عمان – «القدس العربي»: الاستنتاج كان في غاية الأهمية وما يعنيه المشهد الأردني قد يكون الأهم، فقد اجتمع 30 عضواً في مجلس النواب تقريباً بصفة غير رسمية في منزل أحدهم، فيما اجتمع 20 آخرون في منزل زميل آخر أملاً في الإجابة على سؤال بمنتهى البساطة بعد أزمة اعتقالات السبت وتداعياتها: ما الذي ينبغي علينا أن نفعله؟
في الاجتماعين لا إجابة محددة، فالوطن يتعرض لمؤامرة حسب بيانات الحكومة، والاعلام الكوني منشغل بأحداث الأردن، ومجلس النواب لم يجتمع بصفة طارئة رغم أنه الجهة الدستورية الأساسية، واقتصر الأمر على ظهور خطاب مكرر بعد الأحداث وبعد المصالحة التي عالجت ملفاً حساساً لرئيسه عبد المنعم العودات.
صاح أحد النواب بالزملاء المجتمعين حائراً: لن نستطيع القيام بالواجب، لأننا ببساطة لا نعرف ما الذي جرى ويجري.
الفكرة هنا أن أحداً في الدولة أو الحكومة لم يتحدث مع نواب الأمة وممثلي الشعب لا من قريب ولا من بعيد، بأي تفاصيل لها علاقة بأحداث السبت وتداعياتها. فقد وجد النواب أنفسهم مكبلين تماماً وخارج نطاق المبادرة والمناورة، وميالين لإصدار مواقف شخصية فقط خالية من دسم المعلومات تكرر إنشائيات الولاء الكلاسيكية.
نواب الشعب في الأردن وبصفة مؤسسية، لم يجتمعوا ولم تناقش معهم المؤامرة ولم يستشيرهم أحد، فخلال وعلى هامش أزمة كبيرة انشغل بها المجتمع الدولي والإقليم، كان النواب خارج الميكروفون، والمداخلة الوحيدة التي حظيت باهتمام كبير هي تلك التي تقدم بها زميلهم صالح العرموطي عندما خطف كل الأضواء، معتبراً أن الدستور لا يوجد فيه شيء اسمه زعزعة الأمن والاستقرار.
خفف النواب قصداً من الحديث عن ملف تلك الاعتقالات الكثيرة وما تبعها، لأنه تماماً خارج سياق المعلومات، ولأن الملف محرج وحساس. لكن ذلك انتهى بالتأكيد بتكريس الصورة النمطية السلبية عن مجلس النواب، كما يرجح النائب الدكتور عبد الرحيم المعايعة، وهو يبلغ «القدس العربي» ضمنياً بأن ترك النواب في ظلام المعلومة يدفعهم إلى القصور في التعبير عن موقف والقيام بواجب، لأن المجتمع الأردني يفترض أنه يحتاج إلى دولته ونوابه معاً.
لاحظ المعايعة ذلك، ولاحظ معه آخرون حالة مستجدة، قوامها أن معسكر الاعتدال والموالاة في مجلس النواب -وهو يشكل الأغلبية في كل حال- ظل خارج نطاق المعلومة، وحيرته تماثل حيرة المواطنين والنخب، لأن الإنشائيات هي التي سيطرت عبر بعض السياسيين التقليدين في 3 محطات تلفزيونية محلية، دون أن يتوقف النواب عند محطة الحقائق والوقائع.
قالها برلماني مهم أمام «القدس العربي»: «كان الولاء أعمى وبلا معلومة، وفي مشهد مثل هذا النوع من الطبيعي أن تصبح الموالاة أخطر من المعارضة لأنها مرتبكة ولا تعرف ما الذي ينبغي أن تفعله ولا يحصل».
