف حيث تشكل الاصابات بسبب الأعيرة النارية أقلية في هذا المجال، وتعددت الأسباب بشكل كبير، فمثلا كان أول الضحايا في عالم السينما الممثلة غرَيس مكهيو، التي تطلب المشهد عبورها بالقارب لنهر صغير أسيء تقدير قوة تياره، ما أدى إلى انقلاب قاربها، فقفز المخرج لإنقاذها لكن الاثنين غرقا في نهاية المطاف. وإذا كانت التقارير الصحافية صحيحة فإن أكبر عدد من الخسائر البشرية في فيلم واحد كان في فيلم «الغازي» The Conquerer الذي عرض عام 1956، إذ أصيب واحد وتسعون من أفراد الطاقم، الذي كان مكونا من مئتين وعشرين شخصا، بالسرطان بسبب كون موقع التصوير قريبا من منطقة أجريت فيها تجارب نووية. وكان من ضمن المتوفين نجما الفيلم جون وَين وسوزان هَيوورد، حيث أصيب جون وَين بسرطان المعدة، بينما أصيبت «سوزان هَيوورد بسرطان الدماغ. وقد رفع ابن جون وَين قضية على الحكومة الأمريكية بسبب هذا، دون أن يحالفه النجاح.
إذا اعتقد القارئ أن السينما الامريكية تمتاز بالحوادث، فهو على خطأ حيث وقع أحد اسوا الحوادث في الهند، عندما احترق الاستوديو الهندي عام 1989 أثناء تصوير فيلم «سيف تيبو سلطان» مسببا مقتل اثنين وستين من طاقم الفيلم، وكاد مخرج الفيلم، الذي كان نجمه كذلك، أن يكون أحدهم، إذ تعرض لحروق شديدة جعلته يخرج من المستشفى بعد ثلاثة عشر شهرا واثنين وسبعين عملية. أما السينما الألمانية، فلها حصتها من الحوادث المؤسفة، وأشهرها فيلم «فيتزكارالدو» Fitzcarraldo (1982) الذي كان من تمثيل الألماني كلاوس كينسكي، حيث سقطت طائرتان أثناء استخدامهما في العمل، ما أدى إلى إصابة البعض حتى بلغت إصابة أحدهم بالشلل. وقام المخرج بتوظيف محليين للعمل كعمال، لكن ظروف العمل كانت سيئة، إلى درجة أن بعض العمال تعرضوا لإصابات أثناء العمل وقُتِلَ البعض منهم. ومن الأحداث الغريبة في هذا الفيلم أن أحد العمال المحليين في موقع التصوير تعرض للدغة أفعى سامة، فقام ببتر ساقه بمنشار كي لا ينتشر السم في جسمه. وزاد الأمر سوءا أن المخرج استعمل قطعة من الأرض التابعة لقبيلة محلية دون رخصة منها، وعندما احتجت تلك القبيلة بشدة حصلت مواجهات عنيفة (قيل إن المخرج أجر مسلحين) أدت إلى اصابة أحد الممثلين بسهم، لكنه لم يمت.

