عندما «يزحف» بيروقراط الأردن وهو يكافح «التطرف»

لا تضيف التقارير التي تصدرها مؤسسات امريكية رسمية وأهلية حول عدم انتاجية وجدية خطط ومشاريع مكافحة التطرف في بلد كالأردن جديدا من اي نوع للواقع الموضوعي المأساوي بيروقراطيا والمفتوح على كل المفاجآت أمنيا واقليميا.
الشعور يتعاظم وسط المثقفين الاردنيين انفسهم بعدم وجود ارادة سياسية حقيقية عند الحكومة والسلطة لمواجهة التطرف.
والاردن لا يشذ عن قواعد الشرق العربي ولا عن قواعد اللعبة الاقليمية التي دفعت وتدفع ثمن الاستثمار السياسي والامني في مظاهر وجماعات وعقائد المتطرفين فطوال الوقت وبسبب الاجندات الاقليمية المتعاكسة والضغط الاقتصادي وهوس البحث عن دور والبقاء سياسيا انشغلت مؤسسات اردنية كغيرها من المؤسسات العربية في محاولات الاستثمار والتوظيف المتعلقة بالخطاب المتطرف حتى اصبح هذا الخطاب عبئا ثقيلا على الجميع.
لذلك لا يضيف الأمريكيون شيئا حقيقيا وهم يتحدثون عن عدم وجود موارد ولا كوادر لتنفيذ خطط ورقية في مجال مواجهة التطرف في الاردن.
وذلك ليس فقط لأن البيروقراطية الاردنية تبدو مرتبكة وزاحفة عندما يتعلق الامر بملفات الخطاب الديني.
ولكن ايضا لأن اجهزة الاستخبارات الامريكية كانت ولازالت المساهم الاكبر لشركة التطرف والارهاب العابرة اليوم للقارات والتي اشتد عودها وتعملقت واصبحت في بعض المواقع مليئة بالامكانات المالية والاستثمار الربحي في مجال التطرف والاعمال الارهابية القاتلة فيما لم تعد الحاجة ملحة اليوم مع تطور نظرية الذئب المنفرد إلى امكانيات مالية ضخمة لإدارة الجرائم.
الذئب يمكن ان ينفرد في اي زمان ومكان ما دامت اسرائيل والولايات المتحدة قد رفعتا من قيمة القتل والدم الجزافي ومارستا ارهاب الدولة ضد شعوب المنطقة المبتلاة في العراق وسوريا وفلسطين ولبنان وهي نفسها الشعوب التي انتهكتها ثنائية الفساد والاستبداد خصوصا وان العالم وهو مشغول بصورة هوسية بمتابعة ما يسمى بالإرهاب والتطرف لا يريد الاقرار بالحقائق والوقائع ولا يريد ان تبدأ المواجهة من تلك الذرائع التي يشكل وجود اسرائيل والانظمة القمعية وغياب الديمقراطية مركز ثقلها الاساسي.
الذئب المنفرد اليوم لا يحتاج لأكثر من مسدس ورصاصة بنصف دولار، وتهريب وتجارة الاسلحة نشطة جدا وفعالة بين دول المنطقة ابتداء من روسيا وتركيا إلى الصين والسعودية ثم لبنان والعراق ومصر.
لافت جدا ان الارهابيين الذين يعلنون الجهاد باسم الله والسماء ويسفكون الدم باسمنا نحن المسلمين يخفقون حتى بصناعة رصاصة واحدة فتقنية المتفجرات امريكية او غربية او اسرائيلية والأسلحة الرشاشة صينية او روسية او تركية وكل انظمة المتفجرات والتوجيه عن بعد مصنوعة في الغرب.
حتى زناد المسدس لا يصنعه دعاة الخلافة والجهاد والعالم يعرف ذلك جيدا وبالتالي الاستثمار والتوظيف في شركة عملاقة عابرة للقارات اسمها الارهاب يساهم في اعاقة اي مشروع وطني حقيقي تحت عنوان التصدي للفكر المتطرف .
مواجهة التطرف في البلدان العربية والاردن من بينها تحتاج لما هو أكبر من افكار ومقترحات على الورق او من خطابات انشائية ومشاريع ذات صلة بالإسلام المعتدل.
مواجهة التطرف حقا تعني مجتمع الانصاف والمواطنة والحقوق المتساوية والعدالة الاجتماعية ودولة القانون والمؤسسات وعدم وجود فساد او فاسدين.
مواجهة التطرف في بلاد العرب باعتبارها المخزن البشري للكادر والعناصر تعني انتخابات نزيهة وقضاء مستقلا واعلاما حقيقيا مستنيرا وقد تعني في الكثير من الاحوال انني لم اتمكن بعد اليوم كمواطن عربي من مشاهدة المئات من تلك الوجوه الكالحة المالحة التي تتصدر القرار والنخبة ووسائل الاعلام وتزاود بصورة مرضية على جميع المواطنين.
مواجهة التطرف تتطلب غياب الكثير من رموز الامر الواقع ومشاركة الناس حقيقة في صناعة واقعهم ومستقبلهم.
المواجهة نفسها تتطلب تقليص صلاحيات الحكام والانظمة ووجود رقابة وشفافية مالية والتخفيف من حدة السيارات الفارهة التي يمتطيها ممثلون مبدعون يخدعون الانظمة ويضللون الناس بنفس الوقت والمواجهة تتطلب دولة مؤسسات وقانون ومعيار قانوني يشمل الامير قبل الغفير وتقاسم منطقي للسلطة وتوزيع حر للثروة والتنمية وعطاءات شفافة لا يمكن خداعها او ملاعبتها.
المواجهة الفعلية تتطلب كل ذلك وأكثر من نفس عائلة القيم الديمقراطية التي تعارف وتآلف عليها الناس في كل مكان بالمجتمعات المتحضرة اليوم.
كل ذلك غير متوفر ولا توجد احتمالية في ان يتوفر قريبا وانا شخصيا أثق بالمعادلة التي طرحها المفكر عدنان ابو عودة وهو يستغرب مطالبة من يصنع الارهاب بالقضاء عليه، وخطبة من ينتج التطرف اصلا ضد مظاهر العنف والتطرف لأن غياب العدالة والديمقراطية قد يكون اللبنة الاولى في بناء انسان همجي متشدد لا يقبل الآخر ولا يؤمن بالشراكة ويتحول إلى جنرال خبير في خدمة الكراهية.
التطرف الحقيقي في الاردن وغيره مستقر في مناهج التعليم وفي الخطابات التي تزعم مواجهة التطرف فتستعير من نفس أدبياته مفاهيم متطرفة موازية.
بدون قفزات نوعية في مجال المواطنة والقانون والمؤسسات والديمقراطية الجذرية والحريات العامة سيراوح العرب انفسهم وستتحول دوما نغمة مواجهة التطرف إلى مجرد علكة تلوكها الألسن بدون مضمون.
هذا تماما ما يحصل وبالتالي لا تضيف الادارة الامريكية شيئا عندما تنتقد قصور خطط مكافحة التطرف في المجتمع الاردني فهي شريكة في الصناعة والانتاج وتتحمل العواقب ولا زالت شريكة في التوظيف الدولي والاقليمي إلا إذا كان المقصود مخفيا ولا علاقة له اصلا بقصة التطرف.

٭ إعلامي أردني من أسرة «القدس العربي»

عندما «يزحف» بيروقراط الأردن وهو يكافح «التطرف»

بسام البدارين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية