د. مدحت مريد صادقكان المأمول في عهد الرئيس محمد مرسي أن يتوقف المسؤولون عن اتباع النهج القديم في حل المشكلات عن طريق تغيير أسمائها، ذلك النهج الذي يستدعي إلى الذاكرة ما حدث عام 2000 عندما حصدت الفتنة الطائفية أرواح عدد من المواطنين في قرية الكشح بسوهاج، فلقد فكر رجال مبارك آنذاك طويلا حتى هداهم تفكيرهم إلى أن الحل الأمثل يكمن في تغيير اسم القرية، فسارعوا بتغيير الاسم ليصبح ‘قرية السلام’ بدلا من ‘الكشح’، وبهذا الحل العبقري تلاشت الفتنة الطائفية وعاش المسلمون والمسيحيون في مودة ووئام، تماما كما تقول تلك النكتة المصرية الشهيرة أن بقالا كتب كلمة ‘ملح’ على أكياس السكر في دكانه بهدف تضليل النمل. والمضحك المبكي هو أن اللجنة التأسيسية لصياغة الدستور تصر على معاملة الشعب المصري كأنه حشد من النمل. ودليلنا هو قضية مجلس الشورى، ذلك المجلس العجيب الذي ابتدعه السادات وأبقى عليه مبارك لأنه كان لكل منهما بمثابة ذهب المعز الذي استخدمه لترويض معارضيه كلما تعذر عليه التطويع بالسيف، لدرجة أن وزيرا في العهد البائد تفاخر ذات يوم بنجاح الحكومة في إدخال معظم المثقفين إلى حظيرة النظام من بوابة الذهب والمناصب. وربما لم يتوحد المصريون على شيء في تاريخهم قدر اتفاقهم على ضرورة إلغاء مجلس الشورى، بما يمثله من بوابة لاستنزاف الموارد وحماية الفاسدين دون أية فائدة حقيقية. ولهذا السبب توقعنا إلغاء ذلك المجلس عقب الثورة مباشرة، ولكن الإعلان الدستوري الأول الذي أصدره المجلس العسكري خذلنا وأبقى عليه، فانتظرنا أن يتم إلغاؤه في الدستور الجديد. وقد عبر المصريون عن رأيهم في المجلس أبلغ تعبير من خلال إحجامهم المذهل عن المشاركة في انتخاب أعضائه، ولكننا فوجئنا بأنباء تقول أن اللجنة التأسيسية لصياغة الدستور قد توصلت إلى حل رائع لمشكلة الإبقاء على المجلس، وهو بكل بساطة تغيير الاسم ليصبح ‘مجلس الشيوخ’ بدلا من ‘مجلس الشورى’، وبهذا الحل العبقري الذي يعجز محدودو الثقافة أمثالنا عن النفاذ إلى ما وراءه من حكمة وعمق، وجب علينا نحن المصريين أن نشكر اللجنة صباحا مساءا، فالعبوة التي كانت تحمل اسم ‘مجلس الشورى’ قرر البقالون الذين يصوغون دستورنا بعد الثورة أن يكتبوا عليها ‘مجلس الشيوخ’، وهكذا، وبجرة قلم واحدة حققنا قفزة نوعية، فحال تغير الاسم سوف يتحول مجلس الشورى بقدرة قادر من مصطبة للفاسدين والمقربين من السلطان إلى شيء مهيب كمجلس اللوردات البريطاني تماما، وسوف يتحول عضو المجلس الهارب صاحب عبارة الموت مثلا إلى سيناتور خدم بلاده مثل جون كيري، وسوف ننظر في وجه قاتل راقصة فنرى فيه سيناتورا آخر مثل جون ماكين، ولا عزاء لأستاذنا حسنين كروم الذي كان يطلق على أحدهم لقب ‘عضو مجلس الشورى المزمن بالتعيين’، فقد صار هذا المزمن سيناتورا مصريا راحلا، والفضل بالطبع يرجع إلى بقالينا الجدد من هواة تغيير الأسماء لخداع النمل أو لخداع