حطام طائرة الهليكوبتر التي أودت بحياة الممثل فيك مورو و الطفلين الفيتناميين
كانت صناعة السينما الأمريكية غير مقيدة بأي قانون حول سلامة العاملين، على الرغم من الحوادث العديدة التي أدت إلى إصابة أو مقتل العاملين فيها حتى إنتاج فيلم «سفينة نوح» عام 1928، إذ اراد المخرج أن يكون مشهد الفيضان واقعيا، فاستخدم مليونين وثلاثمئة ليتر ماء لتصوير المشهد الشهير. لكن المشهد لم يكن شهيرا لضخامته الاستثنائية فحسب، بل كذلك بسبب غرق ثلاثة من الممثلين الثانويين، وإصابة العديد من المشتركين في الفيلم حتى تعرض أحدهم إلى عملية بتر لساقه، وبلغ عدد سيارات الإسعاف التي نقلت المصابين إلى المستشفى خمسة وثلاثين سيارة. وبسبب هذا الفيلم فرضت صناعة السينما بعض القيود لضمان السلامة، لكن هذه القيود لم تكن أبداً كافية ولم يتم تحديثها، حتى حدثت مأساة فيلم «منطقة بعيدة جدا» The Twilight Zone الذي عرض عام 1983 حيث كان المشهد يقتضي أن يحمل الممثل فيك مورو، طفلين فيتناميين بعيدا عن طائرة عمودية (هليكوبتر) عسكرية كانت محلقة على ارتفاع ثمانية أمتار وسط ألعاب نارية ومفرقعات، حيث كان المشهد عن طائرة تقصف قرية فيتنامية، لكن الألعاب النارية جعلت قائد الطائرة يفقد السيطرة على الطائرة، التي أخذت تدور بشكل عشوائي، ما أدى إلى ميلانها وقطع رأس الممثل وأحد الطفلين بالمروحة الرئيسية قبل أن تسقط على ثلاثتهم. وقد أظهر هذا الفيلم استهتار بعض القائمين على صناعة السينما بأبسط شروط السلامة والقوانين، إذ كان القانون في كاليفورنيا ينص على عدم توظيف الأطفال في مثل هذه الظروف. ومع ذلك أفلت المخرج من تهمة القتل الخطأ، وسط احتجاجات وقضايا طويلة في المحاكم دامت عشر سنوات. وبدأت حملة لزيادة قوانين السلامة عام 2014 عندما قتلت امرأة من طاقم الفنيين العاملين في فيلم «راكب منتصف الليل» Midnight Rider بقطار عندما كان طاقم الفيلم يحاول تصوير مشهد على خط لسكة الحديد. وتعرض مخرج الفيلم للمحاكمة وسُجِنَ لمدة عام نتيجة لإهماله.
قد تبدو نسبة الحوادث التي تسبب مقتل العاملين في الأفلام كثيرة، لكن نسبة الحوادث التي تسبب الجروح والإصابات أكثر بكثير، إذ انتهت مسيرة الممثل بيرت رينولدز من الناحية العملية عندما كان يمثل أحد مشاهد فيلم «حرارة المدينة» City Heat (1984) الذي شمل ضرب الممثل بكرسي معدني على وجهه. ويستعمل الممثلون في هذه الحالة كرسيا خاصا، لا يؤذي الممثل، لكن الممثل الضارب التقط كرسيا معدنيا حقيقيا وانهال به على وجه بيرت رينولدز، ما أدى إلى تهشيم فك الممثل. أما مايكل جَي فوكس، فقد كاد أن يموت أثناء تصوير أحد مشاهد فيلم «العودة إلى المستقبل، الجزء الثالث» Back to the Future III الذي عرض عام 1990 حيث كان المشهد يشمل عملية شنقه، ولم يلاحظ أحد أنه كان يختنق بالفعل حتى فقد وعيه، ولم ينقذه سوى أحد الممثلين الثانويين، الذي لاحظ خطورة الموقف. وتعرض العديد من الممثلين المعروفين للإصابات مثل بروس ويليس وهاريسن فورد وتوم كروز وغيرهم.

الممثلة تيبي هيدرن أثناء تصوير فيلم زئير
قد تكون الحيوانات في صناعة الأفلام أحد مصادر الخطر لطاقم الفيلم، وهناك الحادثة الشهيرة التي هجم فيها نمر سايبيري على ممثلة أثناء تصوير إعلان تلفزيوني، لكن الحادثة الأشهر وقعت أثناء تصوير فيلم «زئير» Roar (1981) الذي كانت نتيجته إصابة سبعين من طاقم الفيلم بسبب مهاجمة الأسود والفيلة لهم. واحتاج المصور إلى مئتين وعشرين غرزة لخياطة جرح بسبب عضة أسد، وكذلك الممثلة تيبي هيدرن التي احتاجت إلى ثمانية وثلاثين غرزة لخياطة جرح سببته عضة أسد، بالإضافة إلى تعرضها لفطر في عظم الساق، وإصابات أخرى بسبب هجوم فيل. ولم تنجُ ابنة الممثلة تيبي هيدرن، الممثلة ميلاني غريفيث (والدة الممثلة داكوتا جونسن) من الإصابات حيث احتاجت إلى خمسين غرزة في وجهها، وكذلك الممثل جون مارشال الذي احتاج إلى ستة وخمسين غرزة. ولا غرابة في أن الكثير من العاملين في الفيلم تركوا العمل قبل نهايته.
باحث ومؤرخ من العراق