تلك مفارقة أساسية يلتقطها برلماني لديه خبرة في التفاصيل، وقوامها أن الولاء للدولة لن يكون منتجاً ما دام معسكره يقرأ ويسمع الأخبار عبر المنصات مثل بقية المواطنين، ومادامت الرواية الرسمية للأحداث لم تكن صلبة، لا بل لم تكن مقنعة في بعض التفاصيل؛ لأن مجلس النواب من واجبه أن يتصدى ويتصدر ويقاتل عندما تحصل مؤامرة لزعزعة أمن واستقرار المملكة، تحدث عنها بعض المسؤولين علناً.
يلتقط عضو البرلمان المشاكس أسامة العجارمة، مفارقة أغرب وهو يتحدث عن «تقزيم» مؤسسة البرلمان، مشيراً إلى أن الأجدى أن يسمح للنواب بتناول القضية، مستغرباً إقصاء نواب الأمة في ظل معركة يقودها الوطن.
المؤلم سياسياً ودستورياً أن العجارمة يتحدث عن عدم السماح للنواب باستعراض ما حصل في الوطن.
المؤلم أكثر دستورياً هذه المرة، أن مثل هذه المداخلات لا تحدد لا الجهة التي منعت النواب من النقاش أو الاجتماع أو المبادرة، ولا الكيفية الدستورية التي يمكن عبرها منع ممثلي الشعب من المبادرة أو عقد اجتماع طارئ مثلاً، فقد قدر من يديرون المسرح التشريعي مبكراً بأن عقد اجتماع مباشرة بعد أحداث السبت المثيرة يمكن أن يؤدي إلى انفلات؛ فنواب الموالاة يمثلون الأغلبية الساحقة، لكنهم قد يشكلون عبئاً على الجملة التكتيكية للحكومة في إدارة المشهد، أو على حد وصف زميل لهم من أبرزهم قد يسيرون بملف حساس إلى اتجاهات غير مدروسة لا بل فوضوية.
لذلك كان التقدير الأعمق أن يداخل رئيس المجلس العودات فقط باسم مؤسسة النواب التي لا يفتقدها الشارع الأردني بطبيعة الحال، وثبت اليوم أن مؤسسات الدولة يمكنها أن تتجاهلها عند المنعطفات والمنحنيات الحساسة والمفصلية.
تلك ضربة موجعة لمجلس نواب ولد جديداً للتو بعد انتخابات اتهمت بالهندسة وأثارت جدلاً. لكن حتى النائب العجارمة نفسه وهو يعترض، لا يبلغ الرأي العام ولا الناخبين عن تلك السلبية التي تدفع النواب لانتظار قرار ما من السلطات التنفيذية يسمح لهم أو لا يسمح بشيء، بمعنى مجلس النواب سيد نفسه، وهي عبارة سمعتها «القدس العربي» عدة مرات من العودات شخصياً، مع أن هذه الاستقلالية لم تمارس في أزمة تم تدويلها عالمياً.
المقصود أو ما يكشفه ضمناً نائب مشاكس مثل العجارمة، هو إقرار ضمني بأن النواب ينتظرون في المنعطفات أن يسمح لهم أو يمنعوا من أي تحرك، وتلك واحدة من المفارقات الكبيرة التي طالما أثارت الجدل في الحالة السياسية والديمقراطية والمحلية الأردنية. وهي نفسها المفارقة التي تقود إلى فرضية قد لا تكون دقيقة، لا بل ظالمة ومتعسفة ضد النواب عندما تستند إلى أن الأفضل لمصالح الدولة عند المنعطفات الحرجة تجاهل دور النواب.
يحتاج الأمر إلى مران سياسي وتشريعي، ولاحقاً إلى إصلاح وطني شامل وانتخابات نظيفة ولو لمرة واحدة حتى يعالج مثل هذا التصدع الكبير في بنية العلاقة بين السلطات في الأردن.
في المقابل، السؤال نفسه معلق: ما هو بصورة محددة دور مجلس النواب إذا سمح أو لم يسمح له بالتصرف والاجتماع والتحرك وسط المجتمع في أزمة مثل ملف اعتقالات السبت؟ سؤال يجيب عليه النواب أنفسهم لاحقاً.