الشعب، فلا فرق لديهم على ما يبدو. وواضح أن النظام الجديد حريص على الاحتفاظ بجزرة مبارك لترويض المعارضين بعد أن فقدت العصا مفعولها بعد الثورة. بيد أن هذا الأمر يهون بجانب ما أعلنته اللجنة التأسيسية من أنها قررت السماح لزوجة الرئيس في الدستور القادم بحمل جنسية أجنبية. وأطلقت اللجنة على ذلك التهاون المهين في شأن مواصفات رئيس مصر اسما آخر هو ‘عدم التزيد الذي لا مبرر له’، ولم يقل لنا صائغو الدستور ما وجه التزيد في اشتراط عدم الجمع بين جنسيتين في الرئيس وزوجته أو حتى أولاده؟ عندما تردد أن اشتراط الجنسية المصرية المنفردة في زوجة الرئيس في التعديلات الدستورية التي صاغتها لجنة المستشار طارق البشري قبل استفتاء 2011’الشهير كان هدفه إبعاد أشخاص بعينهم عن كرسي الرئاسة، تمنينا أن ينص الدستور الجديد على السماح بالترشح لمن تحمل زوجته جنسية عربية، وهو في الواقع مطلب قبل أن يكون أمنية، فلا شيء في رأينا يفرق بين مصري متزوج من مصرية وآخر متزوج من عربية، أما إطلاق النص ليسمح بأية جنسية أجنبية للزوجة فهو ينذر بخطر عظيم. وتجدر الإشارة هنا إلى أننا لا نشكك في ولاء أحد، فليس هناك ما ينتقص من ولاء المصري الذي يتزوج بسيدة تحمل جنسية غير عربية، كما أننا على يقين من أن هناك من المصريين الأقحاح غير الحاصلين على جنسيات أجنبية من لا يحمل في قلبه ذرة ولاء لهذا الوطن. إن تحفظنا ينبع فقط من خوفنا من أن يسمح دستورنا القادم بتحصين أي فرد من عائلة الرئيس عبر إسباغ الحماية عليه من دولة أجنبية، فما زلنا نذكر كيف أنه بعد ساعات قليلة من إعلان رئيس حكومتنا السابق، ومستشار رئيسنا الحالي، أن مصر لن تركع، كانت هناك طائرة تقلع من مطار القاهرة وعلى متنها جميع الأجانب المتهمين في ما عرف بقضية التمويل الأجنبي. ولا نريد لمثل هذه الإهانة أن تتكرر مجددا فنرى بأعيننا زوجة الرئيس أو أحد أفراد أسرته على متن طائرة تحلق إلى خارج مصر رغم أنوفنا! هذا هو السبب الرئيسي لتحفظنا وهو تحفظ لا مكان له مع زوجة تحمل جنسية عربية، فحرص الدول العربية على حماية مواطنيها خارج الحدود لا يقلق أحدا. كذلك فإن لتحفظنا وجها آخر، هو الحقيقة المؤلمة المتمثلة في أن هناك مصريين يعيشون في إسرائيل حاليا، وأن لهن بناتا ولدن هناك من أبوين مصريين، وبعضهن يحمل الجنسية الإسرائيلية، ومنهن من عادت إلى مصر وتزوجت مصريا، فهل سنصحو يوما لنجد في موقع رئاسة مصر رئيسا متزوجا من إسرائيلية؟ نحن لسنا دولة مهاجرين حتى نترخص في جنسية رئيس مصر وجنسية زوجته، فمصر أقدم دولة في التاريخ، وهي لن تعقم عن إنجاب رؤساء خالصي الانتماء لتراب مصر، هم وزوجاتهم وأنجالهم وآباؤهم وأحفادهم وأجدادهم، ففيم الترخص والتهاون؟ إن النص على ضرورة أن تكون زوجة الرئيس ‘مصرية أو عربية فقط’ هو نص ضروري من وجهة نظرنا. كذلك هناك’أمر آخر، وهو أن الدستور يؤمل فيه ألا يفرق بين الرجل والمرأة، ومن ثم يجب النص على أحقية المرأة المتزوجة في الترشح إذا كان زوجها مصريا أو عربيا فقط، وغير مسموح بالترشح لمن يحمل زوجها جنسية غير عربية. صحيح أن فوز امرأة بمنصب الرئاسة مستحيل عمليا في مصر إلا أنه يجب أن يكون جائزا نظريا على الأقل، ومن ثم فلا خوف من زوج عربي على رئيسة مصر المفترضة، ولكن الخوف من زوج يحمل جنسية غير عربية له ما يبرره. وأرجو ألا يحيلنا أعضاء اللجنة الموقرة إلى دساتير الدول الغربية، فإن مقارنتنا بهذه الدول إلا في مجال حقوق المواطن هي مقارنة ظالمة، فنحن مازلنا نحبو على طريق الديموقراطية، كما أننا تدربنا جيدا خلال عقود الفساد على فنون النفاق وحرفة صناعة الديكتاتور، وبيننا من يستطيعون تحويل الملائكة إلى طغاة في ستة أشهر، لذا وجب أن تكون نصوص الدستور حازمة ودقيقة وضامنة لحقوق الشعب، وليست مترفقة أو مجاملة للرئيس القادم. ولنا في زين العابدين بن علي عبرة وعظة، فلو كانت زوجته فرنسية ما كانت طائرته تعلقت في أجواء فرنسا زمنا بغير هبوط، ولكان الآن يتسوق معها في الشانزليزيه بدلا من العزلة المفروضة عليهما في السعودية، ولربما طلبت فرنسا تعويضا من تونس عن الضرر النفسي الذي سببته الثورة لزوجة بن علي عندما اضطرتها إلى الهرب المفاجئ تاركة أكوام النقد خلف الجدران واللوحات السرية. ولا ننسى أيضا ألبرتو فوجيموري الذي حكم بيرو لسنوات فأفسدها ثم تذكر أخيرا أنه ياباني فقفز إلى أول طائرة متجهة إلى اليابان. ونرجو ألا يتعلل فقهاؤنا القانونيون بأن مواد الدستور سوف تطرح في ‘حوار مجتمعي’ فهذا معناه أن أحدا لن يناقش الأمر، فضلا عن أن مصطلح ‘حوار مجتمعي’ لم يعد مقبولا نفسيا لأنه كان اختراعا حصريا للجنة سياسات الحزب الوطني المنحل، كما نأمل ألا يقول لنا أحدهم أنه ليس مهما من سيضع الدستور أو تفاصيل نصوص الدستور لأن الشعب نفسه هو الذي سوف يوافق على الدستور أو يرفضه في النهاية، فمثل هذا التذاكي عصي على الهضم، خصوصا وأننا جميعا نعلم أن شيئا يسيرا من الدعاية التي تتكئ على الاستقطاب الديني سوف يضمن توجيه الناس نحو قبول أو رفض أي دستور دون التفكير في محتواه، تماما كما حدث في استفتاء مارس 2011. إن غاية ما نتمناه على اللجنة التأسيسية هو أن تتوخى الحذر وأن تتشدد قدر الإمكان في مواصفات رئيس الجمهورية. إن الدساتير توضع لتقييد الحاكم وحماية المحكومين، ويقاس رقي الدساتير بمقدار ما تفرضه على الحاكم من قيود، وما تتيحه للمحكومين من حريات. لذلك لا نريد دستورا يحصن الرئيس أو أيا من أفراد عائلته، ولا دستورا ييسر طريق الوصول إلى الرئاسة، بل دستورا يفرز الرئيس ويقيد حركته قبل اعتلاء الكرسي وبعده. أكتب ذلك في أجواء يتردد فيها كلام عن ضرورة إعادة النظر في معاهدة كامب ديفيد، فليت اللجنة تفيق قبل أن تصحو مصر الثورة يوما على رئيس يطبع قبلة على جبين ‘السيدة كامب ديفيد’ شخصيا قبل الذهاب إلى عمله كل صباح. ‘ أستاذ جامعي مصري ت