عندما يتشدق البرابرة بحقوق الانسان العراقي
هيفاء زنكنةعندما يتشدق البرابرة بحقوق الانسان العراقيتشير مقدمة اتفاقية الامم المتحدة لمناهضة التعذيب التي وقعت عام 1984 ودخلت حيز التنفيذ في 26 حزيران (يونيو) 1987، وغيرها من المعاهدات الاقليمية، الي انها تسعي الي ضمان احد اكثر الحقوق بداهة، أي عدم التعرض للتعذيب، مرسخا في قوانين تعكس ارادة كافة الشعوب.هذا ما تقوله لنا المعاهدة الانسانية التي ترغب الشعوب في ترسيخها، ويطمح الشعب العراقي، كما حال بقية الشعوب، الي التمتع بحمايتها وتطبيقها. ومن المعروف ان الادارة الامريكية والحكومة البريطانية استخدمتا حماية حقوق الانسان العراقي كواحدة من التبريرات لشن الحرب علي العراق، وازدادت الحاجة الي التبرير، خاصة، بعد تبدد وهم اسلحة الدمار الشامل، لتوفير الغطاء الاخلاقي للاحتلال وفرض هيمنة الاستعمار العنصري الجديد.في ظل الاحتلال وانتهاكاته الجسيمة لحقوق الانسان، ولدت مئات المنظمات وباسماء تراوح ما بين الدفاع عن حقوق الانسان الي المنظمات النسوية والشبابية، مدعية بانها منظمات مجتمع مدني، غير حكومية، ومستقلة. كما تم، في ظل الاحتلال ايضا، خلق حقيبة وزارية اطلق عليها اسم وزارة حقوق الانسان. وما تزال لدينا الان، ضمن الحكومة المنتهية صلاحيتها، وزيرة لحقوق الانسان.قامت ادارة الاحتلال، بعد تفكيك الدولة والغاء الجيش، بمحاولة تشكيل البديل، من منظمات المجتمع المدني الي الفرق والميليشيات المسلحة. من ناحية المنظمات، قامت بتوزيع المخصصات والمنح علي بعضها كما تم تدريب عدد آخر منها، في دورات خارج العراق، اما من قبل منظمات امريكية تصف نفسها بانها منظمات مجتمع مدني وهي مدعومة ماديا من قبل وكالة التنمية الامريكية التي تفرض علي كل من يتلقي الدعم منها، مهما كان مجال عمله، ان يكون ذراعا تنفيذيا للسياسة الامريكية، حسب تصريح مديرها العام، او من قبل الحكومة البريطانية. وان ساهمت الامم المتحدة عبر منظماتها المختلفة ومن خلال التنسيق والتعاون، احيانا مع بعض الجهات العراقية المعنية، باقامة دورات تدريبية ايضا.وعلي الرغم من وجود عدد محدود من المنظمات المدنية المستقلة، بمعني الاستقلال الحقيقي دعما وسياسة واهدافا، وبضمنها بعض منظمات حقوق الانسان التي تعاني من صعوبات جمة تصل الي حد تهديد حياة العاملين فيها، الا ان انتهاكات حقوق الانسان، في ظل الاحتلال، في عموم العراق، بلغت مداها. بدءا من المصائب اليومية المتبدية في الخطف والقتل الي قصف المدن والاغتيالات المنظمة والاعتقالات الجماعية ومداهمة البيوت وتهديمها واستخدام الاسلحة المحرمة دوليا.فصارت وزارة حقوق الانسان، التي استبشر بها بعض العراقيين خيرا، واجهة لتبرير الاحتلال وافعاله الهمجية، تصريحا وصمتا، بدلا من تمثيل المواطن العراقي والدفاع عن قيمه وكرامته وحرمة حقوقه. وصارت منظومة حقوق الانسان، لا تزيد عن كونها راية ملونة مطرزة بكلمات ومصطلحات جميلة تشبه السراب، تداعب مخيلة الناس عن مبعدة بدون ان ان يتمكنوا من العثور عليها.وفي الوقت الذي يتم فيه الاعلان عن الدورة تلو الدورة للتدريب علي حقوق الانسان، وبميزانيات كبيرة، يعيش المواطن العراقي فظاعة انتهاكات حقوقه الواحدة تلو الاخري وبتنويعات تجعله مقتنعا باقامة مسابقة منظمة لتعذيبه، المتسابقون فيها هم القوات الامريكية والبريطانية والعراقية.فبعد فضيحة التعذيب المريعة في معتقل ابو غريب، الذي بات رمزا عالميا للتعذيب، من قبل الجنود الامريكيين، طفت علي السطح تفاصيل جريمة تعذيب وقتل السجناء في البصرة من قبل الجنود البريطانيين، لتليها جرائم تعذيب المعتقلين في الجادرية من قبل مغاوير وزارة الداخلية العراقيين. ثم عادت القوات البريطانية لتمنحنا بالصوت والصورة لقطات لذة التعذيب بالضرب والركل كما مارسها جنودهم بحق اربعة صبيان من اهل العمارة شاركوا في مظاهرة، معتقدين بانهم انما يمارسون واحدا من حقوقهم الاساسية في العراق الجديد. ومهما ادعينا باننا نعرف طبيعة البرابرة ووحشية سلوكهم، فاننا غير قادرين علي اخفاء احساسنا بالصدمة والتقزز من صور واشرطة فيديو التعذيب في ابو غريب. ويزيد من حجم الصدمة ردود الافعال المتشابهة بين مسؤولي الاحتلال ومستخدميهم من العراقيين، والفرق الهائل بينها وبين ردود افعال الناس العاديين. لقد أكد المتحدثون الرسميون، جميعا، علي ان الصور قديمة وان توقيت نشرها سيء وقد يؤثر علي سلامة الجنود البريطانيين والامريكيين، وان التحقيق فيها قد انتهي.حيث قال المتحدث باسم الخارجية الامريكية اننا وضعنا ضوابط تمنع تكرار التعذيب في سجن ابو غريب منذ وقعت تلك الحادثة قبل سنتين.وثمن كامران القره داغي الناطق الرسمي باسم طالباني، فيما يخص ضرب الفتيان، الموقف الجيد للحكومة البريطانية التي أدانت الحادث وفتحت تحقيقا بهذا الشأن، معتبرا انه يمثل عملا منفردا لا يعكس طبيعة الدور المهم والفاعل الذي تقوم به القوات متعددة الجنسية في العراق.وفي الوقت الذي طالبت فيه منظمات حقوق الانسان العالمية بالتحقيق من جديد في جرائم الاحتلال، مؤكدة بان انتهاكات حقوق الانسان والتعذيب لا تقتصر علي سجن ابو غريب فحسب بل تنتشر في باقي السجون والمعتقلات وانها عمليات انتهاك وإساءة منهجية واسعة النطاق، اختارت نرمين عثمان، تكرار نغمة المسؤول الامريكي، حيث قالت: ان الحالة في سجن ابو غريب تحسنت منذ التقاط الصور. وان هناك تغييرا في السياسة الامريكية في التعامل مع المحتجزين العراقيين. متجاهلة بان منافسة التعذيب والانتهاكات المحمومة بين قوات الاحتلال الامريكية والبريطانية وشريكتها العراقية، في اعوام الاحتلال الثلاثة، قد غيرت مفردات ومصطلحات حقوق الانسان، كما تعرفها منظمات حقوق الانسان، لتصبح كالآتي: صور ولقطات فيديو. معتقل ابو غريب، انتهاك، فضائح، القيام بممارسات جنسية أمام الكاميرا، اعتقال اولاد عراقييين للضغط علي آبائهم المعتقلين، الاحتقار، التعذيب، القتل، الاذلال. صور تعذيب جديدة، إذلال جنسي، جنود امريكيون يعذبون معتقلين عراقيين، اغتصاب اولاد. صور فوتوغرافية لجثث. أوضاع جنسية مهينة. عمليات انتهاك واساءة. الضرب بالهراوات والرفس بالأرجل وتمزيق الملابس والاهانة، سجناء غارقون في الدماء، ملف يضم مئات الصور. شريط فيديو يظهر سجينا يضرب رأسه في الحائط، معتقل ملوث بالغائط. اجساد عارية متورمة، أجساد عارية متكومة باشكال مختلفة، سجين عار مغطي الرأس، معتقلات، كلاب سوداء.أما في ملف الصور المهينة، فصارت بنود حقوق الانسان كالآتي: جندي يبتسم بجوار سجين ينزف دما. سجناء تستخدم معهم انواع مختلفة من آلات التعذيب . جندية امريكية تسحب معتقلا عاريا من حزام مشدود حول عنقه. إجبار خمسة من المعتقلين الذين غطيت رؤوسهم علي التعري وممارسة الاستمناء أمام الكاميـــرا. معتقل مصاب بإحدي عشرة رصاصة في أنحاء متفرقة من جسمـــــه. لقطات فيديو لمعتقلين مقيدين بأبواب الزنزانات وضرب رؤوسهم بالأبواب بقوة.فمن هو المسؤول عن هذه الجرائم؟ ان قوات الاحتلال وبناء علي تشريع قانوني خاص تتمتع بالحصانة من العقاب امام القضاء العراقي مهما ارتكبت من جرائم بحق المواطنين. كما لا يمكن اخضاعها للتحقيق من قبل لجنة تحقيق مستقلة. علي الرغم من ذلك، تصر حكومة الاحتلال علي تمديد بقاء القوات الاجنبية حماية لها ولمصالحها الخاصة. وعلي الرغم من ذلك، تبقي مسؤولية حكومة الاحتلال واضحة ازاء المواطنين، خاصة، وانها تقدم نفسها باعتبارها حكومة عراقية منتخبة وذات سيادة. اذ تنص المادة الثانية من الجزء الاول في اتفاقية مناهضة التعذيب الي: وجوب ان تتخذ كل دولة طرف اجراءات تشريعية او ادارية او قضائية فعالة او اية اجراءات اخري لمنع اعمال التعذيب في اي اقليم يخضع لاختصاصها القضائي. ولايجوز التذرع بأية ظروف استثنائية ايا كانت، سواء أكانت هذه الظروف حالة حرب او تهديدا بالحرب او عدم استقرار سياسي داخلي او اية حالة من حالات الطوارئ العامة الاخري كمبرر للتعذيب .ان جوهر حقوق الانسان هو حماية الكرامة الانسانية والدفاع عنها، بكل الطرق الممكنة. مما يتطلب الوقوف بجانب من يعاني والتعاطف معه والدفاع عن شرف انسانيته. وعندما تنص اتفاقية مناهضة التعذيب علي عدم جواز تعرض احد للتعذيب او المعاملة المهينة، وحماية جميع الاشخاص من التعرض للتعذيب، وغيره من ضروب المعاملة او العقوبة القاسية او اللانسانية او المهينة. فانها لاتحمي انسانا دون غيره، بل وتنص المادة 16 وبوضوح علي معاقبة.أي موظف عمومي او شخص اخر يتصرف بصفة رسمية، عندما يرتكب هذه الاعمال او يحرض علي ارتكابها، او عندما تتم بموافقته او بسكوته عليها، خلافا لازدواجية المعايير التي يكرسها الاحتلال الانكلو ـ امريكي وحكوماته المتعاقبة في بلادنا، ولأن هدف التعذيب هو اذلال العراقي وتجريده من كرامته الانسانية، سيبقي فعل مقاومة الاحتلال هو الاساس لاسترداد الكرامة. 9